هناك نقطتان تتعلقان بملامح السياسة العثمانية بالنسبة للعمال الأولى: أن الخليفة أعلن في جميع البلاد أنه ستتم محاسبة العمال علنًا كل سنة وفي موسم الحج، ومن لديه شكوى فعليه أن يقدمها للخليفة مباشرة، وتم تنفيذ هذا الأمر. الثانية هي أنه حين وصلت الشكاوى ضد العمال بكثرة إلى المدينة المنورة قام عثمان بناء على مشورة كبار الصحابة بتشكيل لجنة للتحقيق نيابة عنه فيما نسب إلى عمال الأمصار وبموجب رواية للطبري، تم إرسال محمد بن مسلمة
[ ١٣٢ ]
الأنصاري وأسامة بن زيد الكلبي وعبد الله بن عمر العدوي، وعمار بن ياسر إلى الكوفة والبصرة والشام، ومصر بالترتيب، وذلك للتحقيق في الشكاوى، وأشار جميع هؤلاء الصحابة (ما عدا عمار بن ياسر) بعد أن أجروا التحقيقات المطلوبة " إلى أنهم لم يروا هناك أي أمر غير مرض ". وقد خالف عمار في ذلك. ولم يكتف عثمان بهذا، بل طلب عمال الولايات واستجوبهم واطمأن إلى إجاباتهم، وأصدر حكمه بإعادتهم، ولكن في أثناء ذلك تمت المؤامرة الخبيثة التي هدفت إلى الطعن في عثمان وعماله، وأعلن العصيان ضد الخلافة الإسلامية، واستشهد عثمان ﵁، وتفتتت الوحدة الإِسلامية.
وتشير المصادر إلى أن أول شخص وضع البذرة الأولى في المؤامرة ضد عثمان هو عبد الله بن سبأ، الذي ارتدى رداء الإسلام بعد ترك يهوديته، حتى يكمل أهدافه الكريهة ولقد أصاب بسهمه عصفورين، إذ عرض تصورًا مبالغًا فيه لحب أهل البيت، وجعل الخلافة حقًّا موروثًا لعلي ﵁، ومن ناحية أخرى جعل خلافة عثمان غير شرعية. وطبقًا لما ورد بالطبري فقد بدأ نشر مؤامرته من محاور ثلاثة.
المحور الأول أنه أثار الناس ضد عثمان تحت غطاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمحور الثاني محاولة التشنيع والإِساءة إلى العمال العثمانيين. والثالث نشر الإشاعات عن محاباة الخليفة الثالث لأقاربه.
ويفهم من رواية أخرى للطبري أن المتآمرين قاموا بنشر الكراهية ضد الحكومة بطريقة مخططة محكمة، وكانوا يعرفون تمامًا أن العامة والخاصة لن يتحملوا أبدًا أي اتهام ضد شخصية عثمان وذاته، وأنهم لو اعتمدوا على ذلك فسوف تفشل حركتهم من أولها، ولهذا بدأوا معارضتهم للحكومة بإثارة الفتنة ضد عمال عثمان على أساس توجيهها إلى الخليفة فيما بعد إذا قبلها الناس،
[ ١٣٣ ]
واختار هؤلاء لتنفيذ مخططهم معسكرات الكوفة والبصرة، حيث التربة خصبة تمامًا للمؤامرات، فهي من حيث كونها مدنًا جديدة ليس لها سكان أصليون، وليس لها مثل أو تقاليد، وكان لعبد الله بن سبأ في مراكز الغدر هذه العديد من المؤيدين وقد قام هو بنفسه كما أرسل دعاته ونقباءه فقاموا بالدعاية التي كان من نتيجتها إثارة الفتنة، تلك الفتنة التي خُدع بها الكثيرون من البسطاء، وانطلقت الشرارة الأولى للمؤامرة في الكوفة، أما نيران الفتنة في البصرة فقد أوقدها عبد الله بن سبأ بنفسه، إذ تآمر مع أحد قطاع الطرق المشهورين هناك، ويدعى حكيم بن جبلة، وقاد حركة النقد واللوم والتجريح. إلا أنه أخرج من هناك بسرعة فوصل إلى الكوفة حيث انضم إلى أهل الفتنة التي اشتدت هناك، ثم أخرج من هناك فذهب إلى الشام، لكنه لم يتمكن من التحرك هناك فوصل في النهاية إلى مصر، حيث وجد بها معارضين لعثمان، هما محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، ونظرًا لعداوتهم الشخصية، قادا حركة العداء ضد عثمان وحكومته. وتُلقي روايات الطبري وابن الأثير الضوء على نشاطاتهم.
وبوصول عبد الله بن سبأ إلى مصر وجدت حركته لها قائدًا. وبدأ عدد المتآمرين ومثيري الفتنة يزداد تدريجيًا، وبعد ذلك، وطبقًا لخطته تم الهجوم على المدينة المنورة مركز الخلافة، حيث وضعت خطة قتل الخليفة الثالث، وطبقًا لهذه الخطة وصل المتآمرون في وقت واحد من ثلاث جهات مختلفة، الكوفة، والبصرة، والفسطاط. ولقد اختاروا وقتًا كانت فيه المدينة خالية من معظم الصحابة الكرام ومن الجيش، فقد كان ذلك في شهر الحج، ووصول المجموعات الثلاث في وقت واحد إلى المدينة إنما يدل على التآمر الدنىء. وكانت ذريعتهم في ذلك هي الحصول على موافقة الخليفة على مطالبهم، وهكذا وحين وافق الخليفة الثالث على مطالبهم بناء على مشورة
[ ١٣٤ ]
ووساطة كبار الصحابة لم يكن أمامهم من سبيل سوى العودة، إلا أنهم لم يكونوا ليعودوا دون أن يحققوا مرامهم وهدفهم الخبيث، وفي الطريق قاموا بالعودة بحجة بعض الخطابات المزورة، ويُعلم من الطبري والمصادر الأخرى أن عليًّا ناقش هؤلاء المتمردين، وحاول أن يثنيهم عن عزمهم، إلا أنهم في هذه المرة جاءوا مصممين على تنفيذ مخططهم. فحاصروا المدينة، ولم يكن أهل المدينة وكبار الصحابة على علم بهذه المؤامرة الخطرة، كما لم يكونوا على استعداد لمواجهة هذه المحاصرة، لهذا كانوا جميعًا بلا حول ولا قوة، ولم ينج أحد من أيدي المتمردين إلا ونال الإيذاء، وهكذا جلس الكثير من الناس في بيوتهم لا يبارحونها، ولا شك أن عددًا من الصحابة الكرام وأولادهم قاموا بحماية الخليفة الثالث حماية كاملة ودافعوا عنه.
قام المتمردون أولًا بالإساءة إلى عثمان في المسجد، وأخذوا يلقون عليه بالطوب، لدرجة أنه سقط مغشيًا عليه وهو يخطب في الناس وبعد ذلك قاموا بمحاصرة منزله، فمنعوا عنه الطعام والماء. وقام عدد من الصحابة وأمهات المؤمنين بالمخاطرة بالروح حتى أوصلوا إليه الطعام، وفي النهاية قرر العصاة المتمردون اغتيال الخليفة لأنه رفض طلبهم بالتنازل عن الخلافة، فقاموا بالهجوم على بيته لكنهم لم يتمكنوا من الدخول من البوابة الرئيسية، حيث وجد عدد من الفدائيين يدافعون عن الخليفة، ولهذا تسلقوا الحائط المؤدي من منزله إلى طريق المسجد، وكان من بين هؤلاء محمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر النخعي وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر التيمي وغيرهم، وهجموا على الخليفة، بينما كان يتلو القرآن الكريم. وتفجر الدم الطاهر على أوراق المصحف، ونجحت مؤامرة المتآمرين، وانفرط عقد الأمة الإسلامية.