قبل الشروع في بيان التفاضل بين الصحابة - ﵃ - يجب أن نعلم أن التفاضل بين الأفراد والجماعات والأمم لا يلزم منه التفاضل من كل وجه، بل المراد منه التفاضل على سبيل الإجمال، فالتفاضل بين الخلفاء الأربعة بإجماع أهل السنة أنهم على الترتيب: أبو بكر - ﵁ -، ثم عمر - ﵁ -، ثم عثمان - ﵁ -، ثم علي - ﵁ -، وهذا على سبيل الإجمال، ولا يمنع أن يكون الواحد منهم أفضل من غيره في صفة معينة، وهكذا في الجماعات والأمم، ومن اعتقد غير هذا فقد شذ عن الإجماع وانتحل غلوا، لأن المردّ في ذلك إلى الله ورسوله: فالله الخالق يصطفي من الخلق ما يشاء، وفق حكمة أرادها سبحانه، وهو فعال لما يريد، ولا معقب لحكمه، وقد جعل لكل شيء قدرا، فقد ورد فضل الصحابة على سائر الأمة المحمدية على وجه العموم، للأسباب التالية:
١ - أن الله اصطفاهم لنصرة نبيه محمد - ﷺ -.
٢ - أنهم استجابوا لذلك مهاجرين وأنصارا، فمجرد الاستجابة والترحيب بذلك فضيلة.
_________________
(١) تحقيق منيف الرتبة ص: ٥٠ - ٥٩.
[ ٣٢ ]
٣ - أنهم أكدوا استجابتهم عمليا، فكانوا مضرب الأمثال في الوفاء والتضحية في سبيل الله ورسوله، بالنفس والمال.
٤ - أن الله شهد لهم في كتابه العزيز بالصدق قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)، وهذا نص صريح في خروج المهاجرين - ﵃ - نصرة لله ورسوله، وفي صدقهم في ذلك، وأخبر تعالى بالرضا عنهم فيما صنعوا قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، ولذلك أمرنا الله أن نكون معهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣)، فقد شهد الله - ﷿ - بأنهم صدقوا في الإيمان والنصرة وهو الأمر الذي عاهدوا الله عليه، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٤)، وهذا عام في المهاجرين والأنصار، وكل من صدق ما عاهد الله عليه، وكذلك صرح الرب - ﷿ - بالرضى عنهم فيما صنعوا في بيعة الرضوان، لعلمه بما في قلوبهم من صدق الإيمان والنصرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٥)، وكان عدد الذين بايعوا أربعمائة وألف رجل، قال البراء - ﵁ -: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي - ﷺ - أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأتاها، فجلس على شفيرها ثم
_________________
(١) الآية (٨) من سورة الحشر.
(٢) الآية (١٠٠) من سورة التوبة.
(٣) الآية (١١٩) من سورة التوبة.
(٤) الآية (٢٣) من سورة الأحزاب.
(٥) الآية (١٨) من سورة الفتح ..
[ ٣٣ ]
دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (١).
٥ - أن الله أثنى على ثباتهم وشدتهم على أعداء الله، واتِّصافهم بالرحمة فيما بينهم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، ورغم ما هم فيه من انتماء عرقي قبلي، فلم يكن لذلك أثر في نفوسهم إلا عملا بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).
فهم صفوة الخلق بعد رسول الله - ﷺ -، بسبب استجابتهم لذلك الحدث العظيم الذي جاء به محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه، عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، ذلك الحدث هو نزول القرآن الكريم، وما تلاه من حديث رسول الله - ﷺ -، فإذا أوردنا النصوص فإنما نعني قبول الصحابة لها، والعناية بها نصا وروحا، والعلم بها رواية ودراية، والعمل بها والدعوة إليها، فكانت حياتهم عملا بالوحيين في كل شيء - ﵃ - وأرضاهم.