يتهم بعض المؤرخين المؤيدين لعلي ﵁ سواء القدامى منهم أو المحدثون عائشة ومن معها بإعلان العصيان ضد الخليفة صاحب الحق، وقالوا بأنهم كانوا على باطل، وفي هذا الصدد ذكر المؤرخون القدامى بعض الروايات التي تؤيد عليًا وتعارض هؤلاء الكبار من الصحابة والتابعين. وعلى سبيل المثال ففي حديثهم عن واقعة الجمل ذكروا رواية عائشة، وهي رواية نباح كلاب قرية مروا عليها، وأن رسول الله ﷺ قال ما معناه أن هؤلاء الثلاثة على باطل وسوف يحاربون عليًا في يوم ما، وطبقًا للرواية الأخيرة فإن طلحة والزبير تركا ميدان القتال بناء على تذكير علىّ لهم، واعترفا بخطئهم؛ والحقيقة أن الروايات الثلاث موضوعة ولا تستقيم على محك الرواية والدراية كليهما، ويفهم من الروايات الصحيحة للمصادر أن هدف عائشة ومن معها هو القصاص من قاتل عثمان حتى يمكن سد باب الفتنة وينصلح حال الأمة.
لكن خورشيد أحمد فاروق لم يترك شخصية في هذا الأمر دون طعن أو تجريح، فرأى أن طلحة والزبير كانا يريدان الخلافة، وأنهما قد حاولا بكل قوة الحصول عليها مثلهم في ذلك مثل علىّ، وقاموا بالإغداق على مؤيديهم السياسيين من أموالهم وثرواتهم في الكوفة والبصرة، ولكن حين أيدت الكوفة عليا وبايعته ضعفت الفرق الأخرى وأخذت البيعة بالقوة من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. إن اتهام طلحة والزبير باتخاذ إجراءات تهدف إلى الحصول على الخلافة، وتشكيل فرق سياسية، والتمسح بدم عثمان هو مجرد اتهام. إنهما لم يحاولا أبدًا الحصول على الخلافة، وقد كانا أول من قاما بسحب اسميهما بناء على اقتراح عبد الرحمن بن عوف من بين المرشحين في المجلس الذي شكله عمر،
[ ١٣٧ ]
وهذا دليل بيّن وواضح في سلوكهما، ثم إن الوقائع التاريخية في مكة والبصرة ترد بطريقة كاملة هذه التهمة، فلو كانا يريدان الخلافة لما تصالحا أبدًا مع عليّ.
" إن هذين الصاحبين الجليلين قد طالبا عليًّا بحكومة الكوفة والبصرة، ورفض عليّ إعطاءهما هذا المطلب ولهذا خالفاه ". هذا اتهام لا تصدقه ولا تؤيده أية رواية تاريخية. وصحيح أنهما كانا يؤمنان بضرورة القصاص من قاتل عثمان، وقد كانا صادقين في هذا الأمر، ورؤيتهم لقتلة عثمان في جيش عليّ جعلهم على يقين من صدق موقفهم.
ولقد اتهم سيد أمير على السيدة عائشة قائلًا بأنها عارضت عليًّا بسبب عداء شخصي، واشتركت في حرب الجمل، بينما قام خورشيد أحمد فاروق باتهامها بمحاولة تعيين طلحة بن عبيد الله التيمي أحد أقاربها طمعًا في الثروة، ونظرًا للعصبية القبلية بالإِضافة إلى اتهامها بالشكوى من أمور شخصية، والتهمتان لم تثبتا بأي شكل من الأشكال في أي مصدر من المصادر، ويتضح من خطابات عائشة، ومن بياناتها التاريخية، ومن سير الأحداث أنها أرادت حل قضية تهم الأمة، ولو كانت فيها هذه العصبية لما اقترحت أن يقوم عمر بإمامة الصلاة بدلًا من والدها في مرحلة مرض رسول الله ﷺ، ثم يتضح من كلامها قبل وقعة الجمل أنها كانت تعمل بكل إيمان وصدق من أجل الحق.