ولم يزل السلطان مجدًا في الإنفاذ إلى عكا بالميرة والعدد والأسلحة والرجال حتى انقضى الشتاء وانفتح البحر وحان زمان القتال كتب إلى العسكر يستدعيها من الأطراف، ولما تواصل أوائل العساكر وقوي جيش الإسلام رحل السلطان نحو العدو ونزل على تل كيسان وذلك في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين ورتب العسكر قلبًا وميمنة وميسرة وأخذت العساكر في التواصل والنجدة في التواتر فوصل رسول الخليفة وهو شاب شريف ووصل معه حملان من النفط وجماعة من النفاطين والزراقين ووصل معه من الديوان العزيز النبوي مجده الله تعالى رقعة تتضمن الأذن للسلطان أن يقترض عشرين ألف دينار من التجار ينفقها في الجهاد ويحيل بها على الديوان العزيز فقبل جميع ما وصل مع الرسول واستغنى عن الرقعة والتثقيل بها، وفي ذلك اليوم بلغ السلطان أن
[ ١٨٣ ]
الإفرنج قد زحفوا على البلد وضايقوه فركب إليهم لشغلهم بالقتال عن البلد وقاتلهم قتالًا شديدًا إلى أن فصل بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى أصحابه ورأى السلطان قوة العساكر الإسلامية وبعد المكان عن العدو فخاف أن لا يهجم البلد ويتم عليه أمر فرأى الانتقال إلى تل العجول بالكلية فانتقل بالعسكر والثقل في الخامس والعشرين وفي صبيحة هذا اليوم وصلت كتب أن قد طم العدو بعض الخندق وقوي عزمه على منازلة البلد ومضايقته فجدد الكتب إلى العساكر بالحث على الوصول وعبى العسكر تعبية القتال وزحف إلى العدو ليشغله عن ذلك، ولما كان سحر ليلة الجمعة السابع والعشرين وصل ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي صاحب حلب جريدة إلى خدمته معاجلة البر وترك عسكره في المنزلة وخدم والده وبل شوقه منه وعاد إلى عسكره في الثامن والعشرين وسار حتى وصل في ذلك اليوم بجحفله وقد أظهروا الزينة ولبسوا لامة الحرب وكثرت الأعلام والبيارق وضربت الكؤوسات ونعقت البوقات وعرض بين يدي والده
[ ١٨٤ ]
وكان قد ركب إلى لقائه في المرج وسار بهم حتى وقف بهم على العدو وشاهدوا من جند الله ما أزعجهم وأقلقهم، وفي أواخر ذلك اليوم قدم مظفر الدين بن زين الدين جريدة أيضًا مسارعة للخدمة ثم عاد إلى عسكره في لامة الحرب فعرضهم السلطان حتى وقف بهم على العدو، وكان ما تقدم عسكر إلا يعرضهم ويسيرهم إلى العدو وينزل بهم في خيمته يمد لهم الطعام وينعم عليهم بما يطيب به قلوبهم إذا كانوا أجانب ثم تضرب خيامهم حيث يأمر وينزلون بها مكرمين.