أسلم بعد أبي بكر والسابقين في العهد المكي - ﵃ -، بعد خمسة وأربعين رجلا، وإحدى وعشرين امرأة.
وقد دُونت قصة إسلامه في كتب السير، يعرفها المبتدئون من أبناء المسلمين، لقّبه رسول الله - ﷺ - بالفاروق، وذلك لاستقامته على الحق، وشجاعته في إظهاره، وقد
_________________
(١) المعارف ١/ ١٧٩.
(٢) بتصرف المؤتلف والمختلف للدارقطني ٢/ ٩١٤.
(٣) البداية والنهاية ١٠/ ١٩٢.
[ ٩٠ ]
أعز الله به الإسلام، وقد كان قويا أمينا، لا تأخذه في الحق لومة لائم، كما قال عثمان وعلي ﵄ (١).
فكان من فضل الله على هذه الأمة أن استُخلف عليها بعد نبيها - ﷺ - أفضل الأمة أبو بكر - ﵁ -، وكان من أبرز أعماله - ﵁ - أربع ركائز قام عليها الإسلام بعد وفاة رسول الله - ﷺ -.
الركيزة الأولى:
قمعُ المرتدين من العرب، وإعادتهم إلى حضيرة الإسلام، وكانت للردة أسباب من أبرزها منع الزكاة الركن الرابع من أركان الإسلام، فالأركان الخمسة عند أبي بكر - ﵁ - كل لا يتجزأ وهي كذلك عند المسلمين كافة، ولذلك قال أبوبكر - ﵁ -: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فكان القضاء على المرتدين نصرا مؤزرا للإسلام والمسلمين.
الركيزة الثانية:
جمع القرآن فقد كان لحروب الردة أثر كبير على القراء من الصحابة، فقد استشهد في وقعة اليمامة عدد كبير منهم، وبذلك تنبه أبو بكر - ﵁ - إلى خطورة ذهاب القرآن الذي لم يدون، وإنما كان محفوظا في صدور القراء، إلا ما كان في بعض اللِّخاف والعُسُب، فأمر - ﵁ - بكتابة القرآن، وبدأ بعد معركة اليمامة التي وقعت في أواخر السنة الحادية عشرة، أو أوائل الثانية عشرة، وانتهى قبل وفاته - ﵁ -، مستغرقا خمسة عشر شهرا، وتم ذلك جمعًا وكتابة قبل وفاته - ﵁ - (٢).
الركيزة الثالثة:
تسيير جيش أسامة، وعدم حل لواء عقده رسول الله - ﷺ -، فكانت خطوة مباركة في بدء الفتح الإسلامي.
الركيزة الرابعة:
عهدُ أبي بكر - ﵁ - بالخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -، ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقّب بأمير المؤمنين، صحابي جليل، وشجاع حازم، صاحب
_________________
(١) تاريخ الطبري وصلته ٤/ ١٩٥، ٢٠٠، ٢٠١.
(٢) انظر: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة ١/ ٣٩.
[ ٩١ ]
الفتوحات، يضرب بعدله المثل، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وله السفارة فيهم، ينافر عنهم وينذر من أرادوا إنذاره، وقد أعز الله بإسلامه المسلمين، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وأعلن لقريش هجرته إلى المدينة، وشهد الوقائع كلها، وكان عمر - ﵁ - يقضي على عهد رسول الله - ﷺ - ونزل القرآن بموافقته.
قال عبد الله بن عمر ﵄: "ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه وقال فيه ابن الخطاب، أو قال: عمر، إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر" (١).
وقال عمر - ﵁ - (٢): "وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣)، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا: فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٤)، وفي رواية أنه قال: وقوله للنبي - ﷺ - لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، إن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك".
قال عمر - ﵁ -: "وقَلَّ ما تكلمتُ - وأحمدُ الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير (٥)، وقلت لأزواج النبي: لتنتهن أو ليبدله الله سبحانه أزواجا خيرا منكن، فأنزل الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٦)، ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ
_________________
(١) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ١/ ٢٥١.
(٢) أسباب النزول ت الحميدان ١/ ٣١٣.
(٣) من الآية (١٢٥) من سورة البقرة.
(٤) من الآية (٥٣) من سورة الأحزاب.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٣/ ٩٨.
(٦) من الآية (٥) من سورة التحريم.
[ ٩٢ ]
أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١)، فقلت: فتبارك الله أحسن الخالقين" فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢).
وليست موافقاته - ﵁ - محصورة في هذه الخصال، فقد وافق في أكثر من الأربع المذكورة.
ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: في النهي عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣)، وفي قوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وهي أكثر فقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة (٥).