علمنا من تأويل رسول الله - ﷺ - رؤياه، ورؤى الأنبياء حق، قال - ﷺ -: «رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي بعض نزعه ضعف
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/ ٢٢.
[ ١٣٨ ]
والله يغفر له ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غربا فلم أر عبقريا في الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن» (١)، قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي - ﷺ - ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي - ﷺ - هو صاحب الأمر فقام به أكبر قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، ثم توفي - ﷺ - فخلفه أبو بكر - ﵁ - سنتين وأشهرا، وهو المراد بقوله - ﷺ - ذنوبا أو ذنوبين - وهذا شك من الراوي - والمراد ذنوبان، كما صرح به في الرواية الأخرى، وحصل في خلافته قتال أهل الردة وقطع دابرهم، واتساع ملك الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر - ﵁ -، فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبَّر بالقليب عن أمر المسلمين، لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبَّه أميرهم بالمستقى لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وتدبير أمورهم.
وأما قوله - ﷺ - في أبي بكر - ﵁ -: وفي نزعه ضعف، فليس فيه حطّ من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده، والأموال وغيرها، والفتوحات، ومصَّرَ الأمصار، ودوَّنَ الدواوين.
وأما قوله - ﷺ -: والله يغفر له، فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة، وقد سبق في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها: افعل كذا والله يغفر لك.
قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها (٣).
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٣٣).
(٢) من الآية (٣) من سورة المائدة.
(٣) مسلم حديث (٢٣٩٢) تعليق محمد فؤاد عبد الباقي ﵀.
[ ١٣٩ ]
هذا ما أثار الحقد المجوسي، ولاسيما فتح بلاد فارس، وتطهيرها من عبادة غير الله - ﷿ -، فحرك المجوس أصابعهم، واستطاعوا بقدر من الله - ﷿ - أن يصلوا إلى رمز الإسلام عمر بن الخطاب بتحريك ذلك العلج المجوسي ليقضي الله أمرا كان مفعولا، كان أبو لؤلؤة المجوسي أشقى الخلق بما أقدم عليه من قتل عمر بن الخطاب، وكان أبو لؤلؤة المجوسي مملوكا للمغيرة، وكان قتلُه عمر مؤامرة منه مع غيره من المجوس الأسرى، الذين جيء بهم أسرى إلى المدينة (١)، فقال: إن المغيرة قد جعل عليَّ من الخراج ما لا أطيق، قال: كم جعل عليك؟ قال: كذا وكذا، قال: وما عملك؟ قال: أجوب الأرجاء (٢)، قال: وما ذاك عليك بكثير، ليس بأرضنا أحد يعملها غيرك، ألا تصنع لي رحى؟، قال: "بلى والله، لأجعلن لك رحى يسمع بها أهل الآفاق"، فخرج عمر إلى الحج، فلما صدر اضطجع بالمحصب، وجعل رداءه تحت رأسه، فنظر إلى القمر فأعجبه استواؤه وحسنه، فقال: "بدأ ضعيفا ثم لم يزل الله يزيده وينميه حتى استوى، فكان أحسن ما كان، ثم هو ينقص حتى يرجع كما كان، وكذلك الخلق كله"، ثم رفع يديه فقال: "اللهم إن رعيتي قد كثرت وانتشرت فاقبضني إليك غير عاجز ولا مضيع" فصدر إلى المدينة فذُكر له أن امرأة من المسلمين ماتت بالبيداء، مطروحة على الارض يمر بها الناس لا يكفنها أحد، ولا يواريها أحد حتى مر بها كليب بن البكير الليثي، فأقام عليها حتى كفنها وواراها، فذكر ذلك لعمر فقال: "من مر عليها من المسلمين؟ "، فقالوا: لقد مر عليها عبد الله بن عمر فيمن مر عليها من المسلمين، فدعاه وقال: "ويحك! مررت على امرأة من المسلمين مطروحة على ظهر الطريق، فلم توارها ولم تكفنها؟، قال: ما شعرت بها ولا ذكرها لي أحد، فقال: لقد خشيت أن لا يكون فيك خير، فقال: من واراها وكفنها؟ قالوا: كليب بن بكير الليثي، قال: والله لحري أن يصيب كليب خيرا"، فخرج عمر يوقظ الناس بدرته لصلاة الصبح، فلقيه الكافر أبو لؤلؤة فطعنه ثلاث طعنات بين الثنة والسرة، وطعن كليب بن بكير فأجهز عليه، وتصايح الناس، فرمى رجل على رأسه ببرنس ثم اضطبعه إليه، وحمل عمر إلى الدار
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٥٧٦.
(٢) جمع رحى، فهو يقطعها من الحجارة، ويصنعها ..
[ ١٤٠ ]
فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس، وقيل لعمر: الصلاة فصلى وجرحه يثعب، وقال: "لا حظ في الاسلام لمن لا صلاة له" فصلى ودمه يثعب، ثم انصرف الناس عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ليس بك بأس، وإنا لنرجو أن ينسئ الله في أثرك ويؤخرك إلى حين، أو إلى خير، فدخل عليه ابن عباس وكان يعجب به، فقال: "اخرج فانظر من صاحبي؟ " ثم خرج فجاء فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، صاحبك أبو لؤلؤة المجوسي: عبد المغيرة بن شعبة، فكبر حتى خرج صوته من الباب، ثم قال: "الحمد لله الذي لم يجعله رجلا من المسلمين، يحاجني بسجدة سجدها لله يوم القيامة" ثم أقبل على القوم فقال: "أكان هذا عن ملإ منكم؟ " فقالوا: معاذ الله، والله لوددنا أنا فديناك بآبائنا، وزدنا في عمرك من أعمارنا، إنه ليس بك بأس، قال: "أي يرفأ، ويحك، اسقني" فجاءه بقدح فيه نبيذ حلو فشربه، فألصق رداءه ببطنه، قال: فلما وقع الشراب في بطنه خرج من الطعنات، قالوا: الحمد لله، هذا دم استكن في جوفك، فأخرجه الله من جوفك، قال: أي يرفأ، ويحك، اسقني لبنا، فجاء بلبن فشربه، فلما وقع في جوفه خرج من الطعنات، فلما رأوا ذلك علموا أنه هالك، قالوا: جزاك الله خيرا، قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتبع سنة صاحبيك، لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء، قال: "بالإمارة تغبطونني، فو الله لوددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي، قوموا فتشاوروا في أمركم، أمروا عليكم رجلا منكم، فمن خالفه فاضربوا رأسه" قال: فقاموا وعبدالله بن عمر مسنده إلى صدره، فقال عبدالله: "أتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟ "، فقال عمر: "لا، وليصل صهيب ثلاثا، وانتظروا طلحة، وتشاوروا في أمركم، " قال: "اذهب إلى عائشة فاقرأ عليها مني السلام، وقل: إن عمر يقول: إن كان ذلك لا يضر بك ولا يضيق عليك، فإني أحب أن أدفن مع صاحبي، وإن كان يضربك ويضيق عليك، فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأمهات المؤمنين من هو خير من عمر" فجاءها الرسول فقالت: "إن ذلك لا يضر ولا يضيق عليّ" قال: "فادفنوني معهما" قال عبدالله بن عمر: "فجعل الموت يغشاه وأنا أمسكه إلى صدري" قال: "ويحك ضع رأسي بالأرض" قال: "فأخذته غشية فوجدت من ذلك"
[ ١٤١ ]
فأفاق فقال: "ضع رأسي بالأرض" فوضعت رأسه بالأرض فعفره بالتراب فقال: "ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له".
قال محمد بن عمرو: وأهل الشورى: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبدالرحمن بن عوف - ﵁ - (١).
وأخيرا تحققت الشهادة لعمر - ﵁ - أخبر بها رسول الله - ﷺ - وتقدم بيان ذلك.