كان عريض اللحية وقد أخذت ما بين منكبيه، أصلع على رأسه زغيبات (٢).
خلافة علي بن أبي طالب - ﵁ -:
ثبتت إمامة عثمان - ﵁ - بعد عمر - ﵁ - بعقد مَن عقد له الإمامة من أصحاب الشورى، الذين نص عليهم عمر - ﵁ -، وهم خيار عدول، شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، وتوفي وهو راض عنهم، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله. وثبتت إمامة علي - ﵁ - بعد عثمان - ﵁ - بعقد مَن عقدها له من الصحابة - ﵃ -، من أهل الحل والعقد، قال ابن عمر ﵄: «كنا نقول على عهد رسول الله - ﷺ -: النبي، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم: تزوج فاطمة، وولدت له، وغلَّق الأبواب غير بابه (٣)، ودفع الراية إليه يوم خيبر» (٤)، ولأنه لم يدَّعِها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد أجمعوا على فضله وعدله، وأحقيته بالخلافة، وقد حان وقتها له - ﵁ -، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا، لعلمه أن ذلك ليس وقت قيامه، لم يحتجّ علي على أحقيته بنص من الكتاب
_________________
(١) انظر: المعارف ١/ ٢٠٣.
(٢) الطبقات الكبرى ٣/ ١٨.
(٣) المراد الأبواب التي تفتح على السجد، ومنها بيت علي - ﵁ -، وكذلك بيت أبي بكر - ﵁ - لم يغلق.
(٤) السنة لابن أبي عاصم حديث (٥٦٠١) ..
[ ١٠٥ ]
ولا من السنة، لا بحديث الغدير ولا بغيره، وإنما ظن أنه الأحق لقربه من رسول الله - ﷺ - نسبا وصهرا، ولو علم إشارة واحدة في كتاب الله - ﷿ - أو في سنة رسول الله - ﷺ -، لا تحتمل التأويل على أحقيته بالخلافة لبادر إلى ذكرها والاستشهاد بها، ولكان أبو بكر وعمر وبقية الصحابة من أطوع الناس لعلي تنفيذا لما أورد، وقد كان علي الخليفة الراشد - ﵁ - ذكيا، فقد استدل على خطأ الزبير، قال علي للزبير ﵄: "تذكر يوم مررت مع رسول الله، - ﷺ - في بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه"، فقال لك رسول الله - ﷺ -: «ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له» قال الزبير: "اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدًا"، فانصرف علي إلى أصحابه فقال: "أما الزبير فقد أعطى الله عهدًا أن لا يقاتلكم"، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: "ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب" (١)، فكيف يستدل على خطأ الزبير، ولا يستدل على الإمامة الكبرى، لم يكن ذلك من الخليفة الراشد علي - ﵁ - إلا لعدم مجرد الإشارة فضلا عن النص، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن، ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد - ﵁ -، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل على السداد والرشاد، متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ -، هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃ أجمعين، هم أصحاب الخلافة الراشدة، المأمور باتباع ما سنوا، قال رسول لله - ﷺ -: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (٢)، وهم خلفاء النبوة، قال سفينة - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» ثم قال سفينة للراوي عنه وهو سعيد بن جمهان: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب - ﵃ - أجمعين (٣)،
_________________
(١) الكامل ٢/ ٤٤ ..
(٢) أبو داود حديث (٤٦٠٧).
(٣) الإبانة عن أصول الديانة ١/ ٢٥٧ ..
[ ١٠٦ ]
ثلاثون سنة أقام الخلفاء الراشدون العدل على نهج النبوة، وابتدأ الملك بأمر معاوية بن أبي سفيان ﵄، ولم يكن في عداد خلفاء النبوة، وإن قيل خلافة معاوية، فذاك ملك وليس خلافة نبوة، وأشار رسول الله - ﷺ - إلى هذه المراحل، قال حذيفة بن اليمان - ﵁ -: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟، قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟، قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).
نفهم من حوار حذيفة هذا أن الخير الذي عاشه هو عهد النبوة وخلافة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، والشر بعد ذلك ما وقع في خلافة عثمان - ﵁ - من خروج عليه وقتله ظلما وعدوانا، وهم أول نابتة الخوارج، والخير بعد هذا خلافة علي - ﵁ -، وكان فيها الدخن بالخلاف بينه وبين معاوية لأن كلا الفريقين أتباع علي - ﵁ -، وأتباع معاوية - ﵁ - هم من المسلمين، يؤيد هذا قول رسول الله - ﷺ - عن الحسن - ﵁ -: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٢)،
وقد وقع بينهما خلاف بسبب الشر الذي وقع لعثمان - ﵁ -، لم يكن معاوية - ﵁ - معترضا على خلافة علي - ﵁ -، بل طالب عليا بقتلة عثمان لأنه من أبناء عمومته يجتمع معه في أمية بن عبد شمس جد أبي سفيان - ﵁ -، وتحققت سيادة الحسن - ﵁ - بحقن دماء المسلمين، إذ تنازل لمعاوية - ﵁ -، والدعاة على أبواب جهنم هم الفرق
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦٠٦).
(٢) البخاري حديث (٣٦٢٩) ..
[ ١٠٧ ]
الضالة كالخوارج، والروافض، وما تولد منهما بعد ذلك، فقد أحدثوا في الدين أمورا عظيمة، تنسف أصول الإسلام، فالخوارج انشقوا عن الخليفة الراشد علي - ﵁ -، في سنة (٣٧) وكفروه ومن معه، وزعموا أنهم هم المؤمنون، وحملوا السلاح لقتال من خالفهم، واستباحة ماله ودمه وعرضه، وقد تبرؤوا من خلافة عثمان بعد الفتنة، وهم رأسها، وتبرؤوا من خلافة علي بعد التحكيم، بدعوى لا حكم إلا لله - ﷿ -، وهي مقولة حق أريد بها باطل، كما قال علي - ﵁ -، ولم تكن الرافضة أقل شرا وفسادا في الأرض من الخوارج: فإن من اعتقادهم القول بتحريف القرآن، وأن لهم قرآنا يأتي به المهدي المنتظر، من أبرز الأحكام فيه قتل العرب عن بكرة أبيهم، انتقاما لدولة الفرس، لأن عقيدتهم تكفير الصحابة جميعا عدا ما لا يزيد عن عدد أصابع اليدين، ورمي عائشة بالفاحشة، والقول بعصمة الأئمة من أبناء علي - ﵁ -، ولاسيما ذرية الحسين - ﵁ -، وعلمهم الغيب والتصرف في الكون، وكلام كثير لا يصدقه المجانين فضلا عن العقلاء، يدعون الناس إلى الإيمان بها، ومن لم يؤمن بها فهو عندهم كافر مباح الدم والعرض والمال، ينالون بقتله وتعذيبه أعلى الدرجات في الجنة بزعمهم، فهم لا شك دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم كفر، والكافر مصيره النار، نعوذ بالله من الضلال، ولذلك قال علي - ﵁ -: في هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم إنا قوم أصابتنا فتنة هذه الدنيا (١)، ولا ريب أن الناس أصابتهم فتنة الدنيا خلال الست السنوات الأخيرة من خلافة عثمان - ﵁ -، وما بعدها، ولذلك قال علي - ﵁ - هذا القول، فمن الناس من فتن في دينه، ومنهم من فتن في ماله وولده، ومنهم من فتن بطلب الجاه والسيادة، وكثرة الثراء والأتباع، وهكذا تستمر الفتنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد كره علي - ﵁ - ازدحام الناس عليه، فمنهم المحب الصادق، ومنهم المحب الغالي، ومنهم الكاره له كالخوارج ومن شايعهم، فلما ضجر منهم قال: «اللهم إني قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم وأرحهم مني» (٢).
_________________
(١) السنة لابن أبي عاصم حديث (١٢٠٨).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة حديث (٣٧٠٩٦) وانظر: أنستب الأشراف حديث (٥٢١).
[ ١٠٨ ]