هو القرآن الكريم، وهو صفة من صفات الله - ﷿ -، منزل غير مخلوق، أنزله على رسوله نبينا محمد - ﷺ - لا ريب فيه هدى للمتقين، تلقاه جبريل - ﵇ - عن رب العزة والجلال، وتلقاه نبينا محمد - ﷺ - عن جبريل، وتلقاه أصحاب رسول الله - ﵃ - عن رسول الله - ﷺ -؛ ولذلك قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - ما قال فيما تقدم من علمه بكتاب
_________________
(١) الأم (٧/ ٥٦).
(٢) الآيتان (٦، ٧) من سورة القارعة ..
(٣) أخرجه البخاري.
(٤) تدريب الراوي (٢/ ٣٠٨).
[ ٣٩ ]
الله الآي منه والسور، وتقدم أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ من ابن أم عبد» (١)، ولم يكن هذا التنويه العظيم قاصرا على عبد الله بن مسعود - ﵁ -، بل تعداه إلى من تميز من أصحاب رسول الله - ﵃ -، قال - ﷺ -: «خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبى بن كعب» (٢)، ولا نقص في بقية أصحاب رسول الله - ﵃ -، ولكن إشادة بمن تميز منهم، بحسن الصوت وقوة الأخذ والأداء، ولذلك كان يحب - ﷺ -، أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "قال رسول الله - ﷺ -: «اقْرَأْ عَلَىَّ» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ !، قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣)، قال لي: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان" (٤)، واستمع - ﷺ - لقراءة أبي موسى الأشعري - ﵁ - فقال له: «يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٥)، وفي رواية قال له أبو موسى - ﵁ -: " لو علمت لحبَّرته لك تحبيرا " (٦)، ومنهم أبي بن كعب - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» قال أُبَى: آلله سمانى لك؟ ! قال: «الله سماك لي» فجعل أُبَيٌّ يبكى، قال قتادة: فأنبئت أنه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧)، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يقترئون من رسول الله - ﷺ - عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلَّمَنا العلم والعمل" (٨)،
_________________
(١) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير حديث (٨٣٤٣).
(٢) البخاري حديث (٣٨٠٨) ومسلم حديث (٦٤٨٨).
(٣) الآية (٤١) من سورة النساء.
(٤) البخاري حديث (٤٥٨٣) ..
(٥) البخاري حديث (٥٠٤٨) ومسلم حديث (١٨٨٨).
(٦) البيهقي في السنن الكبير (٣/ ١٢).
(٧) سورة البينة.
(٨) أخرجه أحمد المسند حديث (٣٨٥) ..
[ ٤٠ ]
هؤلاء وأمثالهم من الجم الغفير من أصحاب رسول الله - ﷺ - هم نقلة القرآن الكريم عن رسول الله - ﷺ -، وعنهم نقل العدول الأخيار من التابعين الأبرار، وعنهم أتباع التابعين، وهكذا يتواتر النقل إلى قيام الساعة، بنقل العدل عن مثله، وقد سمع القرآن من رسول الله - ﷺ - أبو هريرة، وقرأ أبو هريرة - ﵁ -: على أُبَي بن كعب - ﵁ - وعرض رسول الله - ﷺ - القرآن على أُبَي، وقال - ﷺ -: «أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» وليعلم أن الرسول - ﷺ - حينما أمر أن يقرأ على أُبَي - ﵁ - لا من أجل أن يتعلم من أُبَي، بل ليتعلم أُبَي من رسول الله - ﷺ - حين يستمع إلى قراءته، فيحذوا أُبي حذو رسول الله - ﷺ - في القراءة، قال أُبَي - ﵁ -: "يقرأ عليَّ فأحذو ألفاظه" وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، على أبي هريرة - ﵁ -، وقرأ نافع بن أبي نعيم ﵀ على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ﵀ (١).
فالصحابة أخذوا القرآن إما درسا لبعضهم، أو سماعا لتلاواته - ﷺ - في الصلاة وغيرها، أو استمع - ﷺ - لقراءة بعضهم وأقره عليها، بل أشاد بها كما تقدم سماعه لقراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، وقراءة أُبَي وغيرهم - ﵃ -، وكان من حرص الصحابة على صحة السماع والنقل أن عمر - ﵁ - وهشام بن حكيم بن حزام - ﵁ - اختلفا في سورة الفرقان فقرأها هذا على وجه، وهذا على وجه فقال - ﷺ - «لكليهما: هكذا أنزلت» (٢)، وقال - ﷺ -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» فالمراد به على سبع لغات في قول أبي بكر الصديق - ﵁ -.
ولهذا قال الشعبي: "الحروف واحدة لكن المختلف لغات (٣)، القوم، وإنما هو كقولك هلم وأقبل وتعال".
والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أولهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذهبه، على ما روي عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزبير - ﵃ -،
_________________
(١) السبعة في القراءات ١/ ٤٩، ٥٥.
(٢) المنتقى من منهاج الاعتدال ١/ ٣٥٩.
(٣) جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات ١/ ٣٦.
[ ٤١ ]
ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي ﵏ (١)، فنتج عن ذلك ما أخذه القراء السبعة ﵏، المجمع على صحة قراءاتهم وأولهم:
١ - الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله - ﷺ - بعد التابعين أبو عبدالرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم.
وكان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده أخذ القراءة عن جماعة من التابعين منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وكان عبد الرحمن قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى قراءة نافع اجتمع الناس بالمدينة العامة منهم والخاصة.
توفي نافع ﵀ سنة تسع وستين ومائة، وكانت وصيته لبنيه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
٢ - كان الإمام الذي انتهت إليه القراءة بمكة وأتم به أهلها في عصره، عبد الله بن كثير، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له: الداري، كان مقدما في عصره، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب - ﵁ -، ولم يخالف ابن كثير مجاهدا في شيء من قراءته، وقد أجمع أهل مكة على قراءته.
وعن ابن عيينة أنه توفي سنة عشرين ومائة، ﵀.
٣ - وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب - ﵁ - ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان - ﵁ - الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم؛ كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني، وغيرهم.
_________________
(١) السبعة في القراءات ١/ ٤٧، ٥٣، ٥٤، ٦٢، ٦٣.
(٢) من الآية (١) من سورة الأنفال.
[ ٤٢ ]
٤ - أول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان رضي الله تعالى عنه الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي: واسمه عبد الله بن حبيب؛ فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، مكث يقرئ بها أربعين سنة، ﵀، وكان قد قرأ على علي رضي الله تعالى عنه (١).
الإمام أبو بكر عاصم بن أبي النجود:
وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر بن حبيش.
٥ - الإمام حمزة بن حبيب الزيات:
وكان الإمام حمزة ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها، وكان ينحو نحو أصحاب عبد الله؛ لأن قراءة عبد الله انتهت بالكوفة إلى الأعمش، قيل: قرأ عليه، وقيل: سمع قراءته، وقرأ على ابن أبي ليلى، وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، وقرأ المنهال على سعيد بن جبير، وقرأ سعيد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب - ﵁ -، وقرأ أبي بن كعب على النبي - ﷺ -.
٦ - الإمام علي بن حمزة الكسائي:
كان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات وكانت العربية علمه وصناعته واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة وكان إمام الناس في القراءة في عصره وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم.
وأما البصرة فقام بالقراءة بها بعد التابعين جماعة منهم:
٧ - الإمام أبو عمرو بن العلاء:
كان أبو عمرو رأسًا في حياة الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو إمام أهل عصره في اللغة، وقد رأسًا في القراءة، والتابعون أحياء وقرأ على جلة التابعين مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ويحيى بن يعمر وكان لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد.
توفي أبو عمرو وهو ابن ست وثماني سنة ﵀.
_________________
(١) السبعة في القراءات ١/ ٦٤، ٦٦، ٦٧، ٦٩، ٧٠، ٧٨.
[ ٤٣ ]
٨ - الإمام عبد الله بن عامر اليحصبي، أهل الشام يسندون قراءتهم إليه، وكان قد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وأخذها المغيرة عن عثمان بن عفان - ﵁ - (١).
وليعلم أنه كما أخذ هؤلاء الأئمة كتاب الله مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل إلى رسول الله - ﷺ - فقد أخذه عن كل من ذكرنا مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل، لا نشك في صحة ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن شك أو شكك في حرف منه فهو زنديق مارق، لا حظ له في الإسلام.
إذًا هذه مراتب البلاغ: جبريل - ﵇ -، عن رب العزة والجلال، ومحمد - ﷺ -، عن جبريل - ﵇ -، والصحابة - ﵃ -، عن رسول الله - ﷺ -، والتابعون ﵏ عن الصحابة - ﵃ -، وأتباع التابعين عن التابعين ﵏ جميعا، وهي مراتب بلاغ وصدق ووثوق في غاية الصحة والكمال، وهذا ما علِمه أصحاب رسول الله - ﵃ -، فتنافسوا في الأخذ عن رسول الله - ﷺ -، كل على قدر ما كتب له حتى تميز منهم عدد بدقة الأداء وجمال الصوت، فأدوا القرآن بالألفاظ التي تعلموها من رسول الله، وتلقاها التابعون، وعن التابعين تلقاها الأتباع، وعنهم أتباع الأتباع، وهلم جرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، من دون زيادة ولا نقص عما أنزل الله على نبينا محمد - ﷺ -.