لم يعرف المسلمون هذه التسمية في عهد النبوة ولا عهد الخلافة الراشدة، وإن كان وجد شيء من الميل لعلي - ﵁ - عند بعض المسلمين بعد موت رسول الله - ﷺ -، فإنه ميل فطري وله ما يبرره، فإن محبة رسول الله - ﷺ - لعلي معلومة أسبابها فهو ابن عم رسول الله - ﷺ -، وكانت لأبي طالب مناصرة لنبينا محمد - ﷺ - (١)، وعلي - ﵁ - هو
_________________
(١) يكفي دليلا عليها قول أبي طالب في لاميته: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ** فهم في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد ** ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ** ونذهل عن أبنائنا والحلائل "الاستذكار ٢/ ٤٣٣".
[ ١٨٥ ]
ربيب رسول الله - ﷺ -، وأول من آمن به من الصبيان، وهو البائت في فراش رسول الله - ﷺ - عندما أمر بالهجرة، ولهذا العمل العظيم أثره في مقام علي - ﵁ - ليس عند رسول الله وحده، بل عند الأمة بأسرها، فقد عرّض نفسه للهلاك فداء لرسول الله - ﷺ -، وهو زوج ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة؛ أو نساء المؤمنين (١)، ﵂، وهو أبو الحسنين ﵄ سيدي شباب الجنة (٢)، وهو المشهود له بمحبة الله ورسوله، قال رسول الله - ﷺ -: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (٣)، وهو المشهود له بالجنة، فكان من الطبعي أن يتطلع لولاية أمر المسلمين بعد رسول الله - ﷺ - للأسباب ذاتها، ولغيرها من الفضائل، ولم يدر بخلده سوى أن المسلمين لن يختلفوا عليه لما يُرى من مكانته من رسول الله، ولمحبة المسلمين له - ﵁ -، مع اعترافه بفضل أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -؛ وكان أمر تجهيز النبي - ﷺ - أهم من ذلك فبدأ به ولم يحضر إلى سقيفة بني ساعدة، هذا كل ما عُرف من أمر علي - ﵁ - في شأن الخلافة، لكن لفراغ موقع القيادة النبوية للمسلمين ولأهمية ملء ذلك الفراغ، بادر بعض الصحابة - ﵃ - وهم عدد قليل من خيار الصحابة وفضلائهم، وعلي نفسه - ﵁ - لا يشك في ذلك، بل أكده فيما بعد، وكان سعد بن عبادة - ﵁ - ممن بادر في جمع من الأنصار إلى السقيفة دون علم المهاجرين متطلعا إلى ولاية أمر المسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، وهذا أمر طبعي أيضا وله مبرراته، فإنه شيخ الخزرج، وهو أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله - ﷺ - في العقبة الثانية، وأحد النقباء الاثني عشر (٤)، وكان سيدًا في الأنصار، مقدمًا وجيهًا له رياسة وسيادة، يعترف قومه له بها (٥)، وكان من مستشاري رسول الله - ﷺ - هو وسعد بن معاذ، دون سائر الأنصار - ﵃ -، لأنهما سيدي قومهما، أشار عليه في غزوة بدر، ويوم الخندق، وكانت راية رسول الله - ﷺ - يوم الفتح بيد سعد بن عبادة - ﵁ - (٦)، فرأى أن من حقه وحق قومه أن يلي أمر
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٢٤) وفي مواضع عدة، ومسلم حديث (٢٤٥٠).
(٢) ابن حبان حديث (٦٩٦٠).
(٣) البخاري حديث (٣٠٠٩) وفي مواضع عدة، مسلم حديث (٢٤٠٤) وفي مواضع ..
(٤) الإكمال ١/ ٢٥٣.
(٥) الاستيعاب ١/ ١٧٨.
(٦) الاستيعاب ١/ ١٧٩ ..
[ ١٨٦ ]
المسلمين، وحضر من المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة - ﵃ - لما علموا باجتماع الأنصار على رأس سيدهم، فتكلم أبو بكر - ﵁ -؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا معشر الأنصار، إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب، ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام، ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - قال عمر: لي، ولأبي عبيدة بن الجراح - فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة"، قال: عمر - ﵁ - "فو الله ما بقي شيء كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ، غير هذه الكلمة - يعني ترشيحه - فو الله لأن أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا في غير معصية، أحب إلي من أن أكون أميرا على قوم فيهم أبو بكر، قال: ثم قلت: يا معشر الأنصار، يا معشر المسلمين، إن أولى الناس بأمر رسول الله - ﷺ - من بعده ثاني اثنين إذ هما في الغار: أبو بكر السبّاق المبين، ثم أخذت بيده وبادرني رجل من الأنصار، فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتتابع الناس" (١)، فصدق قول رسول الله - ﷺ - لعائشة ﵂: «ادعي لي أباك وأخاك، حتى اكتب لأبي بكر كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢)، ولم يكتب - ﷺ - شيئا، وأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر - ﵁ -، واجتمعت عليه الكلمة، ولم ينازع في ذلك بقول ولا فعل، لا من الأنصار وسيدهم سعد بن عبادة - ﵃ -، ولا من علي وبني هاشم - ﵃ -، وعلموا أن ذلك اختيار من الله - ﷿ - لأمة محمد - ﷺ -، وقد تخلف سعد بن عبادة - ﵁ - عن بيعة أبي بكر - ﵁ -، وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام (٣) قد يكون في نفسه شيء، لكنه - ﵁ - لم ينازع في الأمر، ولم يغمز أبا بكر ولا أحدا من المهاجرين؛ فهو يعلم مكانة أبي بكر في الإسلام وعند رسول الله - ﷺ -، ولكي يحمي نفسه من حب السيادة على الأمة خرج من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، المصنف (٨/ ٥٧١).
(٢) أخرجه مسلم حديث (٢٣٨٧) ..
(٣) الاستيعاب ١/ ١٧٩.
[ ١٨٧ ]
المدينة إلى الشام، وطابت نفس علي - ﵁ - وبايع أبا بكر، وسارت الأمور على خير ما يرام، حتى وفاة عثمان - ﵁ - والوحدة الإسلامية في أوج كمالها بحماية الله ثم حماية أبي بكر والمسلمين لها، لم يسع الناس إلا بمسمى واحدا للمسلمين: فيرددون: فتح المسلمون، خرج المسلمون، انتصر المسلمون، عاد المسلمون، لا خوارج ولا شيعة ولا صوفية، ولا أي بلية أخرى.
فكانت البلوى بعد البلية الأولى قتل عثمان - ﵁ - المشهود له بالجنة عليها، فقد قال رسول الله - ﷺ - لما استأذن عثمان بعد استئذان أبي بكر وعمر - ﵃ -: «ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه» (١)، صدق رسول الله - ﵁ - إنها بلوى ليست على عثمان المأجور عليها، بل على الأمة التي أصابها الصدع الأول في الوحدة الإسلامية، فكان قتل عثمان من قبل قوم تعدوا وظلموا ثلما مؤثرا في جسد الأمة، وهو الباب الذي كسر على قولٍ، وقيل الباب عمر، وهو ما أخبر به حذيفة بن اليمان - ﵁ - أمين سر رسول الله - ﷺ -، حين قال عمر - ﵁ - لأصحاب رسول الله - ﷺ -: "أيكم سمع قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ "، فقال حذيفة: أنا سمعته يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، يكفر ذلك الصوم والصلاة والصدقة» فقال عمر: "ليس هذا أريد ولكن قوله في الفتنة التي تموج كموج البحر، يتبع بعضها بعضا" قال: "فلا تخفها يا أمير المؤمنين فإن بينك وبينها بابا مغلقا" فقال: "كيف بالباب أيفتح، أو يكسر؟ "، قال: "بل يكسر، ثم لا يغلق إلى يوم القيامة" (٢)، والمراد بكسر الباب قتل عثمان - ﵁ -، أو قتل عمر، وفعلا هو الباب الذي كسر بعد موت رسول الله - ﷺ -، وعبر بالكسر إشارة إلى عدم إمكان إصلاحه ليغلق مرة أخرى أمام الفتن، فلا غلق إلى قيام الساعة، وتتوالى الفتن من ذلك الحدث إلى أن تقوم الساعة، ولذلك كثر التحذير من الفتن؛ لأنها ابتلاء واختبار من الله - ﷿ - لهذه الأمة، وقل من يجوز ذلك بنجاح، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣)، وهي تمحيص للإيمان، ولكن المبعوث رحمة
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٧٤).
(٢) الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٢٣ ..
(٣) الآية (١٥٥) من سورة البقرة.
[ ١٨٨ ]
للعالمين - ﷺ -، أشار لما هو واقع منها لا محالة، نصحا بلزوم منهج الكتاب والسنة للنجاة منها؛ لأن الفتنة محنة شديدة في الدين، ولذلك عمم رسول الله - ﷺ - وخصص، وكل ما جاء عن الصحابة في أمر الفتن فهو منقول عن رسول الله - ﷺ -؛ لأن ذلك من علم الغيب الذي أطلع الله عليه نبينا محمدا - ﷺ - ليعلم حال أمته من بعد، ويحذرها من أهوال الفتن لينجو منها من كتب الله له النجاة، ومن ذلك قول أنس بن أبي مرثد الأنصاري - ﵁ -: إن رسول الله - ﷺ - قال: «ستكون فتنة بكماء صماء عمياء، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن أبى فليمدد عنقه» (١)، ولا أظنها والله إلا فتنة قتل عثمان - ﵁ -، ومن بعد ذلك ما حدث بين علي ومعاوية ﵄.
فالفتن كثيرة وردت فيها أحاديث كثيرة مذكورة في مظانها من كتب السنة، وفيها كتب خاصة، فليكن المؤمن العاقل محتاطا لدينه، فإن الفتن على وجوه كثيرة، قد مضى منها فتن عظيمة نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام، باتباعهم الهوى وإيثارهم للدنيا، فمن أراد الله تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة والسواد الأعظم، ولم يتلوَّن في دينه، وعبد ربه - ﷿ - فترك الخوض في الفتنة، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير، وقد أخبر النبي - ﷺ - وهو يحذر أمته الفتن؟ فقال ﵊: «يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا» (٢)، ومن أعظم الفتن في هذا الزمان فتنة المال والنساء، وفتنة الأفكار الهدامة، لأنها تنشر بدعوى التحرير والتجديد والتطوير، بل هناك من تجرأ وقال: سبب تأخر المسلمين الإسلام، بل منهم من قال: القرآن كان وراء تخلف المسلمين، فصدق على المتمسكين بمنهج الكتاب والسنة قول النبي - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (٣).
_________________
(١) الشريعة ١/ ٥٠.
(٢) انظر: الشريعة ١/ ٥٠.
(٣) الترمذي حديث (٢٢٦٠).
[ ١٨٩ ]
حدث أول خلاف في الإسلام لم يجبر، كان عثمان - ﵁ - الباب الذي كسر لتندلع الفتن في الأمة، الفتنة تلو الفتنة لأسباب وأغراض شتى، فلعن الصحابة من قتل عثمان - ﵁ -، ولعنت عائشة، وأمَّن الناس، فسمع ذلك على - ﵁ - فقال: "اللهم العن قتله عثمان، اللهم العن قتله عثمان (١)، وقام خطيبًا فحمد الله، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله، - ﷺ -، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث، الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره" (٢)، وصدق علي - ﵁ - فيما قال، ولكن الضلال أخذ من قتلة عثمان مأخذه، وطالب الناس عليا بقتل قتلة عثمان، حتى إن الزبير ابن عمة على - ﵃ - خرج لقتال علي ومعه طلحة وأم المؤمنين عائشة، فالتقى عليا ﵄، وتحاورا حول ذلك الأمر إلى أن قال علي للزبير ﵄: "تذكر يوم مررت مع رسول الله، - ﷺ - في بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله - ﷺ -: «ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له» قال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدًا"، فانصرف علي إلى أصحابه فقال: "أما الزبير فقد أعطى الله عهدًا أن لا يقاتلكم"، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: "ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا"، قالت: "فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب" (٣)، لكنها فتنة هاج الناس فيها وماجوا، وصاروا مختلفين في الرأي والغاية، منهم المنتصر لعثمان - ﵁ -، ومنهم المنتصر لعلي - ﵁ -، ومنهم الطامع فيما وراء ذلك من حظ الدنيا.
_________________
(١) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء ٤/ ٣٩٠.
(٢) الكامل ٢/ ٤١.
(٣) الكامل ٢/ ٤٤ ..
[ ١٩٠ ]