أشاع المؤرخون المغرضون أن حالة مسلمي مكة الاقتصادية كانت سيئة، لهذا خرجوا مهاجرين تجاه المدينة لا يملكون مالًا ولا متاعًا.
وقد عرض المستشرقون والمؤرخون المغرضون لهاتين الفكرتين طبقًا لخطة محكمة وهدف معين، وقبل بعض المؤرخين المسلمين ذلك القول دون إعمال للفكر، ولم يفكروا بالقطع أن هذا يعضد مؤامرة أعداء الإسلام، ومن المعروف أن عددًا من مهاجرى مكة قد قدموا تضحيات لا مثيل لها، لقد ترك العديد من المهاجرين أملاكهم ومتاعهم خلفهم وهاجروا، خرجوا بأيديهم خالية تمامًا من كل شىء، وبعضهم قد سلبتهم قريش جميع أموالهم ومتاعهم حين خرجوا تاركين مكة، إلا أن الحقيقة أيضًا تتمثل فيما ذكره ابن إسحاق والمؤرخون القدامى الآخرون [كتاب السوانح]، ويفهم مما كتب هؤلاء أن عددًا من الأسر والأفراد المسلمين قد وفقوا في نقل ممتلكاتهم معهم.
والمؤرخون المغرضون والمخططون ضد الإسلام إنما يحاولون التشهير بسوء حال مهاجري مكة الاقتصادية بالباطل حتى يثبتوا نظريتهم القائلة بأنهم هاجروا إلى المدينة نظرًا لأنهم لم يتحملوا سوء أحوالهم المعيشية كأنهم يريدون أن يقولوا: إن أنصار المدينة كانوا سيئي الحال مثلًا بسبب قتالهم معًا. ثم زادوا على ذلك بقولهم إن عددًا كبيرًا من المهاجرين قد ورد إلى المدينة خالي الوفاض مما مثّل
[ ٥٦ ]
عبئًا ثقيلًا على الحياة الاقتصادية بالمدينة نظرًا لنفقات قيامهم وإطعامهم. ومضى هذا النظام المؤقت -بطريقة ما- لعدة أيام، ولكن حين انتهت جميع الوسائل فإنّ رسول الله ﷺ لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يتبع طريقة المعيشة القديمة للعرب، وهو استخدام أسلوب الإغارة على القوافل التجارية والإغارة على القرى المجاورة. وطبقًا لادعاءات هؤلاء المستشرقين والمؤرخين فإنه من هنا بدأت سلسلة الغزوات والسرايا التي استمرت طويلًا والتي كانت تقوم على غنائمها الحياة المدنية كاملة تقريبًا!!
وادعاءاتهم هذه خاطئة بلا شك، فمن الصحيح أن أنصار المدينة قد أظهروا تضحيات مثالية، فقد استضافوا إخوتهم من المهاجرين في بيوتهم لعدة أشهر، وتواضعوا أمامهم، وعاملوهم بكل حب واحترام، واقتسموا معهم أملاكهم، وأراضيهم، وحتى بيوتهم التي تفيض عن حاجتهم، وأشركوهم معهم في التجارة والزراعة ومع ذلك فمن الخطأ القول: إن المهاجرين قد اعتمدوا على ثروة الأنصار وضيافتهم لهم، ويتضح من الروايات أن جميع تجار مكة، والحرفيين والعمال من المهاجرين كانوا قد انصرف كل منهم إلى حرفته وعمله، وبدلًا من أن يحطموا الحياة الاقتصادية للمدينة ويربكوها شاركوا بنصيب في ازدهارها وتطورها. لقد قام كل بما يستطيع أن يحسنه من صناعة وتجارة وزراعة.
وهناك موقف مشرف لعبد الرحمن بن عوف الزهري، فإنه قد شكر مضيفه سعد بن الربيع شكرًا جزيلًا، وسأله عن الطريق إلى السوق. ومنذ ذلك اليوم بدأ يكسب كثيرًا بما له من مهارة في التجارة حتى أنه في أيام قلائل تمكن من أن يتزوج. ومن الصحيح أيضًا أن هناك بعض الأفراد المعسرين الذين كانوا أنفسهم يعيشون حياة عسر في مكة!!
لقد استطاع معظم المهاجرين بعد قدومهم إلى المدينة الاعتماد على أنفسهم
[ ٥٧ ]
من الناحية الاقتصادية ونجحوا في ذلك تمامًا.