يلزمنا لفهم النوعية الصحيحة للعلاقات السياسية للدولة الإِسلامية مع يهود المدينة أن نقف جيدًا على المعلومات الأولية والضرورية المتعلقة بتشكيل المجتمع الإِسلامي، وبناء وتطوير الدولة الإِسلامية في المدينة المنورة، وهي تلك الأمور التي كان ليهود المدينة صلة قريبة منها وعلاقة بها.
بعد الهجرة مباشرة قام ﷺ عن طريق المؤاخاة بإقامة علاقة محكمة من الأخوة وعلاقة قوية من المحبة بين مهاجري مكة وأنصار المدينة، فأوجد بين هاتين الطبقتين من المسلمين فكرًا مستقلًا وانسجامًا وتناسقًا اجتماعيًّا وسياسيًا واقتصاديًا، وقضى هذا الأمر على جميع ما من شأنه أن يوجد تنافرًا داخليًا بين المجتمع أو يوجد بصيصا لدلالة " أنا وأنت " داخل المجتمع المسلم الذي قام على دلالة " نحن ".
وكانت هذه أول خطوة عملية وربما أعظم عمل تطبيقي لقيام المجتمع الإِسلامي الصحيح. لقد كان المجتمع منظمًا تنظيمًا مستقلًا وثابتًا، وُضع أساسه بناء على حكم القرآن الكريم «إِنَّما الْمُؤْمنُونَ إِخْوَةٌ». وعن طريق هذا الحكم. أبعد الإِسلام امتيازات التفريق القبائلي والاجتماعي بنجاح كبير، ونُظّم المجتمع الإِسلامي على أساس الإِسلام فقط.
[ ٦٧ ]
ويذكر المستشرق " مونتجمري وات " ومن على شاكلته هذه المؤاخاة بطريقة عارضة بلا دليل أو شهادة. وهم يعتبرونها تدبيرًا عسكريًا أراد به ﷺ أن يوجد بين المهاجرين والأنصار انسجامًا عسكريًا في ميدان القتال.
ولرفض هذه النظرية نسوق دليلًا واحدًا ملخصه أنه لما كان هناك اختلاف في العدد بين مجاهدي المهاجرين ومجاهدي الأنصار، فكيف قام هذا الانسجام العسكري؟. في المهمات الأول وطبقًا للروايات المشهورة فإن المهاجرين فقط دون غيرهم هم الذين اشتركوا فيها. فكيف يمكن أن نقبل هذه النظرية التي يروجها المستشرقون، بينما المؤاخاة قد حدثت قبل ذلك بكثير، ثم إنه في الوقت الذي تمت فيه المؤاخاة لم تكن فكرة الحرب وميدان القتال قد ظهرت إلى الوجود.
وعلاوة على ذلك يفهم من الروايات أن المؤاخاة مع المهاجرين القادمين حتى فتح مكة، ظلت قائمة مع الأنصار، بل يمكن أن نجد لها أمثلة بعد فتح مكة.
وعلى كل حال يتضح من المصادر أن المؤاخاة كانت محاولة لإيجاد مجتمع مستقل متجانس كانت فيه قضية حق الوراثة قضية عرضية، أما بقية النظام فقد ظل موجودًا حتى النهاية، وهو النظام الذي بُني عليه المجتمع الإِسلامي وتطور وارتقى بل وكان وجوده منحصرًا عليه تمامًا.