عدنا إلى حديث ملك الألمان، وذلك أنه أقام بطرابلس حتى استجمّ عسكره، وأرسل إلى النازلين على عكا يخبرهم بقدومه إليهم، وقد حموا من ذلك لأن المركيس صاحب صور هو رب مشورته وصاحب دولته، وكان الملك جفري وهو ملك الساحل بالعسكر هو الذي يرجع إليه في الأمور، فعلم أنه مع قدوم الألماني لا يبقى له حكم. ولما كان العشر الأخير من شعبان أزمع رأيه على المسير في البحر لعلمه أنه إن لم يركب البحر نكب وأخذت عليه الطريق والمضايق، فأعدوا المراكب وأنفذت إليه من كل جانب، ونزل فيها هو وعسكره وخيلهم وعدتهم، وساروا يريدون العسكر، فلم تمض إلا ساعة من النهار حتى قامت عليهم ريح عاصف وثار عليهم الموج من كل مكان وأشرفوا على الهلاك، وهلك منهم ثلاثة مراكب حمالة، وعاد الباقون يرصدون هواءً طيّبًا، فأقاموا أيّامًا حتى طابت لهم الريح، وساروا حتى أتوا صور، فأقام المركيس
[ ٢١٢ ]
والألماني بها، وأنفذوا بقية العساكر إلى المعسكر النازل عكا، وأقاما بصور إلى ليلة السادس من رمضان وسار الألماني وحده في البحر حتى وصل معسكرهم غروب الشمس من ذلك اليوم في نفر يسير. هكذا تخبر الجواسيس والمستأمنون عنهم. وقد كان لقدمه وقع عظيم من الطائفتين، وأقام أياما، وأراد أن يظهر لمجيئه أثر فرنج القوم على طول مقامهم، وحسن في رأيه أن تضرب مصاف مع المسلمين، فخوّفوه من الإقدام على هذا الأمر وعاقبته، فقال لابد من الخروج على اليزك ليذوق قتال القوم ويعرف مراسهم ويتبصر بأمرهم، فليس الخبر كالعيان، فخرج على اليزك الإسلامي واتبعه معظم الإفرنج راجلهم وفارسهم، وخرجوا حتى قطعوا الوهاد التي بين تلهم وتل العياضية، وعلى تل العياضية خيم اليزك، وهي نوبة الحلقة السلطانية المنصورة في ذلك اليوم، فوقفوا على وجوههم وقاتلوهم وأذاقوهم طعم الموت، وعرف السلطان ذلك، فركب من خيمته بحفلة وسار حتى أتى تل كيسان، فلما رأى العدو العساكر الإسلامية صوّبت نحوه سهام قصدها وأتته من كل جانب كقطع من الليل المظلم عاد ناكصًا على عقبه، وقتل منهم وجرح خلق كثير والسيف يعمل فيهم من أقفيتهم وهم هاربون حتى وصلوا المخيم غروب الشمس، وهو لا يعتقد سلامة نفسه من شدة خوفه، وفصل الليل بين الطائفتين، وقتل من المسلمين اثنان، وجرح جماعة كثيرة، وكانت الكثرة على أعداء الله. ولما عرف ملك الألمان ما جرى عليه وعلى أصحابه من اليزك الذي هو شرذمة من العسكر وهو جزء من كل، رأى أن يرجع إلى قتال البلد ويشتغل بمضايقته، فاتخذ من الآلات العجيبة والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه من شدة الخوف على البلد، واستشعر اخذ البلد من تلك الآلات وخيف منها عليه، فأحدثوا آلة عظيمة تسمى دبابة
[ ٢١٣ ]
يدخل تحتها من المقاتلة خلق عظيم ملبسة بصفائح الحديد ولها من تحتها عجا تحرك به من داخل وفيها المقاتلة حتى ينطح بها الصور ولها رأس عظيم برقية شديدة من جديد وهي تسمى كبشًا ينطح بها الصور بشدة عظيمة، لأنه يجرها خلق عظيم فتهدمه بتكرار نطحها. وآلة أخرى وهي قبو فيه رجال السحب لذلك، إلاّ أن رأسها محدد على شكل السكة التي يحرث بها، ورأس البرج مدور، وهذا يهدم بثقله، وتلك تهدم بحدّتها وثقلها وهي تسمى سنورا، ومن الستائر والسلالم الكبار الهائلة. وأعدوا في البحر بطسة هائلة وضعوا فيها برجًا بخرطوم إذا أرادوا قلبه في السور انقلب بالحركات ويبقي طريقًا إلى المكان الذي ينقلب عليه تمشي عليه المقاتلة، وعزموا على تقريبه إلى برج الذباب ليأخذوه به.