قال الله ﷾: " ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ". ولقد رأيته ﵀ بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما يكون منكبًا على جانبه إن كان بالخيمة وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس وكان يأمر أن يفرق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريبًا من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلبًا تعبية القتال وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابرًا على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل وهذه عناية ربانية.
[ ٥٧ ]
ولقد مرض ﵀ ونحن على الخرنوبة وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه فبلغ الإفرنج فخرجوا طمعًا في أن ينالوا شيئًا من المسلمين وهي نوبة النهر فخرجوا في مرحلة الآبار التي تحت التل فأمر ﵀ بالثقل حتى يتجهز بالرحيل والتأخر عن جهة الناصرة. وكان عماد الدين صاحب سنجار متمرضًا أيضًا فأذن له أن يتأخر مع الثقل وأقام هو ثم رحل العدو في اليوم الثاني بطلبنا فركب على مضض ورتب العسكر للقاء القوم تعبية الحرب وجعل طرف الميمنة الملك العادل وطرف الميسرة تقي الدين وجعل ولده الملك الظاهر والملك الأفضل عز نصرهما في القلب ونزل هو وراء القوم يطلبهم وأول ما نزل من التل أحضر بين يديه أفرنجي قد أسر من القوم فأمر بضرب عنقه بين يديه بعد عرض الإسلام عليه وإبائه عنه وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار هو مستديرًا إلى ورائهم حتى يقطع بينهم وبين خيامهم وهو يسير ساعة ثم ينزل يستريح ويتظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الشمس ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو ضعفًا ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم إلى أن دخل الليل ثم أمر العساكر المنصورة إن عادت إلى محل المصابرة وأن يبيتوا تحت السلاح وتأخر هو ونحن في خدمته إلى قمة الجبل فضربت له خيمة لطيفة وبتنا تلك الليلة أجمع أنا والطبيب نمرضه ونشاغله وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى حتى لاح الصباح ثم ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر وأحدقت بالعدو ورحل العدو عائدًا إلى
[ ٥٨ ]
خيامهم من الجانب الغربي من النهر وضايقهم المسلمون في ذلك اليوم مضايقة شنيعة وفي ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابًا وجميع من حضر منهم ولم يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغلمان بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير فيظن الرائي لها عن بعد أن تحتها خلقًا عظيمًا ولم يزل العدو سائرًا والقتل يعمل فيهم وكلما قتل منهم شخص دفنوه وكلما جرح منهم رجل حملوه حتى لا يبقى بعدهم من يعلم قتله وجرحه وهم سائرون ونحن نشاهدهم حتى اشتد بهم الأمر ونزلوا عند الجسر وكان الإفرنج متى نزلوا إلى الأرض آيس المسلمون من بلوغ غرض منهم لأنهم يجتمعون في حالة النزول جماعة عظيمة وبقي ﵀ في موضعه العساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار ثم أمرهم أن يبيتوا على مثل ما باتوا عليه بارحتهم وعدنا إلى منزلنا في الليلة الماضية وعاد العسكر في الصباح إلى ما كان عليه بالأمس من مضايقة العدو ورحل العدو وسار على ما مضى من القتل والقتال حتى دنا إلى خيامه وخرج إليه منها من أنجده حتى وصلوا إلى خيامهم.
فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل. اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين.
[ ٥٩ ]
ولقد رأيته رحمه الله تعالى وقد جاءه خبر وفاة ولد له بالغ يسمى إسماعيل فوقف على الكتاب ولم يعرف أحدًا ولم نعرف حتى سمعناه من غيره ولم يظهر عليه شيء من ذلك سوى أنه لما قرأ الكتاب دمعت عينه.
ولقد رأيته ليلة على صفد وهو يحاصرها وقد قال لا ننام الليلة حتى تنصب لنا خمس مناجيق ورتب لكل منجنيق قومًا يتولون نصبه وكنا طول الليل في خدمته قدس الله روحه في ألذ مفاكهة وأرغد عيش والرسل تتواصل تخبره بأن قد نصب من المنجنيق الفلاني كذا ومن المنجنيق الفلاني كذا حتى أتى الصباح وقد فرغ منها ولم يبق إلا تركيب خنازيرها عليها وكانت من أطول الليالي وأشدها بردًا ومطرًا.
[ ٦٠ ]
ورأيته وقد وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج جريدة على الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة بحيث لم يبق حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى بكاءً شديدًا حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال ﵀ والعبرة تحنقه توفي تقي الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت استغفروا الله تعالى من هذه الحالة وانظروا أين وفيم أنتم وأعرضوا عما سواه فقال ﵀ نعم أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى بشيء من الماورد فغسل عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو إلى يافا وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا.
وكان ﵀ شديد الشغف والشفقة بأولاده الصغار وهو صابر على مفارقتهم راض ببعدهم وكان صابرًا على مر العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك احتسابًا لله تعالى. اللهم إن ترك ذلك ابتغاء مرضاتك فارض عنه وارحمه.
[ ٦١ ]