إن الإيمان بأن لهذا الكون خالقا يدبر أمره في كل ذرة منه، يقود إلى أن للإنسان ربا يستحق منه العبادة والتقديس، فإنه لا يكون في العبادة حق لغير الخالق، فلا يكون حينئذ لمقولة الدهريين قبول، لأنها مجرد هراء قادت إليه أفكار شيطانية، فقالت الألسنة الشريرة: "لا إله، والحياة مادة، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر"، وأصحاب هذه المقولات هاجت بهم جنون الأفكار حتى ألقتهم في جهنم وبئس المصير، وأكثر منهم عقلا وإيمانا ذلك الأعرابي حين سئل كيف عرفت ربك؟ فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ " (١)، مقولة محفوظة معلومة، لأنها في بساطتها ذاتَ دلالة قاطعة على أن هذا الخلق العظيم لا يمكن أن يكون بدون خالق مدبر، فالإيمان الركيزة الأولى، وهي أساس الركائز الأربع التالية، وقد أُسست أركان الإيمان في حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يُرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه"، ثم قال: «يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال:
_________________
(١) البيهقي وموقف من الإلهيات ١/ ٣٨ ..
[ ١٦ ]
صدقت، قال فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر كله: خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها - يعني علاماتها - قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة: رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلق فلبثت ثلاثا، ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل - ﵇ - جاءكم يعلمكم دينكم» (١).
تضمن هذا الحديث تحديدا لأركان الإيمان وهي ستة: قوله - ﷺ -: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر كله: خيره وشره» وما من ركيزة من الركائز الأربع التالية لها إلا وهذه الركيزة محورها، وقد يقول قائل: لِمَ ذكر أركان الإسلام إذًا؟ فالجواب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد، إذا اجتمعا افترقا في تفسير كل منهما، وأن الإسلام الإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وأن الإيمان الاعتقاد بالقلب، وإذا افترقا أغنى كل منهما عن ذكر الآخر، لدخوله فيه ضمنا، فارتبط الظاهر بالباطن، والتحمت ركائز الوحدة الإسلامية، ولذلك قال - ﷺ -: «ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا» (٢)، لاحتواء الإيمان الركائز الثلاث التالية له، لأن المسلم تحصَّل له بالإيمان العلم بالله - ﷿ - فرضي به ربا، وحصلت له معرفة بالإسلام فرضيه منهجا، وحصل له الإقرار بنبوة محمد - ﷺ - فرضيه نبيا ورسولا، وليُعلم أن مسمى الإيمان ليس محصورا في الأركان الستة ومعها أركان الإسلام الخمسة، بل هو أوسع من ذلك فقد قال رسول الله - ﷺ -: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» (٣)، ورواية مسلم «بضع وسبعون شعبة» (٤)، فما ورد في حديث
_________________
(١) مسلم حديث (٨).
(٢) مسلم حديث (٤٩).
(٣) البخاري حديث (٩).
(٤) البخاري حديث (١٦١) ..
[ ١٧ ]
جبريل - ﵇ - هو أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا باجتماعها، وقد ورد في الكتاب العزيز تناول مسمى الإيمان لأكثر مما في حديث جبريل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١)، هنا تكامل لعناصر الإيمان، وقد يؤخذ من حديث الصحيحين السابق أن أول الإيمان الإقرار، وآخره إماطة الأذى عن الطريق، صحيح أن الإيمان الاعتقاد بالقلب، ولكنه لا يُعلم إلا بالإقرار، فالنطق يكشف خبايا القلب، فكان الإقرار أول ما يُعلم به إيمان المرء، ولهذا فالمسلمون يتفاضلون في الإيمان على قدر ما يحوزون من تعظيم الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -، وتعظيم كتابه تعالى وسنة نبيه - ﷺ -، وعلى قدر التطبيق العملي لذلك.