كانت المؤشرات من رسول الله - ﷺ - أن عهد عثمان - ﵁ - منذر بخطر، كما تقدم وقد نبتت في عهده - ﵁ - الفتنة التي طار شررها شيئا فشيئا حتى عم الأمصار الإسلامية، وافترقت الأمة بسبب ذلك فرقا أصولها ثلاث وسبعون فرقة، وهي اليوم أكثر من ذلك، فأول ما ظهر وميض الفتنة في مجلس سعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة، وذلك على أثر كلام دار في مجلسه، كان من الحاضرين فيه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وابن الكواء، وغيرهم، وعدتهم بضعة عشر رجلا، تألبوا على عصبية أثاروا بذلك أقوالا على سعيد بن العاص، فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم فكتب: "إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية" (٢).
وكتب عثمان إلى معاوية: "إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا للفتنة، فارعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فأقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم" (٣).
فلما قدموا على معاوية - ﵁ - رحب بهم واحتفى بهم، وذكَّرهم فضل قريش في العرب، وقد بلغه أنهم ينقمون من قريش، فذكّرهم بالإسلام ووعظهم، فلم يرق لهم
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٥٨١ - ٥٨٢.
(٢) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٦.
(٣) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٧.
[ ١٤٢ ]
ما قال معاوية - ﵁ - في مدح قريش، وقال أحدهم: "أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا" (١).
فقال معاوية: "عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلا، أُعظِّم عليك أمر الإسلام، وأذكّرك به، وتذكّرني الجاهلية، وقد وعظتك" (٢). ثم قال - ﵁ -: "إن قريشا لم تُعَز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله - ﷿ -، لم تكن بأكثر العرب، ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأعظمهم أخطارا، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عربا، أو عجما، أو سودا، أو حمرا، إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا، وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابا، فكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أَفَتراه لا يحطوهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍ لك ولأصحابك! " (٣).
أذن لهم معاوية - ﵁ - بعد كلام طويل اقتبسنا منه ما تقدم، وقال - ﵁ -: "اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم" (٤)، وهؤلاء هم أول الخوارج.
كتب معاوية - ﵁ - إلى عثمان - ﵁ -، مبينا ضلالهم وفساد معتقدهم، وأن الله سيفضحهم، ويكشف أسرارهم، وتمادى القوم في طلب الفتنة، فلم يفجأ الناس في يوم جمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: "أيها الناس إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم، وردّ أولى البلاء
_________________
(١) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٧.
(٢) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٧.
(٣) نهاية الأرب في فنون الأدب (١٩/ ٤٦٣، والفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٨.
(٤) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٣٩.
[ ١٤٣ ]
منكم إلى ألفين، ويزعم أنّ فيكم بستان قريش" فاستخف النّاس، وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمعون منهم (١).
وهكذا تدرج طلب الفتنة، ومن طلابها الأشتر ومن سايره، ولاسيما بعد وقوفه على باب المسجد معلنا ذلك الخبر المكذوب، وأخذ شرر الفتنة يتناثر، حتى أسعرها عدو الله ورسوله عبدالله بن سبأ لعنه الله، ولعن من والاه، فإنه يهودي من أهل صنعاء، أمه سوداء أظهر الإسلام زمان عثمان - ﵁ -، وأبطن الكفر والحقد على الإسلام، وتنقل في بلدان المسلمين ينشر الضلال، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: "لَعجبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويُكذِّب بأن محمدا يرجع وقد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٢)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى" فقُبل ذلك عنه، رغم أنه استدلال باطل، ووضع لهم عقيدة الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: "إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصى محمد، ثم قال: محمد خاتم الانبياء، وعلي خاتم الأوصياء" ثم قال بعد ذلك: "من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله - ﷺ -، ووثب على وصي رسول الله - ﷺ - " وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: "إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله - ﷺ -، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، واظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر" (٣).
هكذا سمى ضلاله أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وما هو إلا أمر بالمنكر، وهو الحقد على الإسلام، وتفكيك جماعة المسلمين، وشرذمتهم لتضعف شوكتهم، ويسهل القضاء عليهم، ونهي عن المعروف، والمنكر عنده الإسلام برمته، واجتماع المسلمين على الكتاب والسنة، نشر ابن السوداء الفتنة بين المسلمين،
_________________
(١) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٤٥.
(٢) من الآية (٨٥) من سورة القصص.
(٣) الفتنة ووقعة الجمل ١/ ٤٩.
[ ١٤٤ ]
فتجول في الأمصار، ولم يسلم من شره بادئ ذي بدء إلا المدينة، كان نشاطه في مصر، والبصرة والكوفة، وتجول في الأعراب، وكان الكذب والتزوير مطيته للوصول إلى قلوب الناس، والتأثير عليهم بحب آل البيت، ونصرة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد - ﵁ -، وزعم أن عثمان - ﵁ - لا حق له في الخلافة، فاجتمع له عدد من الناس، أشعل بهم الفتنة، فاتّهم ولاة عثمان على الأمصار بكتب مزورة يرسلها من مصرٍ إلى مصرٍ، استفسد بها الكثيرين من الناس، وتعاونوا على الإثم والعدوان، حتى استمالوا بعض من بعثه عثمان لمعرفة حقيقة الأمر، ونتج عن جهود ابن السوداء المعروف بعبدالله بن سبأ انشقاق فرقتين من المسلمين، فرقة أخذت برأيه في عثمان - ﵁ - وهم الخوارج، والفرقة الثانية أخذت برأيه في الرجعة والوصية وهم الرافضة.