قام المستشرقون وأعداء الإسلام بالهجوم هجومًا خطرًا على أهم أبواب التاريخ الإسلامي ألا وهو تبليغ الرسالة -وهي الفريضة الأساسية- قائلين بأن نشر الإِسلام في العهد النبوي قد تم على نطاق محدود جدًّا.
وطبقًا لتفكيرهم فهم يعتبرون أن الحياة النبوية في مكة [١٣ سنة] كانت محدودة التوفيق والنجاح، وفي خارج مكة أسلم عدد قليل جدًا من الأشخاص، وفي حياته بالمدينة [١٠ سنوات] لم يستطع أن يعطي لفريضة التبليغ حقها؛ لأنه اضطر في معظم الأوقات أن يواجه قريشًا وبقية القبائل العربية، وأن يخوض معها قتالًا مسلحًا. وعام الوفود (٩ هـ/ ٦٣٠ - ٦٣١ م) الذى يشهد بأن الجزيرة العربية بأكملها قد قبلت الإسلام. هو أيضًا غير مقبول لدى المستشرقين، لأنه طبقًا لتفكيرهم فإن معظم القبائل العربية قد
[ ٧٩ ]
قبلت الرفعة السياسية للدولة الإسلامية ولم تقبل الإسلام.
وقد ذهب بعض المستشرقين اليهود والنصارى إلى حد أنهم قسموا حياة الرسول الطيبة إلى قسمين منفصلين، فجعلوه رسولًا مكيًّا مرة، ورسولًا مدنيًا مرة أخرى، ففي رأيهم أنه في مكة المكرمة يبدو وكأنه رسول بينما هو في المدينة جعل من نفسه قيصر العرب وحاكمًا سياسيًا؛ لأنه طبقًا لتفكيرهم الباطل هذا فإن الرسول في المدينة أنهى الرسالة وأبطل تبليغ الدين. وطبقًا لدعواهم هذه فقد قضى معظم وقته في هذه الفترة في الحرب وفي إقامة التنظيم السياسي، وفي تكوين وتشكيل الحكومة والدولة، ولا شك أن بعض المؤرخين من ذوي الحس والشعور يقدمون هذا العذر قائلين: ولابد أنه قام بمحاولات من أجل تبليغ الدين غير أنها انحصرت في المشاكل السياسية وطبقًا لاعتقادهم فالإسلام قد انحصر داخل القبائل المتركزة بالقرب من المدينة ومكة، أما قبائل مثل هوازن وغطفان فقد قبلت الإسلام فقط لتنال الرفعة السياسية، ولم تقبله لتنال رفعة دينية أو رفعة بالإسلام، أما القبائل اليهودية والمسيحية فقد قبلت بالحاكمية السياسية فقط، وأنكرت ورفضت تمامًا فكرة تغيير الدين، بينما لم يصل الإسلام إلى المناطق العربية الجنوبية والمناطق الشرقية ولا إلى قبائل المنطقة الشمالية الشرقية وإلى المناطق الشمالية، وطبقًا لدعواهم تلك فإن جميع هذه المناطق إذا كانت قد سلمت برفعة المدينة وحكمها إلا أن هذا الأمر اقتصر فقط على المعاملات السياسية، ولم تكن له أي علاقة بالدين. وعلى المسلمين أن يحللوا تاريخيًا هذه الدعوى الطائشة التي يدعيها المستشرقون.
ورغم أننا حتى الآن لم نحلل تحليلًا كاملًا قضية تبليغ الإسلام ونشره في العهد النبوي مرحلة تلو مرحلة إلا أننا عرضنا عرضًا سريعًا لبعض المطالعات فقط، ويفهم من مطالعة مصادر التاريخ الإسلامي ومراجعه أن رسول الله ﷺ قد حالفه التوفيق الكامل في تبليغ ونشر الدين في مكة المكرمة، فقد وجد
[ ٨٠ ]
في أسر وبطون قريش مسلمون وكان كل بيت من بيوت مكة فيه مسلم، وذلك قبل أن يثبت الإسلام رايته هناك بعد فتح مكة ويفهم من المؤلفات المتقدمة لابن إسحاق وابن سعد والطبري والبلاذري، وكذلك الكتب المتأخرة لابن عبد البر وابن الأثير وابن حزم أن بطونًا وأسرًا متعددة من قريش البطائح (بنو هاشم، بنو أمية، بنو مطلب، بنو نوفل، بنو تيم، بنو مخزوم، بنو زهرة، بنو سهم، بنو أسد، بنو جُمح). وقريش الظواهر (بنو حارث، بنو فهر، بنو عامر، بنو لؤي وغيرها). قد وجد فيهم من أعلن الإِسلام، ثم كانت الأسر والبيوت المتفرعة من هذه البطون.
وطبقًا لما ورد في المصادر الإِسلامية فإن الإِسلام قد انتشر في معظم الأحيان بين هذه الأسر الفرعية ثم كانت البطون والأسر المتحالفة مع بطون وأسر قريش من مثل حلفاء بني بكير حلفاء بني عدي، وبني غنى حلفاء بني هاشم، وبني غنم بن دودان حلفاء بني أمية وغيرهم، ويعرف من الروايات أن الأسر المتحالفة المذكورة كانت بأكملها مسلمة ثم كانت طبقات الموالي والغلمان التي أثر فيها الإِسلام تأثيرًا كبيرًا مثلهم كبقية الفئات الأخرى، وقد رتب (ليون كيتاني ومونتجمري وات) وغيرهم، قوائم بقبائل وأسر مهاجري مكة، ولم يضمنوا هذه القوائم بعض أسماء رجال الإسلام، ومن العجيب أن هؤلاء الذين ينادون بحرية المرأة ومساواة المرأة بالرجل قد أخرجوا من قوائمهم أسماء النساء المسلمات والأطفال!!