بويع عمر بن الخطاب بالخلافة يوم وفاة أبي بكر في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وثبتت خلافته بالعهد من أبي بكر - ﵁ -، فبايعه الناس، وثبتت له البيعة باتفاق الأمة عليه، من عهِد أبي بكر - ﵁ - واستخلفه أبو بكر - ﵁ - لما يعلم من فضله على سائر من بقي من الصحابة - ﵃ -، وصلابته في الحق، ولم ينازعه في ذلك أحد من الصحابة - ﵃ -، فلما بايعه الصحابة - ﵃ - تواضع لهم، وواسى نفسه بهم، فلم يكن عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء (٦).
_________________
(١) الآيات (١٢ - ١٤) من سورة المؤمنون.
(٢) تمام الآية (١٤) من سورة المؤمنون.
(٣) الآية (٨٤) من سورة التوبة.
(٤) من الآية (٩٧) من سورة البقرة.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٣/ ٩٧، ٩٨.
(٦) المعارف ١/ ١٨٢، ١٨٣.
[ ٩٣ ]
وتوجهت إرادته إلى السير فيما سار فيه خليفة رسول الله أبو بكر - ﵁ -، حيث عزم على ما عزم عليه رسول الله - ﷺ - من تسيير الجيوش لفتح الأمصار وإعلاء كلمة الله - ﷿ - التي أُرسل نبينا محمد - ﷺ - لنشرها، وشُرع من أجلها الجهاد في سبيل الله، فكان ذلك الاقتداء من الخليفتين أبي بكر وعمر أمرا شرعيا، وعملا مرضيا، ففتح الله على يدي عمر بن الخطاب - ﵁ - في سني خلافته أمصارا كثيرة من أرض فارس والعراق والشام، في معارك ضارية منها: الأهواز، ودستميسان، واليرموك، وبيت المقدس، ودمشق، وميسان، والجابية، وجلولاء، وقيساريّة، وبابل، ونهاوند، أرّجان، وإصطخر الأولى، وهمذان (١)، وأجنادين، وقد سار عمر - ﵁ - في خلافته سيرة عظيمة، لم يكن لمن تلاه مثلها إلى يومنا هذا، ولربما إلى يوم الدين، سوى ما ذكر من أمر المهدي عند أهل السنة، فقد ورد أنه يملأ الأرض عدلا (٢).
إن فضائل عمر كثيرة، والأدلة في هذا كثيرة، فهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، واتخذ بيت المال، وأمر ببناء البصرة والكوفة، وهو أول من دوّن الدواوين في الإسلام، لقَّبه رسول الله - ﷺ - بالفاروق، وسراج الجنة، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، قال أبو بكر - ﵁ - حين عهد له بالخلافة: ولّيت عليهم خيرهم، وصدق أبو بكر - ﵁ - فإن عمر بن الخطاب أفضل الأمة بعد أبي بكر ﵄، وقد كان عمر - ﵁ - دوّخ الفرس، والروم وأذلهم، وأزال ملكهم، وألجأهم الى الهرب، حتى وصلت خيوله افريقية، وأوائل خراسان، وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله بذلك، وعَزّ الإسلام بمكانه وسلطانه، وبه عز من أسلم منهم، وبذلك ظهر الإسلام ظهورا كبيرا بالفتوحات، شرقا وغربا، وصارت كلمة الله هي العليا بما جرى في تلك الأمصار.
_________________
(١) المعارف ١/ ١٨٢.
(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٢٠٢.
[ ٩٤ ]