نقم بعض الصحابة - ﵃ - على عثمان - ﵁ - أمورا لم يرها عثمان - ﵁ - مما ينكر، وكذلك بعض الصحابة - ﵃ -، ولما اشتد الخلاف كتب نفر من الصحابة بعضهم إِلى بعض، أن أقدموا فالجهاد عندنا، ونال الناس من عثمان، وليس أحد من الصحابة ينهى عن ذلك، ولا يذب إِلا نفر، منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وأبو هريرة، وآخرون هم من ستمائة رجل منعهم عثمان من الدفاع عنه، وحُصر عثمان - ﵁ - في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، بسبب ما أخذ عليه، وقد اعتذر لعثمان - ﵁ - أبو بكر بن العربي ﵀ في كتابه العواصم من القواصم، وقد أجاد وأفاد، ورد باعتذاره الحق إلى نصابه، وكان من أسباب الفتنة على عثمان - ﵁ - أنه اجتهد في أمور سُبق إلى مثلها من الشيخين ﵄، ولم يرضها أناس، فعاملهم بلطف، ورقة وتواضع، ولم يستعمل الحزم كما فعل عمر مع المخالفين، ولذلك قال له علي - ﵁ -: "إنّ عمر كان يطأ على صماخ من ولّى، وأنت ترفق بهم وكانوا أخوف لعمر من غلامه يرفأ، ومعاوية يستبدّ عليك، ويقول هذا أمر عثمان فلا تُغيِّر عليه" (٢).
وطلب المحاصرون من عثمان - ﵁ - أن يعتزل، فأبى أن يعتزل، لقول رسول الله - ﷺ -: «يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» (٣). وأبا أن يقاتلهم، ونهى عن ذلك، وأغلق بابه، وفاءً لما سمع من رسول الله، أن له الجنة على بلوى تصيبه، فحوصر أكثر من عشرين يوما، وهو في الدار في ستمائة رجل لم يسمح لهم بالدفاع عنه، فاقتحم المحاصرون عليه الدار، فضربه الملعون نيار بن عياض الأسلميّ بمشقص، في وجهه، فسال الدم على
_________________
(١) المعارف ١/ ١٩٤.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٩٣.
(٣) الترمذي حديث (٣٧٠٥).
[ ١٠٢ ]
المصحف في حجره، عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، فأي مصيبة أعظم من مصيبة عثمان، ولكنها برد وسلام على عثمان عاقبتها الجنة، والمصيبة الماحقة على من حاصره وسعى في قتله.
وكان قتله يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، بعد أن حجّ بالناس عشر سنين متوالية، والسنة التي قتل فيها أقام لهم الحج عبد الله بن عباس ﵄، وصلّى بالناس في بالمدينة وخطبهم على بن أبى طالب - ﵁ -.
ودفن ليلا في البقيع، بأرض اشتراها فزادها توسعة في البقيع، وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة، إلا اثنتي عشرة ليلة (٢).