إن العاقل ليعجب أشد العجب من ادعاء الرافضة أنهم شيعة علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهم يتجاهلون حبه للخلفاء الثلاثة قبله: أبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، وأقواله الصحيحة الصريحة برهان يدق أنوف الرافضة، فقد قال في أبي بكر وعمر ﵄: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، ولو شئت أخبرتكم بالثالث» (٤)، وقال عبد الله بن عمر ﵄: «كنا نتحدث على عهد رسول الله - ﷺ -: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر،
_________________
(١) الآية (٥٥) من سورة النور.
(٢) العواصم من القواصم ١/ ٢٧٤، ٢٧٥.
(٣) انظر المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث (٦٨٨) وما بعده.
(٤) أحمد في فضائل الصحابة حديث (٤٠٨).
[ ١٢٠ ]
ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فلا ينكره» (١)، وقال علي - ﵃ -: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» (٢)، وزوج عمر بنته أم كلثوم الكبرى ولدت لعمر زيدا ورقية، وقد قدمنا نص الخطبة العصماء التي أبَّنَ بها علي أبا بكر ﵄، لأن أبا بكر كان صديق علي في عهد رسول الله - ﷺ -، ثم صار بعد ذلك خليفة رسول الله - ﷺ -، وإماما لخيار الأمة ومنهم علي - ﵁ -، وكذلك تمنى أن يلقى الله بمثل عمل عمر - ﵃ -، هذه أخوة الإسلام.
ومن حب علي للثلاثة سمى بهم أولاده، ومن أحب إنسانا أبدى تكريمه، ومن تكريم علي لأبي بكر ﵄ أنه سمى أحد أبنائه أبا بكر، فأبو بكر بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قتل مع أخيه الحسين بن علي - ﵁ - في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم (٣).
وعمر بن علي بن أبي طالب، من نسله عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب سمى أحد بنيه أبا بكر، والآخر باسم عمر وعثمان بن علي بن أبي طالب، له رواية (٤)، وتتوالى التسمية بالثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان من أبناء علي بن أبي طالب - ﵃ -، فالحسن بن علي - ﵁ - يسمي ولده أبا بكر وهو أبو بكر بن الحسن بن علي، وأمه أم ولد (٥)، وسمى عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٦)، وله منه حفيد اسمه: محمد له رواية، ولم يتخلف الحسين - ﵁ - عن التبرك بأسماء الثلاثة فقد سمى أبا بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٧)، وسمى عمر بن
_________________
(١) أحمد في فضائل الصحابة حديث (٨٥٧).
(٢) أحمد في فضائل الصحابة حديث (٤٩).
(٣) تاريخ الطبري ٥/ ٤٦٨. وانظر: الشريعة للآجري ٤/ ١٧٢٥.
(٤) المنتخب من كتاب أزواج النبي - ﷺ - ١/ ٦١.
(٥) ترتيب الأمالي الخميسية للشجري ١/ ٢٢٥.
(٦) وانظر: المجالسة وجواهر العلم ٨/ ١١٩، .
(٧) مقاتل الطالبيين ١/ ٥٩٣.
[ ١٢١ ]
الحسين بن علي (١)، وله منه حفيد اسمه: علي ومن نسله: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يروي بسند عن أبي هريرة - ﵁ - (٢)، وكذلك علي زين العابدين سمى، عمر بن علي زين العابدين بن الحسين (٣)، وسمى عثمان بن علي بن الحسين، له رواية عن أبيه (٤)، وكذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب سمى أحد بنيه باسم أبي بكر وسمى ابنا آخر له باسم معاوية، ومعاوية هذا سمى أحد بنيه يزيد (٥)، فأصبح من آل هاشم معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحفيده يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
ولهذا كان الشيعة المتقدمون متفقين على تفضيل أبي بكر وعمر.
نقل عبد الجبار الهمداني من كتاب: تثبيت النبوة أن أبا القاسم نصر بن الصباح البلخي قال في كتاب النقض على ابن الراوندي: سأل شريك بن عبد الله فقال له: "أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ ! فقال له: نعم: من لم يقل هذا فليس شيعيا! ! والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا" (٦)، وهكذا حال الناس حتى في الكوفة، ولم ينتقض الأمر إلا بظهور دعاة الضلال، قال أبو إسحاق السبيعي ﵀: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن الكوفة وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون" (٧)، فأبو اسحاق أنكر تلك
_________________
(١) الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ١/ ٧٧.
(٢) حديث أبي القاسم عافية وغيره لأبي بكر بن المهندس ١/ ٤١.
(٣) العواصم من القواصم ١/ ٢٧٤.
(٤) تفسير ابن كثير ت سلامة ٦/ ٤٠٣.
(٥) العواصم من القواصم ١/ ٢٧٤.
(٦) العواصم من القواصم ١/ ٢٧٤.
(٧) المنتقى من منهاج الاعتدال ١/ ٣٦٠.
[ ١٢٢ ]
الأقاويل، ونفى علمه بها في السابقين، وهذا ما كان عليه جميع الصحابة - ﵃ -، ومنهم علي - ﵁ - قد تواتر عنه من طرق كثيرة قيل: إنها تبلغ ثمانين طريقا أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم وعمر» (١)، ومن بعد الصحابة التابعون، قال ليث بن أبي سليم ﵀: "أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا"، وقال مسروق وطاووس - وهما من أجل التابعين رحمهما الله: "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة" (٢).
قلت: هذا موقف العالمين بقدر وفضل آل البيت، بعيدا عن الغلو والزندقة، هم شيعة الحق والهدى، ليسوا كمن رفض الحق وانتحل الكذب والزور والبهتان، وصنع من آل البيت آلهة يعبدون من دون الله - ﷿ -، كل ذلك من أجل الكيد لخير القرون ومن تبعهم بإحسان، أهل السنة والجماعة السائرين على ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -، فهم الطائفة المنصورة لا يضرهم من خالفهم حتي يأتي وعد الله - ﷿ -.