لم تكن هذه الفتنة غائبة عن رسول الله - ﷺ - فقد أُطلع على وقوعها وحذر منها - ﷺ -، قال مُرة البهزي: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال: «كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي (٢) بقر؟» قالوا: فنصنع ماذا يا نبي الله؟ قال: «عليكم بهذا وأصحابه» قال: فأسرعت حتى عطفت على الرجل، فقلت: هذا يا نبي الله؟، قال: «هذا» فإذا هو عثمان (٣)، هذه الرواية تشير إلى أن عثمان على الحق، وأنه شهيد بسببها، فقد صعد رسول الله - ﷺ - أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، فرجف بهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «أثبت أحد فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (٤)، وكما استشهد عمر - ﵁ - بطعنة من الحقد المجوسي، فسيكون ذلك لعثمان - ﵁ -، فإن الخوارج له بالمرصاد وقدر الله نافذ، كما في حديث حذيفة - ﵁ - قال: «كان الناس يسألون
_________________
(١) أنساب الأشراف للبلاذري ٥/ ٥٦٣.
(٢) يعني قرونها وإنما سميت صياصي لأنها حصونها التي تحصن بها من عدوها. غريب الحديث للقاسم بن سلام ٢/ ٨٤.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٥٨٣.
(٤) البخاري حديث (٣٦٧٥).
[ ١٤٨ ]
رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟، قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟، قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، صحيح أن حديث حذيفة هذا عام في الفتن التي تظهر في كل زمان، لكن تضمن النبأ عن أصول الفتن فتنة الخوارج قتلة عثمان - ﵁ - وفتنة الروافض الغالين في علي وذريته - ﵃ -، وقد تقدم الكلام عن الخوارج في خلافة عثمان - ﵁ - واستشهاده على أيديهم، وسيأتي مزيد بيان عنهم في خلافة علي - ﵁ -، ولم يكن الرافضة أحسن حالا من الخوارج في محاربة عثمان - ﵁ -، بل جدوا في ذلك، وأرعدوا وأبرقوا، ولهم مزاعم.