لم تكن الردة قاصرة على ما سبق بل لعهد أمير المؤمنين عمر الفاروق نصيب من ذلك وإن قلَّ، فقد ارتد في عهده - ﵁ - بنوا غسان قوم جبلة بن الأيهم، قاتل عامر بن الطفيل الدوسي، وابنه جندب (٢) في معركة اليرموك، وكان تنصر ولحق بالشام هو وقومه، ومات على ردته، وقيل: إنه أسلم، ويروى أن عمر - ﵁ - كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتابًا فيه: إن جبلة ورد إليَّ في سراة قومه، فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطئ إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة، فهشم أنفه وكسر ثناياه، وفي رواية قلع عينه فاستعدى الفزاري على جبلة إليّ، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ !، فقلت: شملك
_________________
(١) البخاري حديث (٧٢٨٤) ومسلم حديث (٢٢).
(٢) هكذا ورد ذكرهما في فتوح الشام، ولعل اشتباها وقع بالطفيل بن عمرو، وابنه عمرو، أوضحت ذلك في كتاب الجوس في من إلى دوس.
[ ١٣٦ ]
وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية، فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتدًا، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد (١):
تنصرت بعد الحق عارا للطمة ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر
فأدركني منها لجاج حمية فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فياليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قاله عمر
لم نسمع بمدع للنبوة في عهد الفاروق عمر - ﵁ - والذي يظهر أن الإسلام بعد حروب الردة وقر في قلوب الناس، ولسطوة عمر وقوته دور في تثبيت الحق، فقد كان سيفا للحق مصلتا على رقاب الزنادقة، وكم كان يقول لرسول الله - ﷺ -: "دعني اضرب عنقه فإنه منافق" وهو الرجل الذي استجاب الله دعوة نبيه فيه حين قال - ﷺ -: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام» (٢)، فكان عمر - ﵁ - هو عز الإسلام، وكان أبو جهل عدو الإسلام، وهو ابن عم أم عمر بن الخطاب، وكذلك خالد بن الوليد ﵄.
لم يكن عمر جبارا بل باحثا عن العدل، مناصرا للحق، وقافا عنده لا يعدوه إلى غيره، ولما كثر المسلمون في عهد عمر - ﵁ - ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور، إلا دار العباس بن عبد المطلب - ﵁ -، وحجر أمهات المؤمنين ﵅، فقال عمر للعباس: "يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل، نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم، فقال العباس: ما كنت لأفعل، قال فقال له عمر: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وابنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فنوسع بها في مسجدهم، فقال: لا ولا واحدة منها، فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت، فقال: أبي بن كعب"، فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة فقال أبي: "إن شئتما حدثتكما
_________________
(١) تفسير الألوسي ٥/ ٢١.
(٢) الطبقات لابن سعد ٣/ ٢٤٢.
[ ١٣٧ ]
بحديث سمعته من النبي، - ﷺ -، فقالا: حدثنا، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه، فخط له هذه الخطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياه فأبي، فحدث داود نفسه أن يأخذ منه، فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا اذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه، قال: يا رب فمن ولدي؟، قال: من ولدك"، قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب وقال: "جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فيهم أبو ذر فقال: إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله - ﷺ -، يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره".
فقال أبو ذر: "أنا سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال آخر: أنا سمعته، وقال آخر أنا سمعته، يعني من رسول الله، - ﷺ -، قال: فأرسل عمر أبيا، قال: وأقبل أبي على عمر فقال: يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله، - ﷺ -؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما أتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله - ﷺ - ظاهرا، قال: وقال: عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس: أما إذ فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين، أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا، قال: فخط عمر لهم دارهم التي وبناها من بيت مال المسلمين" (١)، الله أكبر أي عدل هذا، وأي بحث عن الحق، والتزام به عند ظهوره، إن هذا نتاج مدرسة محمد - ﷺ -.
لكن يبقى الحاقدون على الإسلام يمارسون ما تهوى أنفسهم من الضلال، والانتقام للجاهلية الجهلاء، فيظهر الحقد المجوسي منتقما.