لم يشك الصحابة - ﵃ - في أن مراتب الخلافة الراشدة، بعد النبوة على الولاء، روى ابن عمر ﵄ قال: كنا نُخَيِّر بين الناس في زمان رسول الله - ﷺ -: أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي - ﷺ - فلا ينكره (٤).
_________________
(١) الآية (٩) من سورة المائدة ..
(٢) الإبانة الكبرى لابن بطة (٣/ ١٨٣).
(٣) الترمذي حديث (٢٨٩١).
(٤) السنة لابن أبي عاصم حديث (١١٩٣).
[ ٥٦ ]
وبالطبع علي - ﵁ - رابع الخلفاء، وهو القائل - ﵁ -: "خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وبعد أبي بكر: عمر، ولو شئت أن أسمي لكم الثالث لفعلت" (١)، ولا ريب أن الثالث عثمان، وقد روى محمد بن علي بن أبي طالب: المعروف بابن الحنفية قال: قلت لأبي: "يا أبت، من أفضل هذه الأمة بعد النبي - ﷺ -؟ قال: سبحان الله يا بني: أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: سبحان الله يا بني: عمر. قال: قلت: ثم أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لست هناك، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين، لي ما لهم، وعليّ ما عليهم" (٢).
يفهم من قول علي - ﵁ -: "لست هناك" أنه - ﵁ - يعلم موقعه في الخلافة، وأنه ليس بعد عمر - ﵁ -، ولذلك بايع عمر ولم ينازعه، ولما كان موقعه بعد عثمان بايعه الصحابة فقام لذلك، ولم ينازعه معاوية - ﵁ - في الخلافة بل في المطالبة بقتل قتلة عثمان - ﵁ -، وقد كان أمر مراتب الخلافة عندهم من البدهيات، ولذلك كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول:
إن الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي.
قال كعب: ولكنه صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية، فقيل لمعاوية: إن كعبا يسخر بك ويزعم أنك تلي هذا الأمر، قال: فأتاه فقال: يا أبا إسحاق، وكيف وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد، قال: «أنت صاحبها» (٣).
وفي قول معاوية هذا دلالة على أنه يعلم رتبة عليّ - ﵁ - في الخلافة وأنها بعد عثمان، ويعلم أن الزبير أحق منه بها بعد علي - ﵃ -، ولعل كعب الأحبار ﵀ قال ما قال لمعاوية - ﵁ - إما لعلم عنده من الكتاب؛ "التوراة" أو من قول رسول الله - ﷺ -: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» وهو الأولى عندي، قال سفينة للراوي عنه وهو سعيد بن جمهان: "أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب - ﵃ - أجمعين" (٤)، وقال رسول
_________________
(١) السنة لابن أبي عاصم حديث (١٢٠١).
(٢) السنة لابن أبي عاصم حديث (١٢٠٧).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة حديث (٣٧٠٩٣).
(٤) الإبانة عن أصول الديانة ١/ ٢٥٧.
[ ٥٧ ]
الله - ﷺ -: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء» (١)، حيث تنتهي الخلافة الراشدة بقتل علي - ﵁ -، ولعن الله قاتله عبد الرحمن بن ملجم، وقد تجاوز خبر الخلفاء حدود الخلافة الراشدة، روى عبد الله بن عمرو ﵄، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يكون اثنا عشر خليفة» - فذكر أبا بكر - ﵁ -، وعمر - ﵁ -، وعثمان - ﵁ - - فقال له رجل من قومه: إنما جلسنا إليك لتذكرنا، ما لنا وما لهذا؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو تركتني لأخبرتكم بما قال فيهم واحدا واحدا (٢)، روى جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي - ﷺ -، فسمعته يقول: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال: ثم تكلم بكلام خفي عَليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (٣).
قلت: بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ المراد من هذا الحديث بناء على تأييد القاضي عياض ﵀ بقوله: في بعض طرق الحديث الصحيحة «كلهم يجتمع عليه الناس» وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر - ﵁ -، ثم عمر - ﵁ -، ثم عثمان - ﵁ -، ثم علي - ﵁ -، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية - ﵁ - عند صلح الحسن - ﵁ -، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين - ﵁ - أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم
_________________
(١) أبو داود حديث (٤٦٤٦).
(٢) السنة لابن أبي عاصم حديث (١١٨٢).
(٣) مسلم حديث (١٨٢١).
[ ٥٨ ]
تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، فلم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض، شرقا وغربا وشمالا ويمينا مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة، ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك، فعلى هذا يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الناشئ عن الفتن، وقوعا فاشيا يفشو ويستمر ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان والله المستعان (١).