لم تنطفئ العداوة للإسلام، من اليهود والذين أشركوا، حتى في حياة رسول الله - ﷺ -، ولكن الله - ﷿ - مكن للإسلام في جزيرة العرب، وأذاع صيته في أنحاء من الأرض، فما سمع أناس بوفاة رسول الله - ﷺ - إلا واشرأبت أعناقهم، وجاشت صدورهم بما فيها من الرغبات، وكان أول من برز مظهرا رغبة شخصية أبداها: الحباب بن المنذر - ﵁ - في طلب الخلافة، حين قال في سقيفة بني ساعده: "أنا جُذيلها المحكك، وعُذيقها المرجَّب، إن شئتم والله رددناها جذعة" (٢)، ولكن الله - ﷿ - أراد خلاف ذلك، فكان أفضل الأمة بعد نبيها الأَولَى والأحق عند الله ورسوله والمؤمنين، وما كاد يستقر الأمر في يد أبي بكر - ﵁ - حتى أطلَّت الفتنة برأسها من خلال من زعم أن الزكاة لا تؤدى إلا للنبي - ﷺ -، ولا يستحق جمعها أحد بعده، وكانت مهمة الفتح
_________________
(١) مروج الذهب ١/ ٢٨٩.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٥٧١.
[ ٦٨ ]
الإسلامي معقودة من قبل رسول الله - ﷺ - لجيش يقوده أسامة بن زيد - ﵁ -، وجهه رسول الله - ﷺ - إلى الشام، فلما وصل إلى مكان يسمى ذي خشب (١)، توفي رسول الله - ﷺ - (٢)، وفي الوقت نفسه ارتد بعض العرب، فاجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - ورأوا ضرورة إلغاء جيش أسامة، فلما عزم أبو بكر - ﵁ - على إنفاذ جيش أسامة - ﵁ -، والحال ما ذكرنا، لم يرض هذا الإجراء كثير من الصحابة - ﵃ - ومنهم عمر بن الخطاب - ﵁ -، وأشاروا على خليفة رسول الله أن لا ينفذ جيش أسامة؛ لاحتياجه إليه فيما هو أهم، في الأحداث القائمة، لرد خطرها عن الإسلام والمسلمين، والاستقواء بجيش أسامة على قمع المرتدين، وإعادتهم إلى حضيرة الإسلام، وإلا اتسع الخرق على الراقع، وربما تكون فتنة كبرى، يصطلي بنارها المسلمون، وتقوى شوكة الأعداء، ولا ريب أنها مشورة ذات أهمية بالغة، ولها وزنها وقدرها العظيم، وهم مأجورون على ذلك - ﵃ -، غير أن شجاعة الصديق وبعد نظره، وتعظيمه لله ورسوله جعله يأبى أشد الإباء، ويقول لمحبيه والناصحين له: «والذي لا إله إلا هو لو جرَّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - ﷺ - ما رددت جيشًا وجهه رسول الله - ﷺ -، ولا حللت لواءً عقده رسول الله - ﷺ -» (٣)، لأجهزن جيش أسامة، وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فحاوره يزيد الضخم فقال: ما أراك تنحاش لِما قد بلغ من الناس، ولِما يتوقع من إغارة العدو؟، فقال: ما دخلني إشفاق من شيءٍ، ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار، فإن رسول الله - ﷺ - حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين، قال لي: «هون عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام» (٤)، فسمع الصحابة وأطاعوا، وخرج أبو بكر - ﵁ -
_________________
(١) هو بضمتين: وادٍ قريب من جبل البيضاء من جهة بواط، على مَسِيرةِ لَيْلة من المَدينة، قال الطرماح: أو كالفتى حاتم إذ قال ما ملكت ** كفاي للناس نهبى يوم ذي خشب (لسان العرب ١/ ٣٥١، والجبال والأمكنة والمياه ١/ ٢٠٧).
(٢) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
(٣) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
(٤) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١) ..
[ ٦٩ ]
شاهرًا سيفه، راكبًا على راحلته إلى ذي القَصَّة (١)، فجاء علي بن أبي طالب - ﵁ -، فأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله - ﷺ -؟ !، أقول لك ما قال لك رسول الله - ﷺ - يوم أحد: «أشمر سيفك، ولا تفجعنا بنفسك» فو الله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع وأمضى الجيش (٢)، وأمر أسامة بن زيد أن يَنفذ في جيشه، وسأله أن يترك له عمر - ﵁ - يستعين به على أمره، فقال: فما تقول في نفسك؟ (٣)، فقال: يا ابن أخي! فعل الناس ما ترى فدع لي عمر، وأنفذ لوجهك، فخرج أسامة - ﵁ - بالناس وشيّعه أبو بكر - ﵁ - فقال له: ما أنا بموصيك بشيء، ولا آمرك به، وإنما آمرك ما أمرك به رسول الله، وامض حيث ولاك رسول الله.
نفَّذ أسامة - ﵁ -، وكان أبو بكر - ﵁ - حكيما موفقا في هذا القرار الصارم، وكان فيه من الخير: تقديس عمل رسول الله - ﷺ -، إذ عقد اللواء لأسامة - ﵁ - ووجهه بجيش إلى الروم، ومن يجسر على حل أمر أبرمه رسول الله - ﷺ -، فكان هذا من فقه أبي بكر - ﵁ -، فقد عظَّم الله ورسوله في هذا الإجراء، ولم يشك في نصر الله للمؤمنين، قال الزهري ﵀: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة (٤)، ومن شدة وثوقه بالله تعالى كان المنقوش على خاتمه «نِعْمَ اللهُ القادر» وقد حصل بهذا الاستقواءُ الذي أراده الصحابة - ﵃ - خير كثير، فإنه لما أنفذ أسامة - ﵁ - بجيشه، جعل لا يمر بقبيلٍ يريدون الارتداد إلاّ قالوا: لولا أن لهؤلاء قوةً ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، وقتلوهم ورجعوا
_________________
(١) بقعاء ذي القصة على بعد أربعة وعشرين ميلا عن المدينة (تاج العروس ١/ ٥١١١) ولعله بين ذي خشب والمدينة، من جهة طريق تبوك الآن.
(٢) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
(٣) تأمل هذه العبارة من أسامة - ﵁ - فإن فيها إجلال لأبي بكر، فكأنه يقول لأبي بكر - ﵁ -، كيف تطلب مني إبقاء عمر - ﵁ -، وأنت المقدم عليه عند الله ورسوله والمؤمنين، فما زاد ذلك أبا بكر إلا تواضعا، وحلما في مخاطبة أسامة - ﵁ -، مع بيان سبب استبقاء عمر - ﵁ -، وفي ذلك تكريم لعمر - ﵁ -، وهو والله لذلك أهل، ﵃ أجمعين.
(٤) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
[ ٧٠ ]
سالمين فثبت من كان يفكر في الردة على الإسلام (١)، أقام أسامة - ﵁ - بجيشة منذ خرج إلى أن قدم المدينة منصرفا كما قيل: سبعين يوما، أو ستين يومًا، أو أربعين يومًا، ثم دخل المدينة ولواؤه معقود، حتى دخل المسجد، فصلى، ثم دخل إلى بيته ولواؤه الذي عقده رسول الله - ﷺ - معه (٢)، وكان من بركة عمل أبي بكر هذا الوفاء بما عزم عليه رسول الله - ﷺ -، وما أحست به أحياء العرب من منعة الإسلام وأهله، وعلم المسلمون بُعد نظر خليفة رسول الله، وصدق عمر بن الخطاب إذ قال: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٣).