جعل الله لهذه الأمة منهجا فريدا تلتقي عليه وحدتهم المصيرية في أمر الدين خاصة، وفي أمور الدنيا عامة، فقال عن كلامه المنزل على نبينا محمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ولو حاول الراغب في التحريف فإنه يبوء بالفشل في الدنيا، والخسران في الآخرة، لأن القرآن الكريم مصون محفوظ من رب العزة والجلال، وها هو يطوي القرن الخامس عشر وهو محفوظ كما أقرأه رسول الله - ﷺ - أصحابَه - ﵃ -، وقد خسيء كل من أراد النيل منه لفظا أو معنى، فإن الكثيرين من صغار المسلمين تحويه صدورهم فضلا عن كبارهم، كيف لا وهو المنهج الذي استقام عليه أمر الرعيل الأول في عهد النبوة، وعهد الخلافة الراشدة، إن هذه الركائز الثلاث هي التي تغلغلت في نفوس المؤمنين بالله ربا لا شريك له في العبادة، وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا إلى الناس كافة، لا شريك له في الاتباع، لأن الله تعالى أمرهم بالركيزة الأولى بوحدة الإيمان فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ
_________________
(١) من الآية (٢٩) من سورة الكهف.
(٢) من الآية (٢٩) من سورة الكهف.
(٣) الآية (٩) من سورة الحجر.
[ ٢١ ]
وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١)، وفي الركيزة الثانية بوحدة المعبود، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣)، وفي الثالثة بوحدة الاتباع، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٧)، وقال عن الركيزة الرابعة (٨)، وحدة المنهج: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٩)، وحبل الله هو القرآن الكريم، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١٠)، فلا مرجعية لهم سوى الكتاب والسنة النبوية، عملا بوصية نبينا محمد - ﷺ - «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» (١١).
_________________
(١) من الآية (١٣٦) من سورة النساء.
(٢) من الآية (٣٦) من سورة النساء.
(٣) من الآية (٦٠) من سورة غافر ..
(٤) الآية (٣١) من سورة آل عمران.
(٥) من الآية (٧) من سورة الحشر.
(٦) من الآية (٧) من سورة النور.
(٧) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.
(٨) من الآية (٢٩) من سورة الكهف.
(٩) من الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
(١٠) الآية (٦٥) من سورة النساء.
(١١) مسلم حديث (١٢١٨).
[ ٢٢ ]
ومع هذا يخرج بعض المغرورين فيزعم أن من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر على التخيير، ويرى بهذا الفهم السقيم أنه جاء بالفتح في هذا العصر، نعم فتح باب الضلال للضعفاء من المسلمين.