بعد وفاة رسول الله ﷺ، أُعلن العصيان في بعض مناطق الجزيرة العربية ضد الإسلام ومركز الإسلام " المدينة "، وهو العصيان الذي أطلق عليه المؤرخون المسلمون " الردة " أو " الارتداد ".
وقد حاول المستشرقون بصفة عامة، والمؤلفون المحدثون بصفة خاصة، اعتبار فتنة الردة هذه عصيانًا سياسيًا ورغبة تحرر طبيعية لدى قبائل العرب، ورغبة في التحرر من التسلط السياسي والعسكري لخلافة الصديق وسيطرة المدينة. والمستشرقون -طبقًا لأسلوب فكرهم الخاص- قالوا إن هذه الحركة كانت رغبة ومحاولة للحصول على الحرية، ويرون أن إطلاق اسم " ردة " أو " ارتداد " عليها إنما هو خطأ، وذلك لأنه إذا أطلقنا هذا الاسم
[ ١٠٠ ]
على هذه الحركة المعادية للإسلام فإنه يستلزم أن يكون العصاة قد أسلموا قبلًا ثم تركوا الإِسلام بعد وفاة النبي. والمستشرقون لا يريدون أن يعترفوا أن شبه الجزيرة العربية كلها كانت خاضعة لراية الإسلام في العهد النبوي، ففي ظنهم أنه لم تكن هناك قبيلة مسلمة سوى مهاجري قريش وأنصار المدينة وبعض القبائل في وسط الجزيرة، أما بقية القبائل العربية فقد قبلت بالتفوق السياسي للمدينة والرسول، وبعد وفاته أرادت أن تتخلص من هذا الخضوع، ومن هنا حاولت أن تتحرر من سيطرة المدينة وتنال استقلالها القديم.
ولم ينكر المستشرقون فقط أن قبائل المنطقة الحدودية (بالجزيرة العربية) قد قبلت الإِسلام، بل إن من يمشون في ركابهم من مثل خورشيد أحمد فاروق ينكرون أيضًا أن قبائل المنطقة المركزية (وسط الجزيرة) والعرب الوسطى قد قبلت الإِسلام ويقول:
" كان أول هدف عسكري خطير، وأقرب هدف عسكري خطير، وأهم هدف عسكري خطير أمام أبي بكر هو نجد، حيث كانت تسكن قبائل ذات حال حسن إلى حدٍّ ما، ومتمدنة ومتحدة، منها عامر وهوازن وسليم وفزارة وعبس وذبيان وأسد وطيىء وتميم وحنيفة، وكانت في عددها وقوتها أكثر من القبائل الأخرى. ومن هذه القبائل لم يدخل في الإِسلام إلا خمسة أو عشرة في قبيلة ما وفي قبيلة أخرى خمسون أو مائة ولا أكثر من ذلك، وكان السواد الأعظم منهم إما أنهم خاضعون للمدينة ويعارضون الصلاة والزكاة، وإما أنهم خضعوا للمدينة خضوعًا اسميًّا فقط، حتى يحفظوا على أنفسهم استقلالهم، وكانوا على استعداد لتحمل أداء فريضة الصلاة بشرط إسقاط الزكاة ".
والكاتب المذكور في بيانه هنا، بالإضافة إلى أنه خلط وأخطأ في ذكر منطقة السكن الجغرافي للقبائل وعدد آخر من الأمور، فالأهم من ذلك أنه ذكر أن الإسلام لم ينتشر بين القبائل المذكورة، وإذا انتشر فقد انتشر على نطاق ضيق جدًّا.
[ ١٠١ ]
ونسوق مثالًا واحدًا هنا دليلًا على خطئه، فطبقًا لبيان ابن إسحاق فإن بني سليم فقط قد أعدوا ألف مجاهد تقريبًا لرسول الله ﷺ لمهمة فتح مكة. فهل كانوا جميعًا غير مسلمين؟ ثم إنه ذكر أن هوازن وطيئا وغيرهم لم يكونوا مسلمين، بينما كانوا قد أسلموا. وهوازن لم يشاركوا في الردة. ودعوى المؤرخ المذكور هي في الواقع على عكس الواقع، أي أن السواد الأعظم كان من المسلمين، وأن عددًا قليلًا كان غير مسلم، وبعد وفاة النبي ﷺ نجحوا في التشويش على الآخرين. والخطورة الأكثر هنا هي تلك الحملة الخطرة التي قادها الكاتب خورشيد فاروق، فقال عن القبائل العربية إنها لم تكن مع المدينة ومع الإسلام بإيمان القلب وبإخلاص النية وصدقها، بل كانت معها نفاقًا وخوفًا من الخليفة، أو بسبب علاقة قرب مع رسول الله ﷺ أو منة.
ثم يقول الكاتب المذكور: " ظلت قريش مكة وثقيف الطائف وبعض فروع قبائل نجد وعدة قبائل من قبائل المناطق المحيطة بالمدينة، بالإضافة إلى مزينة وجهينة وغفار وأسلم وأشجع وكعب، وهي القبائل التي خافت على نفسها عقاب الخليفة العسكري، أو كانت تربطها مع رسول الله قرابة أسرية، أو نتيجة لإحسانه وفضله، هذه القبائل ظلت تمسك بتلابيب الإسلام، أما بقية العرب فقد تغيرت اتجاهاتها وتغير لونها وعقدت العزم على التحرر من سيطرة المدينة ".
وطبقًا لبيان الكاتب المذكور لم يقبل أحد الإسلام في العهد النبوي بإخلاص من كل قلبه أو بفهم وإدراك، كما أن أحدًا لم يشأ أن يظل قائمًا على الإسلام بعد وفاة الرسول بإخلاص وإيمان، لقد قام عدي بن حاتم الطائي بإدخال قبيلته الباغية وبقية القبائل، وبخاصة بعض جماعات جديلة وأسد إلى حظيرة الإسلام بعد حرب بزاحة، إلا أن البروفيسر فاروق يرى أن عودتهم
[ ١٠٢ ]
إلى الإسلام كانت بسبب مصلحة سياسية وضغط عسكري أو بسبب الخوف والعقاب.
كما قرر الكاتب المذكور أن الثلاثة الذين ادعوا النبوة، مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وأسود العنسي، هم رؤساء أكبر قبائل البلاد، وذكر أنه نتيجة لسوء نواياهم وقلوبهم السوداء انفصلوا عن رسول الله وتحرروا من سيطرته، كما ذكر أنهم كانوا أكبر منافسين للنبي ﷺ، واعترف أيضًا بنبوتهم، كما اتهم بني هاشم والأنصار بعدم التعاون في حروب الردة، وعدم اشتراكهم في الجهاد الإِسلامي، بينما يذكر من ناحية أخرى أنه في حرب اليمامة اشتركت جماعة عددها أربعمائة أو أربعمائة وخمسون من الأنصار، كما يرى أيضًا أنه من بين الألف ومائتي شهيد من شهداء حرب اليمامة لا يزيد عدد المهاجرين والأنصار عن ثلاثمائة وهكذا نرى البيانات والمعلومات التي ساقها خورشيد فاروق مليئة بالتضاد والتناقض في كل السطور وفي كل الصفحات.
يريد المستشرقون ومن والاهم في الهند من مثل خورشيد أحمد فاروق، أن يثبتوا من خلال حروب الردة أن الإِسلام قد راج في العهد النبوي بين القبائل المركزية فقط، وأن بقية القبائل في نجد وتهامة واليمامة لم تدخل الإسلام، وإن كانت قد قبلت الإِسلام فإنما كان ذلك في الظاهر فقط، أما قبائل مناطق الحدود فكانت جميعها على غير الإسلام، وما حدث أصلًا كان عصيانًا سياسيًا لا ردة، لأنهم لم يسلموا أصلًا، وهذا العصيان كان يهدف إلى الحصول على الحرية الإقليمية، والتخلص من سيطرة المدينة، والتحرر من العبء الاقتصادي الملقى على كاهلها من قبل المدينة، ولقد أحاط العصيان السياسي بالبلاد جميعها ولم ينج منه سوى بعض المناطق المركزية، ولم يقم الخليفة الأول بسحق العصيان بحد السيف، بل أوقع العديد من المظالم الشديدة في المتمردين وأجبرهم بالقوة على قبول الإِسلام.
[ ١٠٣ ]
يفهم من مطالعة التاريخ الإِسلامي أن النظريات السيئة لهذه المؤلفات كلها اتهامات خاطئة، إذ إن جميع العرب قد أسلموا في العهد النبوي سوى سكان بعض المناطق القليلة للقبائل التي تعيش على الحدود، ولم تقبل قبائل هوازن، غطفان (عدا فزارة)، سليم، مزينة، جهينة، أسلم غفار، طيىء (عدا عوت وجديلة) خزاعة، كنانة، ثقيف، قريش، أنصار المدينة الأوس والخزرج أزد، أزد شنوءة، عبد قيس، وتميم (على الأقل ثلاثة فروع) وعدد آخر من القبائل، لم تقبل هذه القبائل الإسلام فقط وتقيم عليه، بل إن جميع أفرادها وشيوخها قد ظلوا على الإسلام في زمان تلك الفتنة، والقول بأن إسلام هذه القبائل كان إسلامًا ظاهريًا أو للعرض فقط أو بسبب من الأسباب الأخرى، إنما هو بمثابة مزاح على صفحات التاريخ الإسلامي، لقد سقوا الإسلام بدمائهم في حروب الردة. ويحاول خورشيد فاروق ومن هم على شاكلته من الأساتذة أن يضعوا هؤلاء الذين ادعوا النبوة في صف واحد مع رسول الله ﷺ، بينما يفهم من الروايات أن الذين آمنوا بأقوال أولئك المتنبيين قد عادوا فكذبوا دعواهم تلك، ولم يبق معهم سوى من جمعتهم بهم العصبية القبلية.
لقد قام أبناء اليمن الذين ترأسهم فيروز الديلمي بالجهاد ضد الأسود العنسي، وقضوا عليه وسحقوا حركته، وقامت بعض جماعات قبيلة كل من طليحة الأسدي ومسيلمة الحنفي بالاشتراك في الجهاد الإسلامي، لقد كانت هذه فتنة الردة أساسًا، اشتركت فيها فقط بعض القبائل التي لم تتلق تعليمًا صحيحًا ولا تربية صحيحة.
لقد كان للعوامل الاقتصادية والعوامل السياسية دخل، إلا أن هذا لا يمكن أن يتطور ليتخذ شكل العصيان ضد الدين، لقد أرادت بعض الفئات التخلص من أداء الزكاة، إلا أنها كانت صادقة في مطلبها هذا، إذ ستقيم بقية أركان
[ ١٠٤ ]
الدين؛ لأن هذه الفئات فهمت خطأ أن الزكاة واجبة فقط في حياة الرسول، ومصادرنا فيما يتعلق بهذه الفتنة قد حللت الفتنة تحليلًا صحيحًا حين قسمت المرتدين إلى طبقات ثلاث:
الطبقة الأولى: مانعو الزكاة. أنكرت هذه الطبقة إعطاء الزكاة، ولم تنكر أي ركن آخر من أركان الدين.
الطبقة الثانية: شملت أولئك الذين تركوا الإسلام وارتدوا.
الطبقة الثالثة: شملت من ادَّعوا النبوة ممن كانوا يحلمون بتحقيق سلطة سياسية في ظل ادعائهم النبوة.
وفيما يتعلق بدائرة فتنة الارتداد والعصيان، فيمكن أن تحدد عن طريق منازل الجيوش الأحد عشر التي كان أبو بكر قد أرسلها لقتال مختلف المرتدين والعصاة وقادة القبائل التي ظهر فيها مدعو النبوة. وقام الخليفة الأول نفسه بالاشتراك مع الجيش الذي قام ضد العصاة في رندة وذي القصة، وكانوا قد تجمعوا في مناطق مختلفة هناك، في محاولة للهجوم على المدينة إن وجدوا فرصة لذلك، أما باقي الجيوش فقد قام خالد المخزومي لمحاربة جيش بقيادة طلحة الأسدي كما أرسل عكرمة بن أبي جهل المخزومي وشرحبيل بن حسنة الكندي لقمع قبيلة بني حنيفة باليمامة الذي كان رأسها هو مدعي النبوة مسيلمة الكذاب، كما أرسل عمرو بن العاص لقتال المرتدين من قبائل قضاعة وكلب، وأرسل طريفة بن حاصر السلمي لمواجهة بني سليم، كما أرسل خالد بن سعيد الأموي لقتال المرتدين في المناطق الغربية من حدود الشام، بينما أرسل مهاجر ابن أبي أمية إلى اليمن، وأرسل السويد بن مقرن إلى تهامة اليمن، وأرسل عرفجة ابن هرثمة إلى مهرة، وأرسل حذيفة بن المحصن الأزدي إلى عُمان وعلاء بن حضرمي إلى البحرين.
يثبت من التحليل السابق أن المناطق الحدودية فقط هي التي أججت نيران
[ ١٠٥ ]
الردة، أما العرب الوسطى فقد ارتد منها منطقة أسد وطيىء فقط، وهناك حقيقة هامة أن من بين القبائل المرتدة عددًا كبيرًا جدًا من المسلمين المخلصين الذين حافظوا على عقيدتهم بدمائهم وقت المحنة وأعلنوا الجهاد ضد المرتدين من قبيلتهم بعد قدوم جيوش الإسلام، ولهذا فمن الخطأ أن نقول بأن الردة أو الارتداد أو العصيان شمل العرب كلهم. والنظرية الأكثر خطأ هي تلك التي تقول بأن الخليفة الأول قد نشر الإسلام بحد السيف حتى أدخل العرب في الإسلام. وإنه ليثبت من خلال دائرة الإجراءات العسكرية والنطاق الذي تناولته العمليات العسكرية أنه لا يمكن إجبار العرب عن طريق القوة بقبول الإسلام، وتثبت الوقائع التاريخية أن عددًا من العصاة والمرتدين قد دخلوا دائرة الإسلام باقتناع ثم إن الإسلام لا يقول أبدًا بإجبار الناس بالقوة على اعتناق الدين. ومن هنا فإن التحليل التاريخي الذي يحاول المستشرقون والمؤرخون الجدد نشره بين الناس إنما بني على روايات خاطئة وأدلة ممسوخة واستنتاجات فاسدة.