لا نشك في أن أتباع المصطفى - ﷺ - على درجات متفاوتة في فهم الإسلام وتطبيقه، منذ عهد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونعلم أن الأفهام تختلف، ويقبل منها في أحيان، لكنها مقيدة بعدم مصادمة الإسلام، ونريد بالإسلام ما قام البرهان عليه من الكتاب العزيز، وصحيح السنة النبوية، وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد تعددت الأفهام من أصحاب رسول الله، فالإنفاق في سبيل الله مثلا: فهم منه أبو بكر - ﵁ - أنه دفع المال كاملا، وفهم عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه نصف المال، وفهم أبو ذر - ﵁ - أن ما يزيد عن القوت اليومي يجب إنفاقه، هذا اجتهاد من كل منهم - ﵃ -، والدافع إليه حب الخير والتنافس في نصرة الإسلام، والمستند في هذا عموم قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، فالمسارعة في العبادات البدنية والمالية، وما هو مشترك بينهما كالحج والعمرة مطلوب بعموم هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وهذا حث على إنفاق ما هو نفيس في طاعة الله، لأن الردي لا ينبغي التقرب به إلى الله مع
_________________
(١) الآية (١٣٣) من سورة آل عمران.
(٢) الآية (٩٢) من سورة آل عمران.
[ ١٤٥ ]
وجود الطيب النفيس، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، كل هذا من أجل التنافس في الخير، وإن اختلفت الآراء في نوع المنافسة والتفاوت فيها، فهذا التفاوت لا يشقي أصحابه، ما داموا يدورون في فلك الإسلام، ولم تفرقهم الأفهام في أصول الدين وقواعده الكلية، كالأئمة الأربعة ﵏، ومن نهج نهجهم، في البناء على الأدلة والبراهين، والاستنباط منها، فلا يبعدهم عن الإسلام ما وقع بينهم من الخلاف في الفروع، هذا ما درجت عليه الأمة في القرون المفضلة، مجتمعة على الإسلام، قامعة لكل من يثير الخلافات الهدامة، والتي يقصد منها إثارة الشبه، ولذلك وصفت هذه القرون بأنها خير القرون، يقول رسول الله - ﷺ -: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران - ﵁ -: لا أدري، أذكر النبي - ﷺ - بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، وقال النبي - ﷺ -: «إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (٢)، وهذه الخيرية أساسها دعوة رسول الله - ﷺ - للأنصار، وأبناء الأنصار (٣)، فإن الخير فيهم وفي عقبهم موجود بدعوة رسول الله - ﷺ -، وغير معدوم في المهاجرين وأبنائهم وأبناء أبنائهم، ولا في غيرهم من الذين أتوا من بعدهم وهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وعلى هذا تأسست قوة الإسلام، وتماسك بنيانه، وتوحدت أفكار المسلمين.
وعلى هذا الأساس فإن كل خلاف يقع بين المؤمنين لا يعدو البحث عن الحق؛ فإذا ظهر الحق إلتأم الشمل وزال الخلاف، وعلى هذا ما جرى بين المهاجرين والأنصار - ﵃ - في سقيفة بني ساعدة حسم الأمر لما ظهر الحق، وكذلك خلاف الصحابة - ﵃ - في قتال أهل الردة لما ظهر الحق إلتأم الشمل وتوحدت الكلمة، في وصية أبي بكر بالخلافة لعمر لما بان الحق رجع من تخوف من شدة عمر، وعلم أن أبا بكر ما أراد إلا العدل، والخير للأمة؛ فإنه عليم بفضل عمر، ولم تكن شدته
_________________
(١) الآية (٢٦١) من سورة البقرة ..
(٢) أخرجه البخاري، حديث (٢٦٥١) ومسلم حديث (٢٥٣٥).
(٣) أنظر: المعجم الكبير للطبراني حديث (٤٩، ٧٢).
(٤) من الآية (١٠) من سورة الحشر.
[ ١٤٦ ]
إلا في إحقاق الحق، وقمع الباطل، وإذا كان بعض الصحابة شارك في الخلاف على عثمان، فإنه لِما وقع من استغلال من غير الصحابة، قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عباس: "كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة، رأسهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والذين قدموا من الكوفة مائتين، رأسهم مالك الأشتر النخعي، والذين قدموا من البصرة مائة رجل رأسهم حكيم بن جبلة العبدي، وكانوا يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، قد مزجت عهودهم وأماناتهم، مفتونون، وكان أصحاب النبي - ﷺ - الذين خذلوا عثمان كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين" (١)، على أن الذين كرهو الفتنة ووقفوا على الحياد هم عدد غير قليل؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله - ﷺ - عشرات الألوف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" (٢).
قلت: هذه شهادة موثقة بكبار الأئمة، تكتب بماء الذهب لصحتها، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته (٣)، ولكن تقدم أن من حضر للدفاع عن عثمان - ﵁ - كانوا ستمائة، فلعل الغالب من غير الصحابة، فنلاحظ أن الذين وقفوا مع عثمان - ﵃ - وكانوا على استعداد للدفاع عنه؛ لأنهم عرفوا أن من قدم من مصر والكوفة والبصرة ما هم إلا خوارج الفتنة من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة، فهم يريدون قتل عثمان أو تسفك دماء دونه، لذلك عزم عثمان عليهم بعدم القتال دفاعا عنه، جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال له: "إن الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصارا لله مرتين" فقال عثمان: "أما القتل فلا" وقال: "أنا
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٣/ ٧١.
(٢) الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ١/ ٧.
(٣) الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ١/ ٧.
[ ١٤٧ ]
أكلهم إلى الله ولا أقاتلهم؛ فإن ذلك أعظم لحجتي عليهم" وقال - ﵁ -: "أعظمكم عني غناءً رجل كف يده وسلاحه" وقال أبو هريرة - ﵁ -: "كنت في الدار يوم قتل عثمان فسمعته يقول: عزمت على من رأى لنا عليه سمعا وطاعة أن يلقي سلاحه، فألقى القوم أسلحتهم إلا مروان فإنه قال: وأنا أعزم على نفسي ألا ألقي سلاحي، قال: وكان شجاعا، قال أبو هريرة - ﵁ -: فألقيت سيفي فلا أدري من أخذه" (١).
وبعض الصحابة الذين لم يقفوا مع عثمان كان هاجسهم الخوف من الفتنة، فكان القادمون من مصر والكوفة والبصرة بغاة لهم مآرب أفسدت ذات البين، وشرذمة الأمة، وتجلى خطر الخوارج بعد التحكيم فيما بين علي ومعاوية ﵄، ولو طلبوا الحق ولم يكن لهم مآرب غير مشروعة لما قتل عثمان - ﵁ -.