هذا هو الرصيد الأمني للأمة الإسلامية مبنيا على الركائز الثلاث السابقة؛ لكون الركيزة الرابعة هي الوحدة في المنهج، والمنهج هو العمل بكتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ -، فكتاب الله مضمون الصلاحية لكل زمان ومكان؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، والسنة النبوية الصحيحة، كلام من لا ينطق عن الهوى - ﷺ -؛ فهي محفوظة بما قام به علماء الأمة ﵏ من أعمال عظيمة قنّنت حمايتها من الزور والكذب على رسول الله - ﷺ -، فكل من تعمد الكذب على رسول الله - ﷺ - فهو من أهل النار لقول رسول الله - ﷺ -: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (١)، بل توعد الناقلين فقال - ﷺ -: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» (٢)، ومن هنا وجب على الأمة مدافعة الأفكار الهدامة، وهي التي لا تمت إلى الكتاب والسنة بصلة، وما أكثرها من زمن قديم، ولكنها في هذا العصر أكثر انتشارا، تحت شعارات براقة تخدع البسطاء من الناس كثيرا، وتستميل أصحاب الأهواء كثيرا، ولكن المعيار الدقيق لكشفها وبيان زيفها عرضها على الكتاب والسنة، فما كان موافقا قبلناه وما كان مخالفا رددناه، ونحن مع الكتاب والسنة على البيضاء طريق الحق المبين، وهو منهج الرعيل الأول أصحاب رسول الله - ﷺ -، فالرسول - ﷺ - هو الهادي، وأصحابه هم المهتدون، وقد بشرنا رسول الله - ﷺ - أن للعلم بالكتاب والسنة حُماته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال - ﷺ -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٣)، فمن الأهمية أن نعرف من هم أصحاب رسول الله - ﵃ -، ولماذا سموا أصحابا، وبم نعرف الصحابي من غيره.
الذي عليه جمهور أهل الحديث: أن الصحابي كل مسلم رآه النبي - ﷺ - ولو لحظة، وعقل منه شيئًا، فهو صحابي، سواء عقل قليلًا أو كثيرًا (٤)، مثال ذلك قول محمود
_________________
(١) البخاري حديث (١٠٧).
(٢) أحمد حديث (١٨٢٣٦).
(٣) ذم الكلام للهروي ٤/ ١٩٩ ..
(٤) تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة ١/ ٣٠.
[ ٢٩ ]
بن الربيع الأنصاري - ﵁ -: "عقلت مجّة مجّها رسول الله - ﷺ - في وجهي من دلو معلقة في دارنا" (١).
ولمعرفة من هو الصحابي طرق معلومة عند العلماء وهي:
أولا: التواتر المفيد للعلم القطعي بالصحبة، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضًا كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كالمكثرين الرواية عنه - ﷺ - وهم مرتبون حسب عدد ما رووا من كلام رسول الله - ﷺ -.
١ - أبو هريرة - ﵁ - روى (٥٣٧٤) حديثا.
٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، روى (٢٦٣٠) حديثا.
٣ - أنس بن مالك - ﵁ -، روى (٢٢٨٦) حديثا.
٤ - عائشة ﵂، روت (٢٢١٠) أحاديث.
٥ - عبد الله بن عباس ﵄، روى (١٦٦٠) حديثا.
٦ - جابر بن عبد الله ﵄، روى (١٥٤٠) حديثا.
٧ - أبو سعيد الخدري - ﵁ -، روى (١١٧٠) حديثا، وغيرهم كعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵃ - وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه، وتلقته بالقبول وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة - ﵁ -، وأبي مسعود البدري: عقبة بن عامر مشهور بكنيته - ﵁ - ونحوهما، فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابيًا، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم.
ثانيا: أن تكون صحبته ثابتة بالاشتهار القاصر عن رتبة التواتر، وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتاريخ على ذكره في الصحابة، ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة - ﵃ - وإن كان فيهم من ليس له إلاّ الحديث الواحد أو الحديثان، وقد ألف العلماء في هؤلاء مؤلفات منها: المنفردات والوحدان.
_________________
(١) اللطائف من دقائق المعارف لأبي موسى المديني ١/ ٢٥٥.
[ ٣٠ ]
ثالثا: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه ولكن ذكرته كتب السير، إما بالوفادة على النبي - ﷺ -، أو باللقاء اليسير، أو في أثناء قصة أو غزوة، فهذه مرتبة دون التي قبلها.
رابعا: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها، وأثبت له التابعيُّ الصحبة أو اللقاء، أو جزم بالرواية عنه عن النبي - ﷺ - غير معترض على ذلك، لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية، سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه، بل قال: رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته.
خامسا: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة: سمعت رسول الله - ﷺ - أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك، ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح.
سادسا: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة، ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه، فيروي حديثًا يتضمن أنه صحابي.
سابعا: أن يثبت أنه تولى غزوة من غزوات رسول الله - ﷺ - أو شارك فيها.
ثامنا: أن يكون ممن أمَّره أحد الخلفاء في حروب الردة وفتوح الأمصار، فإنهم لا يقدمون على الصحابي غيره.
تاسعا: أن يكون ممن ثبت أن ابنه حنَّكه رسول الله - ﷺ -، أو مسح على رأسه، أو دعا له، فإنه كان لا يولد لأحد من الصحابة مولود إلا أتى به النبي - ﷺ - فدعا له.
عاشرا: أن يكون من يدعي صحبته - ﷺ - ممن كان بمكة أو الطائف سنة عشر من الهجرة؛ إذ من المعلوم عند المحدثين أن كل من كان بمكة أو الطائف سنة عشر قد أسلم، أو حج مع النبي - ﷺ - حجة الوداع؛ فالحجة معه - ﷺ - أمر يحرص عليه المسلمون القريبون من مكة، فيكون من حج من الصحابة.
حادي عشر: أن يكون مَنْ يدعي صحبته - ﷺ - من الأوس، أو الخزرج الذين كانوا بالمدينة على عهد رسول الله - ﷺ -؛ فقد ثبت أنهم دخلوا في الإسلام جميعًا - ﵃ -، ولم يثبت عن أحد منهم أنه ارتد عن الإسلام.
[ ٣١ ]
ثاني عشر: أن يروي بعض صغار التابعين، ومن ليس من أهل المَيز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة، وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك، وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم؛ ولعل ذلك والله أعلم لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون، وأن مرتبة الصحبة الشريفة لم يدَّعِها أحد في ذلك العصر كذبًا (١).