يحسن بنا في هذا العصر الذي تفجرت فيه المعلومات، وكثر فيه القُرَّاء والعلماء والباحثون، وتحررت فيه عقول من قيود التبعية لغير الله ورسوله، وبما أن الأساس الذي لا يختلف عليه المسلمون هو الإيمان بالله ربا، وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا وبالإسلام دينا، ولم تخدش وحدة المسلمين إلا بموت رسول الله وما تلا ذلك من أمر الخلافة، خلاف حدث بين أصحاب رسول الله في الاستحقاق وليس في الجواز، فإننا ندعو العقلاء اليوم على اختلاف مذاهبهم، ندعوهم إلى التجرد، ودراسة الحال بينهم بتجرد كامل، ونية صادقة للوصول إلى الحق وقبوله والعمل به، طاعة لله ورسوله، وعودة بالمسلمين إلى وحدة الاعتقاد والإتباع والمنهج، متخذين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، شعارا للتجرد والإنصاف، وإذا كان الإصلاح بين المؤمنين مطلوبًا في الحقوق الخاصة والعامة، فإنه في العقيدة أوجب الوجبات، إن رسول الله يقول: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة» (٣)، وما دام الأمر كذلك نتساءل ما أسباب هذا الافتراق؟، والجواب لم نقف
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٤٠) وفي مواضع عدة، ومسلم حديث (١٥٦) وفي مواضع عدة.
(٢) الآية (١٠) من سورة الحجرات.
(٣) رجاله ثقات، الدرامي حديث (٢٥٨٢).
[ ١٨٣ ]
على سبب فرَّق الأمم السابقة سوى الاعتقاد، وما بعث الله رسولا إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (١)، قالها نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب، وموسى، وعيسى، ﵈، كانت دعوتهم متفقة على عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأنها محور الوحدة بين العباد، وهي سبيل الله الذي لا يضيع سالكه أبدا؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢)، ونهى تعالى عن سلوك أي سبيل آخر لأنها طرق ضلال نهايتها إبعاد سالكها عن الصواب؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣)، أكد تعالى هذا الشأن بأن جعله وصيته لعباده، لأن الوصية زيادة حرص على الموصى به، والعمل بها مضمون العاقبة؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤)، وأكثر مما ذكرت أن الله تعالى طالب كل أمة بعبادته وحده لا شريك له، وأمرهم باجتناب كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥)، ومع ذلك لم يُرزق بعضهم الهداية إلى عبادة الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٦).
ويكفي دليلا على كثرة الفرق الضالة استعراض فرق الخوارج، والرافضة، ومن تسموا بالشيعة، وفرق الصوفية فإنه يُرى العجب العجاب من كثرة الفرق واختلافها في العقيدة والمنهج، وما بينها من العداوة والبغضاء؛ يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا، ومن كان له عقل نظيف يجزم بأنهم ليسوا من الناجين،
_________________
(١) أنظر الآيات (٧٢) من سورة المائدة، والآيات (٥٩، ٦٥، ٧٣) من سورة الأعراف، والآية (٥٠، ٦١، ٨٤، ١٣٨) من سورة هود، والآية (١٦) من سورة العنكبوت، والآية (١٥) من سورة الشورى، والآية (٦٤) من سورة الزخرف، والآيات في هذا الصدد كثيرة في كتاب الله - ﷿ - ..
(٢) من الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.
(٣) من الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.
(٤) من الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.
(٥) من الآية (٣٦) من سورة النحل.
(٦) من الآية (٣٦) من سورة النحل.
[ ١٨٤ ]
فالنجاة لا تكون إلا بالعمل بالكتاب والسنة، والتركيز على وحدة المعبود والمتبوع والمنهج.
إذًا من هي الفرقة الناجية؟ دعونا نحصر الأمر بين الفرقتين: السنة والشيعة، فيا ترى أهي السنة، أم هي الشيعة بفرقها، وبزعم أن الرافضة من فرق الشيعة، إن الحُكم الفصل لا يكون إلا بدراسة ما كان عليه الناس في عهد النبوة، وعهد الخلافة الراشدة، لكن يجب أن تكون الدراسة بصدق وأمانة وتجرد، فلا غش ولا كذب، ولا تأويل ولا تحريف، بل دراسة خالصة بغية الوصول إلى الحق، واعتماده بوضوح وجلاء، بغير هذا المنهج، ستكون محاولات التقريب المتناثرة هنا وهناك إضافة لآلاف الكتب المؤلفة في الخلاف بين السنة والشيعة، فلن تغير من الأمر شيئا لأنها لم تُرزق الإخلاص والتجرد، بل تزيد الطين بلة، فهلموا إلى كلمة سواء، نبحث عن الحق وحتما سنجده، ولنجعل الحَكَم بيننا عهد النبوة، والخلافة الراشدة، ونستوعب النصوص من الكتاب والسنة، بما تدل عليه بشفافية، وروح إسلامية، من غير غلو ولا تأويل ولا تحريف، فإذا لم يتم هذا فإن بقاء الصراع بين الفرقتين سيبقى حتى يحكم الله بين عباده، وهو أحكم الحاكمين.