ولما كان الثاني والعشرون من ربيع الآخر وصل عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار يجر عسكره ووصل بتجمل حسن وعسكر تام ولقيه السلطان بالاحترام والتعظيم ورتب له العسكر في لقائه وكان أول من لقيه من العسكر المنصور قضاته وكتابه ثم لقيه أولاده بعد ذلك ثم لقيه السلطان ثم سار به حتى أوقفه على العدو وعاد معه إلى خيمته وأنزله عنده وكان صنع له طعامًا لائقًا بذلك اليوم فحضر هو وجميع أصحابه وقدم له من التحف واللطائف ما لا يقدر غيره عليه وكان قد أكرمه بحيث طرح له طراحة مستقلة إلى جانبه وبسط له ثوب أطلس عند دخوله وضرب له خيمة على طرف الميسرة على جانب النهر. فلما كان سابع جمادى الأولى من هذه السنة وصل سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الجزيرة ووصل في عسكر حسن فلقيه السلطان واحترمه وأكرمه وأنزله في خيمته وأمر أن ضربت خيمته إلى جانب عماد الدين.
[ ١٨٧ ]
وفي تاسع الشهر وصل علاء الدين بن مسعود صاحب الموصل مقدمًا على عسكره ففرح السلطان بقدومه فرحًا شديدًا وتلقاه عن بعد هو وأهله واستحسن أدبه وأنزله عنده في الخيمة وكارمه مكارمة عظيمة وقدم له تحفًا حسنة وأمر بضرب خيمته بين ولديه الملك الأفضل والملك الظاهر. وما من أهله إلا من بسط له من ضيافته وجهًا مضيئًا، ولما كانت ظهيرة نهار ذلك اليوم ظهرت في البحر قلوع كثيرة وكان ﵀ في نظرة وصول الأسطول من مصر فإنه كان قد أمر بتعميره ووصوله فعلما أنه هو فركب السلطان وركب الناس في خدمته وتعبى تعبية القتال وقصد مضايقة العدو لينسله عن قصد الأسطول، ولما علم العدو وصول الأسطول استعدوا له وعمروا أسطولًا لقتاله ومنعه من دخول عكا وخرج أسطول العدو واشتد السلطان في قتاله من خارج وسار الناس على جانب
[ ١٨٨ ]
البحر تقوية للأسطول وإيناسًا لرجاله والتقى الأسطولان في البحر والعسكران في البر واضطرمت نيران الحرب واستعرت وباع كل فريق روحه براحته الأخروية، ورجح حياته الأبدية على حياته الدنيوية، وجرى بين الأسطولين قتال شديد تقشع عن نصرة الأسطول الإسلامي وأخذ من العدو الشوابي وقتل من به ونهب جميع ما فيه وظفر من العدو بمركب أيضًا كان واصلًا من قسطنطينية ودخل الأسطول المنصور إلى عكا وكان قد صحبه مراكب من الساحل فيها مير وذخائر وطابت قلوب أهل البلد وانشرحت صدورهم فإن الضائقة كانت قد أخذت منهم واتصل القتال بين العسكرين من خارج البلد إلى أن فصل بينهما الليل وعاد كل فريق إلى خيامه وقد قتل من عدو الله وجرح خلق كثير عظيم فإنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع فإن أهل البلد اشتدوا في قتالهم ليشغلوهم عن الأسطول أيضًا والأسطولان يتقاتلان والعسكر يقاتلهم من البر وكان النصر للمسلمين في الأماكن كلها ثم كان وصول زين الدين صاحب إربل في العشر الأواخر من جمادى الأولى وهو زين الدين يوسف بن علي بن بكتكين قدم بعسكر حسن وتجمل جميل فاحترمه السلطان وأكرمه وأنزله في خيمته وأكرم ضيافته وأمر بضرب خيمته إلى جاني خيمة أخيه مظفر الدين.
[ ١٨٩ ]