إن أخطر ما دخل على الإسلام الطعن في الصحابة، والقول بردتهم، ليتمكن أصحاب هذا النهج الفاحش من هدم الإسلام من أصله، وتجفيف منبعه الأصيل الصافي، وإحلال الزور والهتان محله، وقد تقبل أمة من الناس هذا المبدأ لإقناعهم بظلم آل البيت وردة الصحابة، فمن أين يأتيهم الهدى وقد أبعدوا عن منبعه؛ نهج النبي المصطفى - ﷺ -، ونهج صحابته الصادقين الأمناء، شهد الله لهم بأنهم السابقون الأولون، ومات رسول الله - ﷺ - وهو راض عنهم - ﵃ -، ثم يأتي الزنادقة لتدمير الإسلام بدعوى ردة الصحابة وتكفيرهم بذلك، والزنادقة يرون المتمسكين بنهج النبوة والخلافة الراشدة كفارا كذلك، وكفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى، لأن كفر هؤلاء بعد إيمان، وكفر أولئك بادئ ذي بدء، كبرت كلمة تخرج من أفوههم إن يقولون إلا كذبا، والرافضة عبارة عن جماعات متفرقة في العالم الإسلامي وغيره، ولاء بعضها لولاية الفقيه دولة الرافضة في إيران التي لا تملك غير الكيد والدس للعالم الإسلامي، ولا تعيش إلا على الكذب والنفاق، منهجها العقائدي تكفير من لا يكفر الصحابة، ولا يقول بولاية علي وذريته وبعصمتهم وعلمهم الغيب، والسياسة عندها ترمي إلى استعادة المجد الفارسي، وإحياء الحقد الصفوي الذي يستبيح دماء العرب وأعراضهم وأموالهم، ولو كانوا على مذهبهم في التشيع، وزعمهم حب آل البيت إنما هو استقواء لاسترداد الملك الفارسي، والفكرة في أصلها يهودية أسسها عبدالله بن سبأ بدعوى حب آل البيت، وتقبلها الأتباع وهم قسمان:
الأول: من كان مؤمنا بدعوة ابن سبأ على أصلها والهدف منها الانتقام من الإسلام وأهله.
والثاني: من تقبلها على ظاهرها ولم يعلم أنها دعوة باطنية، غلفت بدعوى حب آل البيت، على طريقة دس السم في العسل، وهؤلاء نقول لهم: إن الشيعة هم ممن شايعوا عليا - ﵁ -، على أن الحق في جانبه دون معاوية - ﵁ -، وهذا حق، ولم يكفروا
[ ١٧٠ ]
أصحاب رسول الله - ﷺ -، وإن نازعوا في ولاية أبي بكر - ﵁ -، ولم يزعموا أن أحدا من هذه الأمة معصوما سوى رسول الله - ﷺ -، ولم يزعموا أن بقعة على وجه الأرض أشرف من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومكة أشرف من المدينة بوجود بيت الله فيها، والمدينة أشرف من مكة بجسد رسول الله - ﷺ - فبينهما عموم وخصوص من وجه، ثم المسجد الأقصى لقول رسول الله - ﷺ -: «لا تُشَدُّ الرّحال إلاّ إِلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصَى» (١)، والمراد عدم جواز شد الرحال للعبادة والتقرب إلى الله تعالى، إلى أي مسجد، على وجه الأرض بهذا القصد إلا للثلاثة المذكورة، وهذا تشريع رسول الله - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى، لعموم الأمة المحمدية، وقد تضمن هذا التشريع هدفا عظيما وهو وحدة الأمة المحمدية في شد الرحال للعبادة، وعلى هذا الأساس فكلنا شيعة محمد - ﷺ -، وعلي - ﵁ - وآل البيت عموما؛ لأن هذا منهجهم، ومن زعم أنه من شيعة علي - ﵁ -، وكان على غير هذه المقاصد، فهو إما تابع لابن سبأ، وإما جاهل بهذه المقاصد مُغرّر به، فإن كان تابعا لابن سبأ فلا شك في مجوسيته ويهوديته، وأنه حرب على الإسلام والمسلمين، وإن لبس عباءة حب آل البيت، فإنما هي شكل لا مضمون، وإن كان جاهلا مُغرّرا به، فندعوه إلى نبع الإسلام الصافي: الكتاب والسنة، ونحذره من البقاء في وحل الباطنية، والتبعية لأئمتها المضلين، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي، ولكن لا تزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق، ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» (٢)،
فمن عرف الحق واهتدى فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن اختار مزاعم ابن سبأ فتلك مجوسية معلومة، ومن بقي جامدا على جهله فلا يصح أن يكون من شيعة علي بل هو من الرافضة وهم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله
_________________
(١) أخرجه مسلم، حديث (٢٢٩٥) ..
(٢) الحاكم، حديث (٨٣٩٠) ..
[ ١٧١ ]
العداء الشديد، ولم يستثنوا من تكفيرهم، إلا عليا وآل البيت - ﵃ -، ونفرا قليلا: خمسة أو سبعة أو تسعة، ولم يصل إلى العشرين من توغل في الاستثناء، وزعموا أن الصحابة ارتدوا وحبط عملهم، وأعجبهم قول رسول الله - ﷺ -: «إني لكم فرط على الحوض. فإياي! لا يأتينّ أحدكم فيُذب عني كما يُذب البعير الضال، فأقول فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا» (١)، ليستشهدوا به على ردة الصحابة صدق الله العظيم، لقول: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا» واستدلالهم باطل؛ لأن الصحابة - ﵃ - وردت تزكيتهم في الكتاب والسنة، وبإجماع المسلمين أن الصحابة ومنهم الخلفاء لم يرتدوا، ولم يكن فيها إلا نفر قليل، منهم بعض الأعراب الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما توفي رسول الله - ﷺ -، ارتدوا ومنعوا الزكاة، فقاتلهم على ذلك أبو بكر خليفة رسول الله - ﷺ -، وعاد أكثرهم إلى الإسلام، وأبلوا في الفتوح بلاء حسنا.
أما الحديث فهو عند عامة المسلمين من العام الذي يراد به الخاص، وما أكثر ذلك في الشريعة الإسلامية، وليس المراد به كل فرد من الناس: الصحابة أو غيرهم، وهم يستدلون بحديث حذيفة أن رسول الله - ﷺ - قال له: «فإني مسر إليك سرا لا تحدثن به أحدا أبدا، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان»، رهطٌ ذوي عدد من المنافقين، قال: فلما توفي رسول الله - ﷺ -، واستخلف عمر - ﵁ -، كان إذا مات الرجل من صحابة النبي - ﷺ - ممن يظن عمر أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فقاده، فإن مشى معه صلى عليه، وإن انتزع من يده لم يصل عليه، وأمر من يصلي عليه (٢)، واستدلال الرافضة بهذا على تكفير الصحابة باطل لأمرين:
أولا: أن الله - ﷿ - أخبر نبيه - ﷺ - في كتابه العزيز بصفات المنافقين، فهو يعرفهم بصفاتهم، وإن كانوا يصحبونه في ظاهر الحال، لكنه يعلم مآلهم فمنهم من تدركه رحمة الله ويتوب ويحسن إسلامه، ومنهم يبقى على نفاقه حتى يدركه الموت على الكفر بالله كما أخبره الله - ﷿ - بذلك: فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ
_________________
(١) البخاري، ومسلم، وهذا لفظ مسلم حديث (٣٤٥٠).
(٢) أخرجه البيهقي وغير مرسلا وموصولا.
[ ١٧٢ ]
عَظِيمٍ﴾ (١)، ثم إن المنافقين الذين عدهم رسول الله - ﷺ - نفر قليل بالنسبة لمجموع الصحابة - ﵃ -، وفي نهيه - ﷺ - عن الصلاة عليهم، وأخباره - ﷺ - حذيفة - ﵁ - بذلك إشارة إلى أنهم يموتون على الكفر.
ثانيا: إن المنافقين الذين أخبر بهم حذيفة عرفهم بأعيانهم، فقد ورد من طريق جبير بن مطعم أنهم اثنى عشر رجلا، لم يبق منه غير رجل واحد (٢)، وقد قال حذيفة - ﵁ -: ما بقي من المنافقين إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لا يجد برد الماء من الكبر، فقال له رجل: فمن هؤلاء الذين ينقبون بيوتنا ويسرقون علائقنا، قال: ويحك! أولئك الفساق (٣)، وهو كذلك فما كل فاسق منافق، فقد يقع المؤمن في المعصية وهو بريء من النفاق، ألم تسمع أنه - ﷺ - أتي بابن النعيمان وقد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، أتي به مرارا أربعا أو خمسا، فقال رجل: "اللهم العنه ما أكثر ما يشرب، وما أكثر ما يجلد"، فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤)، فتعميم الرافضة ذلك على جمع أصحاب رسول الله - ﷺ - أوقعهم في مصائب كبيرة وعظيمة وهي:
١ - إن قولهم هذا طعن في الشريعة الإسلامية كلها، لأن الصحابة هم نقلتها عن رسول الله، ولا تقوم للرافضة الحجة بما يروون عن آل لبيت؛ لأن ما هو صحيح من الرواية عن آل البيت هو مروي عن صحابة غيرهم، وثابت عند أهل السنة، ولم ينفرد الرافضة إلا برواية الكذب والزور على آل البيت، ووضع الكثير منها تدعيما لعقيدتهم الباطلة في الصحابة وغيرهم، وقد طهر الله قلوب وألسنة وكتب أهل السنة من ذلك الدنس العظيم الذي وقع فيه الرافضة.
٢ - إنه طعن في رسول الله؛ لأننا نقول: إن الصحابة اختارهم الله لرسوله أعوانا، قال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - ﷺ -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون
_________________
(١) الآية (١٠١) من سورة التوبة.
(٢) فتح الباري (٨/ ٣٣٧).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (٨/ ٣٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق المصنف (٩/ ٢٤٦).
[ ١٧٣ ]
على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيّء" (١)، والمراد بالمسلمين هنا الصحابة - ﵃ -، فالشريعة الإسلامية أفضل الشرائع وأكملها، ومحمد خير البشر، وأصحابه خير الناس، فهم المقارنون له - ﷺ -، والقرين بالقرين يقتدي، والرافضة لا يرون هذا في الصحابة، ويلزمهم الطعن في رسول الله - ﷺ -، ولا غرابة فيمن كان قرينه عبدالله بن سبأ، وابو لؤلؤة المجوسي.
٣ - الطعن في الرب ﷾، وذلك على مراد الرافضة: لأن الله - ﷿ - أختار من الناس محمدا نبيا ورسولا، واختار من الناس أصحابا له وقرناء، وقد رماهم الرافضة بالردة، وجعلهم الله نقلة الشريعة، فكيف يسوغ هذا مع ما تعتقد الرافضة؟ ! !، هل يرضى الله لنبيه عبده ورسوله وخليله - ﷺ - يرضى له أصحابا أشقيا، ويزيغ قلوبهم بعد جهادهم مع رسوله، وشهادته لهم في كتابه العزيز، وشهادة رسوله لهم فيما صح وثبت عنه، اللهم لا، وسبحانك هذا بهتان عظيم، تبوء به الرافضة بين يديك، أنت تحكم بين عبادك، وأنت أحكم الحاكمين.
٤ - إنه طعن في القرآن الموصوف من رب العزة والجلال بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢)، امتدح أصحاب رسول الله، وأنالهم من الفضل في الدنيا ولآخرة ما لم يحصل لأحد سواهم بعد الأنبياء والرسل، ولا ينكر هذا ويتأوله بالباطل والزور والبهتان على الله ورسوله إلا الرافضة.
٥ - إنه طعن في آل البيت جميعا؛ لأنهم أتباع رسول الله وصحابته دون استثناء، وبناء عليه إما أن يكونوا على خير كما يعتقد أهل السنة، وهو الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، وإما على شر كما هو لازم اعتقاد الرافضة، وهو مذهب ابن سبأ وأتباعه.
_________________
(١) (هو من الموقوف الذي له حكم الرفع، وسنده حسن كما في المقاصد الحسنة: ٣٦٧.
(٢) (الآية (٤٢) من سورة فصلت.
[ ١٧٤ ]