إن الركيزة الثالثة جزء لا يتجزأ من الركيزة الثانية، ولذلك كانت الشهادتان: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله تكوِّنان الركن الأول من أركان الإسلام، فلابد في توحيد المعبود من توحيد المتبوع، والعكس كذلك إذ لا تُغني أحداهما عن الأخرى، وحماية وحدة المتبوع تكون بالتبرؤ من كل قول لا يتفق مع ما جاء به - ﷺ - لذلك قال - ﷺ -: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، لأنه الناقل عن الله - ﷿ -، ولأن قوله بأمر أو نهي شرع ألزمنا الله - ﷿ - به، ولذلك قال حسان بن عطية رحمة الله علينا وعليه: "كان جبريل ينزل بالسنة على رسول الله - ﷺ - كما ينزل عليه بالقرآن" (٣)، لكونه وحي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤)، لذلك قال - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (٥)، وفي
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني حديث (١٣٠٠٦) ..
(٢) البخاري حديث (١٠٧).
(٣) الإبانة الكبرى حديث (٢٢٠).
(٤) الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم.
(٥) البخاري حديث (٢٠).
[ ٢٦ ]
رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (١)، ومِنْ الحماية عدم الغلو في شخص رسول الله - ﷺ - وقد وقع في هذا المحذور أمة من الناس، مخالفين بذلك قوله - ﷺ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) (٢)، وإذا كان الغلو في شخص رسول الله - ﷺ - منهي عنه حماية لوحدة المعبود، فكذلك الغلو في أشخاص العلماء والصالحين منهي عنه، حماية لوحدة المتبوع - ﷺ -، هذا هو دين الإسلام، دين الوسطية لا إفراط ولا تفريط؛ لذلك حذر رسول الله - ﷺ - من الإحداث في الدين، واعتبر ذلك من الضلال، كان - ﷺ - في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٣)، ألا يكفي هذا لتنبيه الغافلين، وتحذير الغالين من الخسران المبين؟ !، فتصان الوحدة في الاتباع من اقتحام البدع، وسيطرة الأهواء، فلا يكون الاتباع إلا خالصا لرسول الله - ﷺ -، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)، وقد ربط الله محبته باتباع عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، وقال - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به لا يزيغ عنه» (٦)، فلا يجوز ترك قول الرسول - ﷺ - واتباع ما يخالفه، من الأقوال كائنا من كان قائلها، وقد فهم هذا الأئمة الأعلام وكل مسلم يجب أن يقول كما قال الأئمة ﵏: قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إذا جاء القول عن رسول الله - ﷺ - فعلى
_________________
(١) البخاري حديث (٢٦٩٧).
(٢) البخاري حديث (٣٤٤٥) ..
(٣) النسائي حديث (١٥٧٨).
(٤) من الآية (٧) من سورة الحشر.
(٥) الآية (٣١) من سورة آل عمران.
(٦) السنة لابن أبي عاصم ١٥ ..
[ ٢٧ ]
الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال؛ لأنه ﵀ كان من أتباع التابعين، وتتلمذ على التابعين، فأبو حنيفة هو أقدم الأئمة الأربعة ﵏ (١)، والإمام مالك ﵀ قال: كلنا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر - يعني رسول الله - ﷺ - - ويقول ﵀: أوَ كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد - ﷺ - لجدل هؤلاء؟ !، ويقول الإمام الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويقول ﵀: إذا خالف قولي قول رسول الله - ﷺ - فخذوا بقول رسول الله، واضربوا بقولي عرض (٢) الحائط، ويقول ﵀: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان، والإمام أحمد ﵀ يقول: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، هذه أقوال أئمة الإسلام ﵏ فكل الأقوال تذوب أمام قول رسول الله - ﷺ -، وهذا ما جرى عليه أمر الرعيل الأول، قال ابن عبّاس ﵄: «يوشِك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ !» (٣)، إن إخلاص العبادة لله وحده، وخلوص الاتباع لرسول الله - ﷺ - هو معنى الشهادتين سواء بسواء، ولهذا ورد ما يدل على وجوب حماية هاتين الركيزتين في قول رسول الله - ﷺ -: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» (٤)، وقوله - ﷺ -: «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» (٥)، وهذا هو مسار الرعيل الأول.
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ٢/ ١١١.
(٢) بسكون الراء الموحدة المراد العرض ضد والطول، وهذا عندي أبلغ في الرفض، وبضم العين المراد به الناحية، أي ناحية الجدار، وهو عندي أقل بلاغة، وكلاهما يصح.
(٣) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ٢/ ١٠٨ ..
(٤) ابن ماجه حديث (٤٣).
(٥) المستدرك حديث (٣١٩).
[ ٢٨ ]