تقدم بيان أن أبا بكر - ﵁ - لم يحرص على شيء حرصه على وحدة الأمة المحمدية، وقد بين للناس ما رآه الأسلم لبقاء الأمر على ما كان عليه في حياة رسول الله - ﷺ -، اعترف بفضل الأنصار - ﵃ -، وذكر لهم مكانة قريش بين قبائل العرب، ورشح للخلافة أحد رجلين: عمر بن الخطاب - ﵁ - ولم يفضُله أحد، ويعلمون جميعا من هو عمر، إنه الرجل الذي أعز الله به الإسلام، - ﵁ -، والآخر أبو عبيدة أمين الأمة - ﵁ -، مكانته معروفة عند المهاجرين والأنصار - ﵃ -، ولم يدعُ أبو بكر إلى نفسه لا من قريب ولا من بعيد، بل لمَّا حصل له ما حصل من البيعة، قال بعد ثلاث: «من يَستَقيلُني بيعتي فأقيله؟» (١)، فلما أيقن ألا مفر له من إرادة الله - ﷿ -، ثم بيعة الصحابة له، علم أنه كُلِّف أمر الأمة المحمدية، ولما تقرر أن يحمل الأمانة صعد المنبر، فجلس دون مجلس رسول الله - ﷺ - بمرقاة، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني!، لا أقول: إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملًا، وأثنى على الأنصار خيرًا وقال: إنا وإياكم، معشر الأنصار كما قال القائل:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبو أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت" (٢).
وأعرف الناس بالرجل أهل بيته، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: "تُوِّفي رسولُ الله، فو الله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضَها، إشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العربُ، فو الله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغَنَائها في الإسلام" (٣)، لقوة حجته، واستناده إلى علمه بالكتاب والسنة، وثقته بربه، فما طلب سوى وحدة الأمة المحمدية على الكتاب والسنة، وعزة الإسلام المطلقة،
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١).
(٢) تاريخ اليعقوبي (١/ ١٥٥).
(٣) عيون الأخبار (١/ ٢٥٣).
[ ٦٧ ]
فكسر الله أعداءه في جزيرة العرب وخارجها، لم يسعَ أبو بكر - ﵁ - إلى الخلافة، بل الخلافة سعت إليه، لأنه - ﵁ - كان أزْهَدَ الناس، وأكثرهم تواضعًا: في أخلاقه، ولباسه، ومطعمه، ومشربه، وتأكد ذلك بعد توليه الخلافة، إذ كان لبسه في خلافته الشملة، قدمَ إليه زعماء العرب وأشرافهم، وملوك اليمن وعليهم الْحُلَل، وبرود الْوَشْي المثقل بالذهب، والتيجان، فلما شاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة ذهبوا مَذهبه، ونزعوا ما كان عليهم، وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير، ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته، وعليه التاج والحُلَل، فلما شاهد من أبي بكر - ﵁ - ذلك الزهد والتواضع ألقى ما كان عليه وَتَزَيَّا بِزِيِّ أبي بكر، حتى إنه رؤي يومًا في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته لذلك وقالوا له: "قد فضحتنا بين المهاجرين والأنصار، قال: أفأردتم مني أن أكون ملكًا جبارًا في الجاهلية، جبارًا في الإسلام، لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع لله والزهد في هذه الدنيا" (١)، وتواضعت الملوك ومَنْ ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وتذللوا بعد التجبر.