بدأ انشطار الوحدة الإسلامية بفتنة عثمان - ﵁ -، وتحقق بالفتنة بين علي ومعاوية ﵄، وذلك بخروج المطالبين بدم عثمان، الأمر الذي نتج عنه تعميق الخلاف بين المسلمين باستحداث أمورا لم تكن في عهد رسول الله - ﷺ -، ولا عهد الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، ولا أقرها الخليفتان عثمان وعلي ﵄، ولاسيما عليا وآل بيته - ﵃ -، وظهر الابتداع في الدين في صور شتى منها القريب والبعيد والموغل في البعد والمارق، وتطور ذلك باستخدام الفلسفة من علم الكلام، وتحكيم العقل فيما جاء به الكتاب والسنة، إما بالتأويل،
_________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر ٤١/ ١٥٣.
[ ١٦٦ ]
وصرف الأمور عن ظواهرها، وإما بالقدح في نقلة السنة العدول، ونبزهم بالكذب على رسول الله واختلاق ما يناقض الكتاب والسنة الصحيحة، كما سيأتي عن الرافضة، فكان أول من شذ عن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين الخوارج؛ فهم نابتة سوء برزت في عهد عثمان - ﵁ -، واشتهر أمرهم في الخروج على علي الخليفة الراشد - ﵁ -، وشهدوا بالضلال على من هو خير منهم أصحاب رسول الله - ﷺ - بل بالكفر فكفروا عليا من معه من الأصحاب - ﵃ -، بل أبطلوا شهادة الله لهم بالإيمان، فإذا فعلو هذا مع زكاهم الله، وشهد لهم بالخيرية والإيمان، فهم مع عامة المؤمنين أشد عداوة فلا يرون لهم حقًا لمن عداهم ليس لهم إلا السيف واستباحة المال والعرض، ولم تجتمع كلمة المسلمين على الخوارج، بل هم أنفسهم على كثرة فرقهم لم يجتمعوا، وكفّر بعضهم بعضا والتاريخ شاهد بذلك، وذلك رحمة من الله بالمسلمين فلو اجتمعت كلمتهم لعادت الجاهلية على أشدها، وانتشر الفساد في الأرض، وتعطلت شعائر الإسلام من صوم وصلاة وحج وزكاة وغير ذلك، فالحمد لله الذي لم يظهر الخوارج على كثرة فرقهم على عباده الصالحين، فكا هذا نصرا منه تعالى لعباده المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١)، وهذا من أوضح الأدلة على فساد منهج الخوارج؛ لأن الله لم يجمع كلمتهم بل كان يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا، وقد جمع الله كلمة أهل السنة والجماعة، وأقام لهم من الحكام من حكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وإن وقعت من بعضهم هنات، ولكنهم إلى الخير أنزع، ولإقامة العدل والحدود أقرب، أما الخوارج فقد وصفهم رسول الله - ﷺ - لأمته، وبين الحكم عليهم، حين أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل» فقال عمر: " يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ " فقال: «دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر
_________________
(١) الآية (٥١) من سورة غافر.
[ ١٦٧ ]
إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء (٢)، ثم ينظر إلى رصافه (٣) فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٤)، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (٥) فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٦)، ويخرجون على حين فرقة من الناس» (٧).
قال أبو سعيد: "فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي - ﷺ - الذي نعته " (٨) هذا وصفهم والحكم عليهم، فسماهم الناس خوارج لخروجهم على عثمان الخليفة الراشد، واستباحتهم دمه، في الأشهر الحرم، في ذي الحجة، واقتحام داره وقتله وهو يتلوا كتاب الله - ﷿ - لتقع أول قطرة من دمه على قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٩).
وبقتله وقعت الفتنة العظيمة التي أخبر بها رسول الله - ﷺ -، والناس في بقايا من شرها إلى اليوم، فظهرت أول فرقة شقّت الوحدة الإسلامية، مع الاحتراز عن التعميم فما كل فرد منهم كان يريد قتل عثمان - ﵁ -، ولا كل فرد رضي بقتله - ﵁ -، ومنهم من قصد وترصد وانتهز الفرصة فتولى كبر تلك الفتنة، ولا أستبعد أنهم نواة الخوارج المنشقين على علي - ﵁ -، فارقوا معاوية إلى صف علي ﵄، ثم واصلوا كسر الوحدة الإسلامية بإعلانهم تكفير علي - ﵁ -، وكذلك ليس كل من خرج على علي كان مكفرا له، بدليل رجوع عدد كبير منهم لما ناظرهم
_________________
(١) نصل السهم حدية مسننة تركب في رأسه.
(٢) لا يوجد أثر للدم من سرعة الاختراق والمرور، شبه به سرعة مروق الخوارج من الدين.
(٣) عقبة السهم "مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٩٣".
(٤) نضي الرمح ما فوق المقبض من صدره "العين ٧/ ٥٩".
(٥) ريش السهم؛ واحدتها قذة " مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٧٥".
(٦) تضطرب وتتحرك "غريب الحديث للخطابي ١/ ٣٧٩".
(٧) البخاري حديث (٣٦١٠) وفي مواضع عدة، ومسلم حديث (١٠٦٤).
(٨) البخاري حديث (٣٦١٠).
(٩) من اللآية (١٣٧) من سورة البقرة.
[ ١٦٨ ]
ابن عباس ﵄، قدروا بأربعة آلاف (١)، وبقي من كتبت عليهم الشقوة على ضلالهم.
ولو كانوا طلاب حق لما خفي عليهم الأمر سواء في عهد عثمان - ﵁ - أو عهد علي - ﵁ -، فالصحابة كثر وكتاب الله محكَّم، وسنة رسول الله ناطقة بالحق، ولكن لهم غاية أبعد من الحق وهو الباطل، الذي اتخذوه شرعة ومنهاجا لتكفير عثمان ثم علي ﵄، وتكفير من كان معهما على الحق، ولم يخف أمرهم على رسول الله - ﷺ -، ولذلك عُدّ قتلهم من قبل علي - ﵁ - فتحا من أجل الفتوح، لأنهم كانوا لا يرون طاعة خليفة، ولا يرونها في قرشي، وكان ضررهم معلوما (٢)، وكانت علامتهم ما أخبر به رسول الله - ﷺ - فيما روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: بينا رسول الله - ﷺ - يقسم قسما (٣)، فأتاه رجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال - ﷺ -: «هاك لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر - ﵁ -: دعني يا رسول الله أقتله، فقال: «لا، إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من الناس. . . .» الحديث تقدم ذكره (٤).
وذو الثُّدية هو: حرقوس بن زهير، أحد الخوارج يوم النهروان، قاتلهم علي - ﵁ -، وتفقد قتلاهم، فاستخرج من بينهم ذا الثُّدية، فرآه ناقص اليد، ليس فيها عظم، طرفها حلمة مثل الثدي، عليها خمس شعرات أو سبع، رؤوسها معقفة، ثم نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة (٥)، حينها سجد علي شكرا لله - ﷿ - لما رأى ذا الثُّدية في القتلى، لأن ذلك كان علامة على أنه - ﵁ - على الحق (٦).
يتلخص من هذا أن نابتة الخوارج أولهم ذو الخويصرة التميمي، وأن شوكتهم تقوى عند اختلاف الناس، وحصل الاختلاف على عثمان - ﵁ - فبرز ناب الخوارج ليكسر الوحدة الإسلامية، وتبلور في عهد علي - ﵁ -، وامتد شرهم بعد ذلك.
_________________
(١) البداية والنهاية ٧/ ٣١٢.
(٢) جوامع السيرة ١/ ٣٤٠.
(٣) قيل: يوم خيبر، وقيل يزم حنين.
(٤) أخرجه البخاري ومسلم.
(٥) مروج الذهب ٤/ ٤١٦.
(٦) انظر: زاد المعاد ٣/ ٥١١.
[ ١٦٩ ]