الله أكبر، ماذا كان حال المسلمين في عهد رسول الله - ﷺ -، من الوحدة والانجبار، ومن الذي لا يتمنى أن يكون رأى رسول الله - ﷺ - ولو مرة واحدة؟ ! !، ومن الذي لا يتمنى اليوم أن يرى رسول الله - ﷺ - في نومه؟ ! إن عزاءنا في ذلك أن العاملين بالكتاب والسنة، هم الداعون إلى تلك الوحدة، وذلك الانجبار، وهم أمته وهم الغر المحجّلون على الحقيقة، وهو - ﷺ - قائدهم، وهم الواردون حوضه، وما قال - ﷺ -: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (١)، ما قال هذا - ﷺ - إلا لأن الخلفاء هم الصفوة من الأصحاب، والأصحاب هم الصفوة من الناس، وأمته - ﷺ - هي الصفوة من الأمم، إن من يجعل الرسول - ﷺ - وأصحابه، في القدوة والعمل كغيرهم من الناس فقد ضل سواء السبيل، وهو ممن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، إن أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن نهج نهجهم إلى يوم الدين، هم الفرقة الناجية؛ لأنهم اتبعوا ولم يبتدعوا؛ لأنهم المحققون لقيود الكتاب والسنة، آمنوا بالكتاب والسنة جملة وتفصيلا، فطبقوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وكم يخافون من قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، ويعملون بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤)، حياتهم دعوة وإصلاح وبناء عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ
_________________
(١) الترمذي، حديث (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح.
(٢) من الآية (٧) من سورة الحشر.
(٣) من الآية (٧) من سورة النور ..
(٤) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.
[ ٥٣ ]
اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، نقاء في الاعتقاد، حين تحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)، تمسكوا بوصية رسول الله - ﷺ - «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» (٣)، وهم الواعون لقوله - ﷺ -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم» (٤)، وهم الصابرون امتثالا لقول رسول الله - ﷺ -: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٥)، وغير ذلك كثير من منهج الإسلام، مما يطول ذكره وتفصيله، إنها فرقة مجاهدة في تطبيق الكتاب والسنة، جملة وتفصيلا، في كل مناحي الحياة، حتى في كيفية لباس الثوب، والنعل، وآداب الدخول والخروج، وركوب الدابة، قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي وعد الله - ﷿ -، ومن كان حريصا على مثل هذه الشعائر اليسيرة السهلة، فهو لما سواها من الأمور العظيمة أطلب، وعليها أحرص، ولرسم الصورة لمنهج المهتدين، نَطْرق باب المهتدي الأول.
والعجب أن لفتة أعرض عنها أهل الأهواء، وكأنها عندهم لم تكن ولم ينطق بها المصطفى - ﷺ -، مع أنها من غرر كلامه - ﷺ -، ومن علامات صدق نبوته حين قال في شأن الاختلاف والفتن: «فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتى وسنة الخلفاء
_________________
(١) الآية (١٠٨) من سورة يوسف.
(٢) من الاية (٣٦) من سورة النساء.
(٣) أخرجه مسلم، حديث (١٢١٧) وهو طويل.
(٤) أخرجه أحمد المسند حديث (١٧٢١٣).
(٥) البخاري حديث (٣٧٩٢) ومسلم حديث (٢٤٩٣) ..
[ ٥٤ ]
الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (١)، لفتة هامة في سداد أهل السنة، وإشارة واضحة وجلية إلى أنه سيكون بعده - ﷺ - خلفاء من أصحابه يلون أمر الأمة المحمدية، فأمر الأمة بالتمسك بسنته - ﷺ -، وبما يسنه كل واحد منهم، لأنهم راشدون مهديون، ولا أشك في علم رسول الله بأعيانهم، وقد ورد عنه ما يشير إلى ذلك في صور منامية رآها رسول الله، فقال - ﷺ -: «رأيت الناس مجتمعين فى صعيد، فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفى بعض نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت بيده غربا، فلم أر عبقريا في الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن» (٢)، فاجتماع الناس فيه إشارة إلى اجتماعهم على الخلافة ونزع أبي بكر أولا، يدل على أنه الخليفة بعد رسول الله - ﷺ -، والضعف في النزع إشارة إلى قلة الزمن الذي يكون فيه أبو بكر - ﵁ - خليفة، وهو ما حدث فعلا فلم يبق في الخلافة سوى سنتين، ونزعُ عمر ثانيا، فيه إشارة إلى أنه الخليفة بعد أبي بكر - ﵁ -، ويدل وصف عمر - ﵁ - بقوة النزع على مدة خلافته وقوة عهده، وهو ما حدث فعلا، فلم يكن في الخلفاء بعده أعظم منه عملا، ولا عدلا، ولا قوة للأمة - ﵁ -، ومما يؤكد أحقية أبي بكر - ﵁ - بالخلافة قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، فالآية عامة في استخلاف المؤمنين بعد المشركين، وأهل الكتاب، وهو وعد بشر الله به المؤمنين في أول الإسلام، لتقوى عزائمهم على الثبات ومقارعة المشركين، واليهود والنصارى، وعد بأن يكون للمؤمنين خلفاء يخلفون، أولهم يخلف رسولَ الله - ﷺ -، فكان أول الخلفاء أبو بكر - ﵁ -؛ تحققت هذه الآية الكريمة فيه، وفي الثلاثة بعده - ﵃ -، فهم في مقدمة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واستخلفهم بعد رسوله واحد تلو الآخر، ووعد الله الذين آمنوا بالمغفرة
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٨٩١).
(٢) أخرجه البخاري حديث (٢٦٣٣) ..
(٣) الآية (٥٥) من سورة النور.
[ ٥٥ ]
والأجر العظيم قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١)،
وهذه تحققت في جميع الصحابة - ﵃ - وأبو بكر - ﵁ - هو أكمل الناس إيمانا بعد رسول الله - ﷺ -، بشهادة عمر بن الخطاب - ﵁ - حين قال: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٢)، وكفى والله بها شهادة من عدل خبير بأبي بكر بعد رسول الله - ﷺ -، ونعود إلى الحديث السابق فنجد فيه إلماحة قوية تؤكد أن خلافة عمر - ﵁ - بعد أبي بكر - ﵁ -، وتشير إلى ما يكون في عهده من خير للإسلام والمسلمين، فطابق الخُبْرُ الخَبَر في هذا الأمر العظيم المعتبر، فُتحت الأمصار شرقا وغربا، ودوَّى صوت المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح في تلك الأمصار، ومن هنا اشتدت عداوة الحاقدين على عمر بن الخطاب - ﵁ - كأبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله، وأتباعه الذين لا زالت نار حقدهم تضطرم إلى اليوم.
أما قوله - ﷺ -: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشى فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة» (٣)، ففيه إشارة إلى ما سيحدث من خلاف وفتن يشعلها أهل الكيد للإسلام، وأن ذلك سيحدث لا محالة، ولا يكون إلا بالإحداث فيما جاء به - ﷺ -، وحذر من المحدثات في الدين لأنها أبواب الضلال.