وذلك أنّ السلطان رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في الملك وتمكين الله إياه في البلاد وانقياد الناس لطاعته ولزومهم قانون خدمته ليس لها شكر سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد إلى إقامة قانون الجهاد، فسير إلى سائر العساكر واستحضرها، واجتمعوا إليه بعشترا في التاريخ المذكور، وعرضهم ورتبهم، واندفع قاصدًا نحو بلاد العدو المخذول في نهار الجمعة سابع عشر ربيع الآخر، وكان أبدًا يقصد
[ ١٢٦ ]
بوقعاته الجمع سيّما أوقات صلاة الجمعة تبرّكًا بدعاء الخطباء على المنابر، فربّما كانت أقرب إلى الإجابة، فسار في ذلك الوقت على تعبية الحركة، وكان بلغه أن العدو لما بلغهم أنه قد جمع العساكر اجتمعوا بأسرهم في مرج صفورية بأرض عكا وقصدوا نحو المصاف معهم، فسار ونزل من يومه على بحيرة طبرية عند قرية تسمى الصبيرة، ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على سطح الجبل بتعبية الحرب منتظرًا أن الإفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلهم، وكان نزوله في هذه المنزلة يوم الأربعاء الحادي والعشرين، فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو، ونازل طبرية وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدي إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل، واحتمت القلعة وحدها. ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم، وقصدوا طبرية للدفع عنها، فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الإفرنج، فسيروا إلى السلطان من عرّفه ذلك، فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر هو ومن معه، فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في أواخر الخميس الثاني والعشرين، وحال الليل بين الفئتين، فتبايتا على مصاف شاكي السلاح إلى صبيحة الجمعة في الثالث والعشرين، فركب العسكران وتصادما، وعملت الجاليشية،
[ ١٢٧ ]
وتحركت الأطلاب، والتحم القتال، واشتد الأمر، وذلك بأرض قرية تسمى اللوبيا، وضاق الخناق بالقوم هذا وهم سائرون كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وقد أيقنوا بالويل والثبور. وأحست أنفسهم أنهم في غد زوّار القبور. ولم يزل الحرب يلتحم. والفارس مع قرنه يصطدم. حتى لم يبق إلاّ الظفر. ووقع الوبال على من كفر. فحال بينهما الليل وظلامه، وجرى في ذلك اليوم من الوقائع العظيمة، والأمور الجسيمة، ما لم يحك عمّن تقدم، وبات كل فريق في سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض. وشغله النصب عن الحبو فضلا عن الركوض. حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه فطلب كل من الفريقين مقامه، وعلمت كل طائفة أن المكسورة بينهما مدحورة الجنس معدومة النفس. وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد القوم وأن لا ينجيهم إلاّ الله تعالى، وكان الله قدّر نصر المؤمنين ويسّره. وأجراه على وفق ما قدّره. فحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة الرجل الواحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين. وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين. وكان القومص ذكي القوم وأطغاهم، فرأى أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ولم يشغله ظن محاسنة حبسه عن تعبية، فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده وأخذ طريقه نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده. وأمن الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل الكفر والطغيان
[ ١٢٨ ]
من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وعاملوهم بالصفاح، وانهزمت منهم طائفة فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد، واعتصمت الطائفة الأخرى بتل يقال له تل حطين، وهي قرية عنده وعندها قبر شعيب ﵊ وعلى سائر الأنبياء، فضايقهم المسلمون على التل، وأشعلوا حواليهم النيران، وقتلهم العطش، وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل، فأسر مقدموهم وقتل الباقون وأسروا، وكان فيمن سلم وأسر من مقدميهم: الملك جفري والبرنس أرناط وأخو الملك، والبرنس هو صاحب الشوبك، وابن الهنغري وابن صاحب طبرية ومقدم الداوية وصاحب حبيل ومقدم الأسبتار، وأما الباقون من المقدمين فإنهم قتلوا، وأما الأذوان فإنهم قسموا إلى قتيل وأسير ولم يسلم منهم إلاّ من أسر، وكان الواحد العظيم منهم يخلد إلى الأسر خوفًا على نفسه، ولقد حكى لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصًا واحدًا معه طنب خيمة فيه نيف وثلاثون أسيرا أخذهم وحده
لخذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم. وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ، وبلغ ذلك السلطان، فحمله الدين والحميّة على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحًا مسرورًا لما أنعم الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشدّ حال من العطش، ثم ناول بعضها البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك، جريًا على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال، وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ﵊، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، وعجّل الله بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيّب قلبه وقال: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حدّه فجرى ما جرى. وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلّم قدّس الله روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء. ثم رحل طالبًا عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوّها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني والعشرين، فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع والعشرين، وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديدًا، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، وحمان بين فتوح عسقلان، وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. خذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم.
[ ١٢٩ ]
وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ، وبلغ ذلك السلطان، فحمله الدين والحميّة على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحًا مسرورًا لما أنعم الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشدّ حال من العطش، ثم ناول بعضها البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك، جريًا على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال،
[ ١٣٠ ]
وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ﵊، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، وعجّل الله بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيّب قلبه وقال: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حدّه فجرى ما جرى. وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلّم قدّس الله روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء.
[ ١٣١ ]
ثم رحل طالبًا عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوّها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها
[ ١٣٢ ]
وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني والعشرين، فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع والعشرين، وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديدًا، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال،
[ ١٣٣ ]
وحمان بين فتوح عسقلان، وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.