إن أبا بكر - ﵁ - كغيره يصيب ويخطئ، لأنه غير معصوم، ونبينا محمد بن عبدالله - ﷺ - هو الوحيد من البشر المعصوم الذي لا يرد له قول، فكان أبو بكر - ﵁ - كغيره من الناس يجتهد فيصيب وله أجران، ويجتهد فيخطئ وله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور، لأنه لم يرد سوى الحق، وإقامة العدل، ولم يُخْف أبو بكر - ﵁ -، ما فكر فيه وتمنى الإقدام عليه أو الإحجام عنه، وهذا من الحرص على الخير، والتحرز من الشر، وكفى المرءَ نبلا أن تعد معايبه، ولا عيب والله نشهد به على أبي بكر - ﵁ -، أكرم الأصحاب، وأحب الأحباب إلى رسول رب الأرباب، فخسئ والله من ثلبه وخاب.
قال - ﵁ -: "ما آسَى على شيء إلا على ثلاث فعلتها، ووددت أني تركتها، وثلاث تركتها ووددت أني فعلتها، وثلاث وددت إني سألت رسول الله - ﷺ - عنها: فأما الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها: فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، ووددت أني لم أكن حرّقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحًا، أو قتلته صريحًا، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أميرًا وكنت وزيرًا.
والثلاث التي تركتها وددت أني فعلتها: وددت أني يوم أُتيت بالأشعث بن قيس أسيرًا ضربت عنقه، فإنه قد خُيل لي أنه لا يرى شَرًّا إلا أعانه، وددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله، وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَدًا.
وكان أبو بكر - ﵁ - قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة (٢).
_________________
(١) انظر (البداية والنهاية ٦/ ٣٧١، ٣٧٢، ٤١٩، ٤٢٤ - ٤٢٥).
(٢) بقعاء ذي القصة على بعد أربعة وعشرين ميلا عن المدينة (تاج العروس ١/ ٥١١١).
[ ٧٨ ]
والثلاث التي وددت أني سألت رسول اللهّ - ﷺ - عنها: وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر، فلا يُنازَع الأمر أهله، وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه (١).
هذا ما دار في ذهن أبي بكر - ﵁ - وهو في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، ذكر أمورا لا حرج عليه فيها، فقد وفّى في أمانته، فنقول يا أبا بكر رضي الله عنك إن كنت تحرجت مما ذكرت، فنقول لا تثريب عليك، فقد بذلت ما برأت والله به ذمتك، ولن يخزيك الله - ﷿ -، هذا ظننا بربنا - ﵃ -.
نقول هذا لأنك رويت وأنت الصادق المصدّق أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٢) - يعني مال الله - وقلت: "ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي - ﷺ - التي كانت عليها في عهد النبي - ﷺ -، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله - ﷺ - "، فتشهد عليٌّ ثم قال: "إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من رسول الله - ﷺ - وحقهم"، فتكلم أبو بكر فقال: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إلي أن أصل من قرابتي" (٣).
فكنتُ خليفة رسول الله - ﷺ - والتزمتُ بما التزم به رسول الله - ﷺ -، فأي خطأ في هذا، ولِمَ لَمْ يوص رسول الله - ﷺ - وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال - ﷿ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وأمر بها - ﷺ - سعد بن مالك - ﵁ -، قال سعد: قال: دعاني رسول اللَّهِ - ﷺ - وأنا مريض فقالَ: «أوصيت؟» قلت: نعم. قال: «بِكَمْ؟» قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما أبقيت لولدك؟» قلت: هم أغنياء بخير، قال: «أَوصِ
_________________
(١) مروج الذهب (١/ ٢٩٠).
(٢) أخرجه البخاري حديث (٣٧١٢) وانظر أطرافه: (٣٠٩٣، ٤٠٣٦، ٤٢٤١، ٦٧٢٦).
(٣) أخرجه البخاري حديث (٣٧١٢) وانظر أطرافه: (٣٠٩٣، ٤٠٣٦، ٤٢٤١، ٦٧٢٦).
(٤) الآية (١٨٠) من سورة البقرة.
[ ٧٩ ]
بالعُشر» فما زلت أنا قصه حتى قال: «أوص بالثلث، والثلث كثير» (١)، وقال - ﷺ -: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» (٢)، فالوصية للوارث منتفية، والوصية لغير الوارث ثابتة، وهي في سبيل الله على العموم، ولكنها ثابتة في حق الأمة دون النبي - ﷺ -، لأن الأنبياء لا يورثون، وكل ما تركوا فهو صدقة في سبيل الله قلّ أو كثير، إلا ما هو مستثنى للنفقة بقوله - ﷺ -: «إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٣)، وبقوله - ﷺ -: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركت بعد مؤنة عاملي، ونفقة نسائي صدقة» (٤)، فكون فاطمة ﵂ لم تعلم بهذا الحكم الشرعي لا يقلل من شرفها على نساء العالمين، ولا على مكانتها عند الصحابة ومنهم أبو بكر - ﵃ -، ولا عند الأمة المحمدية، وكونها تطالب أبا بكر - ﵁ - فذاك من حقها حسب فهمها، ولذلك عللت مطالبتها ﵂ بسؤال أبي بكر فقالت له: «من يرثك؟، قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث النبي - ﷺ -؟ ! قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنا لا نورث» ولكني أعول من كان النبي - ﷺ - يعوله، وأنفق على من كان النبي - ﷺ - ينفق عليه (٥)، وفي رواية أنها قالت: "أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟، أما قال رسول الله: المرء يحفظ ولده؟ " فبكى أبو بكر بكاء شديدا (٦).
نعم بكى أبو بكر - ﵁ - فبين يديه بنت رسول الله ﵂، وقد قال - ﷺ -: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» (٧)، وحاشا أبا بكر - ﵁ - أن يسيء
_________________
(١) أخرجه الترمذي حديث (٩٩١) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي حديث (٢٢٩٩) طرفا من حديث طويل في حجة الوداع، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري حديث (٤٠٣٦) وانظر أطرافه: (٣٠٩٣، ٣٧١٢، ٤٢٤١، ٦٧٢٦).
(٤) أخرجه أحمد المسند حديث (١٠٢٣٢) ..
(٥) أخرجه البيهقي السنن الكبير حديث (١٣١١٩).
(٦) تاريخ اليعقوبي (١/ ١٥٥).
(٧) أخرجه البخاري حديث (٣٧١٤) وانظر أطرافه: (٩٢٦، ٣١١٠، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨).
[ ٨٠ ]
إلى بنت رسول الله - ﷺ -، فلم يفعل ما فعل ظلما وعدوانا، بل فعله اقتداء برسول الله - ﷺ -، وتنفيذا لأمره - ﷺ -، لكنه بكى لأنه وقع بين نارين: عدم رضا فاطمة ﵂، والعمل بما سمع من رسول الله - ﷺ -، فكان بلاءً لأبي بكر - ﵁ - أيهما يقدم، ولكن قد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وقد أخبره - ﷺ - أنه لا يورث، فاختار ما هو حق، وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر - ﵁ - ولكنه آلمه ما سمع من فاطمة ﵂ لعظم مكانتها في نفسه.
أما كون فاطمة ﵂ وجدت على أبي بكر - ﵁ -، فهجرته ولم تكلمه حتى ماتت (٢)، فهذا يحتمل أحد أمرين:
الأول: أنها هجرته ولم تكلمه، لعدم قناعتها بما روى عن أبيها، وهذا فيه بعد ولا يليق ببنت رسول الله - ﷺ - أن ترد رواية عن أبيها، من رجل تعرف قدره ومكانته عند أبيها، ثم لا ترضى بما قضى به والدها - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣)، ولا ريب أن أبابكر - ﵁ - لو ساير فاطمة ﵂ لخالف نص القرآن، وقد سمع قول رسول الله - ﷺ -: أنه لا يورث، والمحصلة حكم النص القرآني، وحاشا أبابكر أن يعص الله ورسوله، ولو كانت فاطمة ﵂ كبيرة القدر عنده، ألم يقل رسول الله - ﷺ -: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤)، فلو أنها سرقت وقطع رسول الله يدها، هل يعني هذا أنه لا يحبها، بلى والله إنها لحبيبته، ولكن حكم الله لا يستثني شريفا ولا وضيعا.
والثاني: تفسير الهجر بعدم زيارته، فليست من المحارم اللاتي يجب التواصل معهن، فلزمت بيتها، ولو كانت محرما فإن اشتغال الخليفة بأمور المسلمين، قد
_________________
(١) من الآية (٦٣) من سورة النور.
(٢) انظر: البخاري حديث (٤٢٤٠، ٤٢٤١).
(٣) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.
(٤) البخاري حديث (٣٤٧٥).
[ ٨١ ]
يقلل التواصل إلى حد كبير، دون القطيعة، فإنها غير واردة البتة، ولم تكلمه في أمر الميراث مرة ثانية قناعة منها بما ذكر لها من كلام رسول الله - ﷺ -، والالتزام بالنفقة، وهذا والله هو اللائق ببنت رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنها، ولو كان أبوبكر - ﵁ - أخطأ فعلا في حقها، فكيف وهو لم يخطئ، وكلما في الأمر أنه أنفذ ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، وعمل بكتاب الله، وثبت على ذلك، لكن أصحاب الأهواء لا يروق لهم إلا متابعة منهجهم في ثلب الإسلام ورجاله الذين اصطفاهم الله لنقله إلى الناس كافة، كابرا عن كابر، فكان ما ذهبوا إليه طعنا في فاطمة ﵂ قبل أن يكون ثلبا في أبي بكر - ﵁ -، وصاحب الهوى لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولم تكن فاطمة ﵂ وحيدة في أمر المطالبة في الميراث، أزواج رسول الله - ﷺ - أيضا طالبن أبابكر - ﵁ - بذلك، تقول أم المؤمنين عائشة: أَرسل أَزواج النَّبِيِّ - ﷺ - عثْمان إلى أَبِى بكرٍ يسألنه ثُمُنهن مما أَفاء اللَّه على رسولِهِ - ﷺ -، فكنت أَنا أَردهن، فقلتُ لهن ألا تتَقِينَ الله، أَلم تعلَمن أَن النبِي - ﷺ - كَان يقول: «لاَ نورث، ما تركنا صدقة - يرِيد بِذلِك نفسه - إِنما يأكل آل محمدٍ فِي هذا الْمالِ» فانتهى أزواج النبي - ﷺ - إلى ما أخبرتهن (١).
فكانت هذه الصدقة بيد علي - ﵁ - منعها علي عباسا فغلبه عليها، ثم كانت بيد حسن بن علي - ﵁ -، ثم بيد حسين بن علي - ﵁ -، ثم بيد علي بن حسين ﵀، وحسن ابن حسن ﵀، وكلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله - ﷺ - حقا (٢)، فهذا أبو بكر - ﵁ -، وضع صدقة رسول الله - ﷺ - بيد علي - ﵁ -، ولم يرصدها في صدقات بيت مال المسلمين، فأي صدق وإخلاص بعد هذا، وتتوالى الرقابة والتصريف في علي وأبنائه.
أما قوله: «ووددت أني لم أكن حرّقت الفُجَاءة» هو بحير بن إياس، على وزن بعير (٣)، وكان من أمره أنه ارتد، وكوَّن حربة على المسلمين، وقدم إلى قومه بني
_________________
(١) أخرجه البخاري حديث (٥٣٥٣) وانظر طرفاه: (٦٧٢٧، ٦٧٣٠).
(٢) أخرجه البخاري حديث (٥٣٥٣) وانظر طرفاه: (٦٧٢٧، ٦٧٣٠).
(٣) تبصير المنتبه بتحرير المشتبه (١/ ١٦).
[ ٨٢ ]
سليم يدعوهم إلى الردة (١)، وكان من أمره التلبيس على أبي بكر - ﵁ - قال له: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملني وأعني، فحمله أبو بكر، على ظهر (٢) وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض الناس المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم، ومعه رجل من بني الشريد يقال له: نُجبة بن أبي الميثاء، فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجز: أن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم، ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الاسلام، فحملته وسلّحته، ثم انتهى إليَّ من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله، أو تأخذه فتأتيني به، فسار إليه طريفة بن حاجز فلما التقى الناس كانت بينهم الرمي بالنبل، فقتل نُجبة بن أبي الميثاء بسهم رمي به، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح وانطلق معي إلى أبي بكر، فخرج معه فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز فقال: أخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار، فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له نارا فقذفه فيها، فقال خفاف بن ندبة يذكر الفجاءة فيما صنع:
لِمَ يأخذون سلاحه لقتاله ولذاكم عند الإله أثام
لا دينهم ديني ولا أنا فاتن حتى يسير إلى الطراة شمام (٣).
وفي رواية: جاءت بنو سليم إلى أبي بكر فقالوا: إن العرب قد كفرت فأمدنا بالسلاح، فأمر لهم بسلاح فأقبلوا يقاتلون أبا بكر، فقال لهم عباس بن مرداس:
لِمَ تأخذون سلاحه لقتاله ولكم به عند الإله آثام (٤).
تأثم أبو بكر - ﵁ - من التحريق بالنار، لأن العذاب بها توعد الله به العصاة في الآخرة، وقد فعل ذلك علي - ﵁ - حين حرق أناسا من الشيعة قالوا: يا أمير المؤمنين
_________________
(١) الإصابة (١/ ٢٥٨).
(٢) أعطاه إبلا يحمل عليها.
(٣) تاريخ الطبري (٢/ ٤٩٢).
(٤) تاريخ دمشق (١٦/ ٢٥٥).
[ ٨٣ ]
أنت هو، قال: من أنا؟ قالوا: أنت هو، قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت ربنا، أنت ربنا، قال ارجعوا فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم خد لهم في الأرض ثم قال: يا قنبر ائتني بحزم الحطب، فأحرقهم بالنار ثم قال:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا (١).
قال ابن عباس ﵄: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» (٢)، ولقتلتهم، لقوله - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣)، فبلغ ذلك عليًا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات (٤)، ولذلك ندم أبو بكر - ﵁ -، ولا ضير عليهما فالزنادقة مصيرهم النار، إن عاجلا أو آجلا، ولكن لشدة تمسكهما بالكتاب والسنة حصل منهما التأثم، وجزاهما الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
أما قول أبي بكر: "وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر".
فقد حاول أن يلقي بالأمر على كاهل أحد الرجلين: عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، ﵄، وهما أهل لذلك، ولكن أراد أبو بكر أمرا، وأراد الله غيره، ولا راد لإرادته تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٥) وإنما حكى أبو بكر ما يتمناه في ذلك الحين، وهذه أمنية مَن تجرد عن الهوى والشهوات، فزكا وجلَّ عن الشبهات.
وقوله: "وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرًا ضربت عنقه".
كان الأشعث بن قيس ممن ارتد بعد النبي - ﷺ -، فسير أبو بكر الجنود إلى اليمن، فأخذوا الأشعث أسيرًا، فأحضر بين يديه، فقال له: استبقني لحربك وزوجني أختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته، وهي أم محمد بن الأشعث، ولما تزوجها اخترط سيفه، ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملًا ولا ناقة إلا عرقه، وصاح الناس:
_________________
(١) تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٧٥).
(٢) أخرجه البخاري حديث (٣٠١٧، وطرفه: ٦٩٢٢).
(٣) أخرجه البخاري حديث (٣٠١٧، وطرفه: ٦٩٢٢).
(٤) تاريخ الإسلام (٢/ ٩٤).
(٥) الآية (١٦) من سورة البروج.
[ ٨٤ ]
كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه، وقال: إني والله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة، انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل، تعالوا خذوا أثمانها فما رئي وليمة مثلها (١)، وقد عمل أبو بكر - ﵁ - بالأصل أن من تاب يتوب الله عليه، ولعله تأمل الأمر فوجد ما ذكر علة لما قال، قال - ﵁ -: فإنه قد خُيل لي أنه لا يرى شَرًّا إلا أعانه، ولكن الله أراد لهما خيرا مما أراد أبو بكر - ﵁ -، فقد صنع خيرا بقبول توبة الأشعث، وأحسن بتزويجه أخته، وكان الخير في حسن إسلام الأشعث بعد ردته، وشارك في الفتح الإسلامي، شهد الأشعث اليرموك بالشام، ففقئت عينه، ثم سار إلى العراق فشهد القادسية والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، وسكن الكوفة وابتنى بها دارًا، وشهد صفين مع علي - ﵁ -، وكان ممن ألزم عليًا بالتحكيم، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان - ﵁ -، قد استعمله على أذربيجان، وكان الحسن بن علي ﵄ تزوج ابنته (٢)، وكل هذا حدث بعد وفاة أبي بكر - ﵁ -، ولو شاهد هذا لسر - ﵁ -، بعدم قتله: فقد تحقق لأبي بكر بعد موته ما نوى من الخير.
وقوله: "وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة".
هذا من حرصه - ﵁ - على إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، يريد مشاركة الأمة في كل صغيرة وكبيرة من أمور الإسلام، كيف لا وهو السابق لكل خير وفضيلة، شهد بذلك أصحاب رسول الله دون استثناء، وكان في بقائه خير كثير للأمة المحمدية، وقد أصاب والله علي بن أبي طالب - ﵁ - حين قال له وهو يثنيه عن الخروج: «أشمر سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» (٣)، وكان أبو بكر - ﵁ - قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة (٤).
وقوله: "وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر".
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ١٦).
(٢) أسد الغابة (١/ ١٦).
(٣) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
(٤) بقعاء ذي القصة على بعد أربعة وعشرين ميلا عن المدينة (تاج العروس ١/ ٥١١١).
[ ٨٥ ]
هذه الأمنية أراد بها التوكيد على عدم رغبته في ولاية الناس، لكن الله أراد ذلك لأبي بكر - ﵁ - ليناله من أجر الصبر على بلائها، وأجر الاجتهاد في مصالح المسلمين، وأجر مقارعة أعداء الدين، والحفظ على وحدة الأمة المحمدية، يناله أجر ذلك كله، فضلا من الله ورحمة، وهداية منه تعالى إلى سبل الخير والرشاد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وقد ورد ما يشير إلى أن أبا بكر هو المقدم لحمل هذه المهمة العظمى، قال رسول الله - ﷺ - لعائشة أم المؤمنين ﵂: «أدعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبا الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢)، وفي رواية قال رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن بن أبي بكر: «إئتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا؛ لا يختلف عليه» فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «أبا الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣)، صدق من لا ينطق عن الهوى - ﷺ -، وإنما نزاهة أبي بكر وحرصه على نفع الناس، واستقرار الوضع بحسم الموقف بأمر من الله ورسوله، لعبد من عباده كائنا من كان، فلا يُنازَع الأمر أهله، وكانت هذه الأمنية من أبي بكر - ﵁ - حرصا على وحدة الأمة المحمدية، ومستقبل الإسلام، وكان ذلك بفضل الله في ولايته، التي أبا الله والمؤمنون أن يُختلف عليها.
وقوله: "وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ".
هذا من اجتهاده في مصالح المسلمين، فالعمة وبنت الأخ، لا إرث لهما، مع إخوتهما، ولا ترثان منفردتين (٤)، فأراد أن ينظر في أمرهما بما لا يعارض الشرع، وقد كان عمر يقول: عجبا للعمة تورث ولا ترث (٥)، وهذا ما كان في نفس أبي بكر - ﵁ -.
وقوله: "ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب".
_________________
(١) الآية (٦٩) من سورة العنكبوت.
(٢) أخرجه مسلم حديث (٦٣٣٢).
(٣) أخرجه أحمد المسند (٢٤٩٣١).
(٤) الشرح الكبير (٧/ ١٠٠).
(٥) السنن الكبير للبيهقي (٦/ ٢١٣).
[ ٨٦ ]
لأنه لم يرق له - ﵁ - أن يجد الأنصار في أنفسهم، ولاسيما أن لهم عند رسول الله من الفضل والمكانة ما ليس لغيرهم - ﵃ -، وقد أخذ بعضهم موقفا من بيعته، فتمنى مقولة من رسول الله - ﷺ - يستند إليها في هذا الأمر، وذلك من تقواه وورعه - ﵁ -.