هو رجل الإسلام الأول بعد رسول الله - ﵁ -، أسلم بإسلامه ستة نفر، خمسة من العشرة المبشرين بالجنة: وهم عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، والسادس خباب بن الأرت - ﵃ -، ولقد أعز الله الإسلام بخلافة أبي بكر الصديق - ﵁ -، فقد كان الرجل الأول من رجال الإسلام العظام عند رسول الله - ﷺ -، رفيق درب رسول الله - ﷺ - من أول وهلة، عرفه وآمن به وصدقه ولازمه ملازمة الظل للجسد، ولم يفضِّل عليه رسول الله - ﷺ - أحدا من أصحابه بل كان سيدهم والمقدم عليهم في كل شأن، وقد أَم الناس ورسول الله - ﷺ - حي، عن عائشة رضي الله عمها قالت: "لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٢١٤.
[ ٥٩ ]
مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلى بالناس» فقلت: لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، قال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ﷺ - في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله - ﷺ -، فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله - ﷺ - يصلى قاعدا، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ -، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر - ﵁ - " (١)، ولو كان عمر - ﵁ - أفضل من أبي بكر أو حتى مساويا له في الفضل لم يُغلظ رسول الله - ﷺ - الكلام لحفصة مع وجاهة العذر، ولكنه فضل أبي بكر - ﵁ -، وأول من يعترف به عمر - ﵁ -، ولم يكن خافيا أمر رسول الله - ﷺ - بلالا أن يُقِّدم أبا بكر ليصلي بالناس صلاة العصر، في اليوم الذي ذهب فيه رسول الله - ﷺ - للإصلاح بين بني عمرو بن عوف (٢)، وقال - ﷺ -: «ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت، أبا بكر ولكن أخي وصاحبي» (٣)، فلم يفضل أحدا من أهل الأرض على أبي بكر - ﵁ -، إشارة واضحة في استحقاق أبي بكر - ﵁ -، لو جازت الخلة لأحد من الناس لكانت لأبي بكر كلام من لا ينطق عن الهوى - ﷺ -، ومن هنا عرف الصحابة فضل أبي بكر، وقد قال عمر - ﵁ -: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٤)، وهذا الأمر أغاظ كثيرا أتباع أبي لؤلؤة المجوسي على أبي بكر وعمر وعامة الصحابة، وعلى كل من رضي بذلك.
_________________
(١) البخاري حديث (٧١٣) ومسلم حديث (٩٦٨) ..
(٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٥٥.
(٣) البخاري حديث (٣٦٥٦) ومسلم (٦٣٢٣).
(٤) الإبانة الكبرى لابن بطة (٣/ ١٨٣).
[ ٦٠ ]
أبو بكر - ﵁ -