_________________
(١) - البداية والنهاية (٧ / ٣٢٥ - ٣٢٩) بتصرف
[ ٧٢ ]
يقول ابن كثير: (إن عليًا - ﵁ - لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال: لا لكن أدعكم كما ترككم رسول الله - ﷺيعني بغير استخلاف. فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ. فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن.لأنه أكبر بنيه - ﵃ - ودفن بدار الإمارة على الصحيح من أقوال الناس فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي - ﵁ - قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان تحت يده أربعون ألف مقاتل قد بايعوا عليًا على الموت فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسًا عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يسمع بمثله،فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفًا بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدًا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضًا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطًا كان جالسًا عليه،وطعنه بعضهم فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، فلما استقر الجيش بالقصر، قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف والغني؟ قال: ماذا؟ قال تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله - ﷺ -، ولما رأى الحسن بن علي تفرق
[ ٧٣ ]
جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان- فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف درهم وأن يكون خراج دار أبجرد له وأن لا يُسب علي وهو يسمع فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية ويحقن الدماء بين المسلمين فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية، وقد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه والصواب مع الحسن - ﵁ - والمشهور أن مبايعة الحسن كانت في سنة أربعين ولهذا يقال له عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على معاوية والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين وقال ابن جرير في هذه السنة (يعني سنة إحدى وأربعين) سلّم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبي سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون من سالمت محاربون من حاربت فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب فازداد لهم بغضًا وازداد منهم ذعرًا. فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران، وروى البخاري في كتاب الصلح عن أبي موسى قال: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة أخرى ويقول "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (١) .
_________________
(١) البخاري في كتاب الصلح برقم ٢٧٠٤ نقلا عن حاشية محمد بيومي
[ ٧٤ ]
وروى الحافظ الخطيب البغدادي: حدثنا بن جعفر محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي حدثنا عباس بن محمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو روق الهمداني حدثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفًا بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي على الكوفة قال له رجل منا يقال له: أبو عامر سعيد بن النتل: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر. لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك، ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد وقد كان عزم على الشقاق وحصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي ومعه إخوه الحسين وبقية أخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه (١) على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك هو البار الراشد الممدوح وليس يجد في صدره حرجًا ولا تلومًا ولا ندمًا بل هو راضٍ بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقًا من ذويه وأهله وشيعتهم، - ﵁ - وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه) (٢) .
فضل معاوية بن أبي سفيان
_________________
(١) يبكتونه: يقرعونه. القاموس.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ٣٨١-٣٨٦) وأنظر الكامل في التاريخ ٣/٨٥-٨٧ بتصرف
[ ٧٥ ]
يقول ابن كثير: (هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الأموي خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعه بن عبد شمس يوم الفتح وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب وكان رئيسًا مطاعًا ذا مال جزيل ثم أصبح معاوية من كتّاب الوحي لرسول الله - ﷺ - ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادًا أخرى وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة.
[ ٧٦ ]
وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: مازلت موقنًا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية يعني " من قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا " [الإسراء:٣٣] فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه قتلة عثمان حدثت تلك الأحداث العظيمة التي ذكرناها في الباب الثاني في هذا البحث، ثم استفحل أمر معاوية ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أهل العراق حتى قتله ابن ملجم فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي وأهل الشام لمعاوية بن سفيان، ثم خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - وكان ذلك في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعدما بايعه الناس واستوثقت لهُ الممالك شرقًا وغربًا وبعدًا وقربًا، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة) (١) (وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركهِ من طريق أبي عوانه عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله - ﷺ -، قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على الباب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين، ثم قال " اذهب فادعُ لي معاوية " وكان يكتب الوحي. قال: فذهبت فدعوته لهُ فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: له إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنهُ يأكل فأخبرتهُ، فقال في الثالثة " لا أشبع الله بطنه " قال: فما شبع بعدها (٢) . يقول ابن كثير: " وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرًا كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئًا كثيرًا، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة
_________________
(١) - البداية والنهاية (٨-٣٨٩) بتصرف
(٢) - مسلم ٢٦٠٤
[ ٧٧ ]
ومعدة يرغب ُ فيها كلِ الملوك) (١)، وأما في الآخرة فيقول الشيخ عبد المحسن العباد: (وقد ختم الإمام مسلم ﵀ بهذا الحديث الأحاديث الواردة في دعاء النبي - ﷺ - أن يجعل ما صدر منه من سب ودعاء على أحد ليس هو أهلًا لذلك أن يجعله له زكاة وأجرًا ورحمة وذلك كقوله: " تربت يمينك، وثكلتك أمك، عقري حلقي ولا كبرت سنك "، فقد أورد في صحيحه عدّة أحاديث. أحدها هذا الحديث، وقبله حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: كانت لأم سليم يتيمة، وأم سليم هي أم أنس، فرآها رسول الله - ﷺ - فقال: " أأنت هي لقد كبرتِ لا كبر سنّك ". فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت لها أم سليم: ما لك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا عليَّ النبي - ﷺ - أن لا يكبر سنّي، فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت قرني. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله - ﷺ -، فقال لها رسول الله - ﷺ -: " ما لك يا أم سليم؟ "، قالت: يا رسول الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: " وما ذاك يا أم سليم؟ "، قالت: زَعَمَتْ أنك دعوت عليها أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله - ﷺ - ثم قال: " يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة ".
_________________
(١) - البداية والنهاية (٨/ ٤٩٣)
[ ٧٨ ]
وعقب هذا الحديث مباشرة أورد مسلم ﵀ الحديث الذي قال فيه رسول الله - ﷺ - في معاوية: " لا أشبع الله بطنه ". وهذا من حسن صنيع مسلم ﵀ وجودة ترتيبه لصحيحه، وهو من دقيق فهمه، وحسن استنباطه ﵀) (١) يقول ابن كثير في تاريخه: قلت: (قد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان ثم ذكر سندًا عن ابن أبي مليكه قال: أوترَ معاوية بعد العشاء بركعة وعندهُ مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله - ﷺ -. حدثنا بن أبي مريم حدثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب. إنه فقيه) (٢) .
(روى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله - ﷺفي المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده فسلمت عليه وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتًا وأُجيف الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قُضِي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غُفِر لي ورب الكعبة.
_________________
(١) ٤) - من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية للشيخ العباد: ص١٩، قلت: لقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث تعليقًا جميلا وطويلا ومن أرادهُ فليرجع إلى السلسلة الصحيحة ج١ ص١٦٤ حديث رقم ٨٢، وكذلك أنظر مشكاة المصابيح الحديث رقم ٢٦٦٩
(٢) - رواه البخاري ٣٧٦٤ - ٣٧٦٥ البداية والنهاية ٨-٤٩٦
[ ٧٩ ]
وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل عليًا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄ وسئل الإمام أحمد عن ما جرى بين علي ومعاوية فقرأ: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون") (١) [البقرة: ١٣٤] .
يقول أحد السلف وهو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي قال: (إن معاوية بن أبي سفيان ستر لأصحاب رسول الله - ﷺ - فمن كشف الستر اجترأ على ما وراءه) . (٢)
(وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي بن أبي طالب ﵁ إلى معاوية جعل يبكي فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. وفي رواية أنها قالت: بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟) (٣)
خروج طائفة من الخوارج على معاوية
_________________
(١) - البداية والنهاية (٨/ ٥٠٣ - ٥٠٤
(٢) - من أقوال المنصفين ص ٣
(٣) - البداية والنهاية (٨/ ٥٠٤)
[ ٨٠ ]
يقول ابن كثير: (كان سبب ذلك أن معاوية ﵁ لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز قالت فرقة من الخوارج نحو خمسمائة. جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل. فبعث إليهم معاوية خيلًا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفينا كموه، وإن أُصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم ولى معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها فبعث معاوية جيشًا ليقتلوه ومن معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفى عنهم وأطلقهم وولي على البصرة بسر ابن أبي أرطأة وبعد خروج هذه الطائفة بسنتين وتحديدًا سنة ثلاث وأربعين. كانت وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة،وذلك أنهم صمموا على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز لهم المغيرة بن شعبة جندًا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار، فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس فنزل وصلى بأصحابه،ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة. فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان
[ ٨١ ]
فليقاتلوا بين يديك فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حملت الخوارج على معقل وأصحابه فانجفل عنه عامة أصحابه فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالًا شديدًا، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، وهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة. ووقعوا في أرض نهر شير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد - نائب المدائن- ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة) (١) .
أخذ معاوية - ﵁البيعة لابنه يزيد سنة إحدى وخمسين هجري
_________________
(١) -البداية والنهاية (٨/٣٨٩-٣٩٢) بتصرف
[ ٨٢ ]
روى خليفة بن خياط في تاريخه (عن وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: أخبرنا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنت تحد ثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث عملوا الخيار، وأنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوددت إنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنفرنها عليك جذعه ثم وثب فقام. فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام فراح معاوية فصعد المنبر فحمد
[ ٨٣ ]
الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل. فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام، ثم روي ابن خياط عن وهب قال: حدثني أبي عن أيوب عن نافع قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: والله ليبايعن أو لا قتلنه، فخرج عبيد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه فأخبره، وسار إلى مكة ثلاثا، فلما أخبره بكى ابن عمر، فبلغ الخبر عبد الله بن صفوان فد خل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. فقال: ما تريد؟ أتريد قتاله؟ فقال: يا بن صفوان الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لئن أراد ذلك لأقاتلنه. فقدم معاوية مكة، فنزل ذا طوى، فخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ فقال: أنا أقتل ابن عمر!! إني والله لا أقتله. حدثنا وهب بن جرير قال: حدثني جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما كان قريبا من مكة، قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدا يسير معي إلا من حملته أنا. فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبا وأهلا يا بن بنت رسول الله - ﷺ -، سيد شباب المسلمين، دابة لأبي عبد الله يركبها، فأتي ببرذون فتحول عليه، ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحبا وأهلا بشيخ قريش وسيدها وابن صديق هذه الأمة، دابة لأبي محمد، فأتي ببرذون فركبه، ثم طلع ابن عمر فقال: مر حبا وأهلا بصاحب رسول الله - ﷺ - وابن الفاروق
[ ٨٤ ]
وسيد المسلمين ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال له: مرحبا وأهلا يا بن حواري رسول الله - ﷺ -، وابن الصديق وابن عمة رسول الله، ثم دعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى د خل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة لا يعرض لهم بذكر شئ مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله، وقرب مسيرة إلى الكعبة وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع بكم لحبكم ولا كرامتكم، وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جوابا. وأقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله؟ قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها هو أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد لعبد الرحمن بن أبي بكر فقال: لست هناك وفيكم صاحب رسول الله - ﷺوابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر -. فقالوا لابن عمر: أنت؟ قال: لست بصاحبكم ولكن ولوا الكلام ابن الزبير يكفيكم. قالوا: أنت يا بن الزبير. قال: نعم إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم ألا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن فأذن لهم، فدخلوا، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وصفحي عنكم وحملي لما يكون منكم، ويزيد بن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس فيكم رأيا، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونون أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجبون وتقسمون، لا يدخل عليكم في شئ من ذلك، فسكت القوم فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا بن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. قال: نعم يا أمير المؤمنين نخيرك بين ثلاث خصال أيها ما أخذت فهو لك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهن. قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله - ﷺ -، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه
[ ٨٥ ]
وسلم، وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر. قال: لله أبوك وما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله - ﷺ - فلم يعهد ولم يستخلف أحدا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع هذا الأمر حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم فقال: إنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، إن أبا بكر كان رجلا تقطع دونه الأعناق، وإني لست آمن عليكم الاختلاف. قال: صدقت والله ما تحب أن تدعنا على هذه الأمة. قال فاصنع ما صنع أبو بكر. قال: لله أبوك قال: وما صنع أبو بكر؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه ولا من رهطه الأدنين فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أي رجل من قريش شئت ليس من بني عبد شمس فترضى به قال: لله أبوك الثالثة ما هي؟ قال: تصنع ما صنع عمر. قال: وما صنع عمر؟ قال: جعل هذا الأمر شورى في ستة نفر من قريش، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه ولا من رهطه. قال: فهل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. قال: أما أنا فإني أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، وإنه قد كان يقوم منكم القائم إلي فيكذبني على رؤوس الناس، فأحتمل له ذلك وأصفح عنه. وإني قائم بمقالة إن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي، وإني أقسم لكم بالله لئن رد علي منكم إنسان كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه، فلا يرعين رجل إلا على نفسه، ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رجل يرد علي كلمة في مقامي هذا بصدق أو كذب فليضرباه بسيفيهما (١)
_________________
(١) - قلت: إذا صحت هذه الرواية فإن مسألة الولاية مسألة اجتهادية، وقد عزل عمر بن الخطاب سعد بن وقاص وولى من دونه في الفضل، ولعل معاوية - ﵁رأي أنه في ترك الناس هكذا فساد عظيم وبلاء جسيم فا لذلك أختار لهم يزيد، أما اتهام يزيد بالفسق وشرب الخمر، فهذا من الكذب الظاهر، وندع محمد بن عليّ بن أبي طالب ﵁ يجيب على هذا الادعاء لأنه أقام عند يزيد وهو أدرى به، قال ابن كثير في البداية «لما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدّى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنّعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ ولست من أمركم في شيء، قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك فنحن نولّيك أمرنا. قال: ما استحل القتال على ما تريدونني عليه تابعًا ولا متبوعًا، فقالوا: فقد قاتلت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، فقالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا، قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقامًا نحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله!! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذًا ما نصحت لله في عباده قالوا: إذًا نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة. البداية والنهاية.٨/ ٦٠٤
[ ٨٦ ]
، ثم خرج وخرجوا معه حتى إذا رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم ولا نقضي أمرا إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد بن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا بسم الله، فضربوا على يديه ثم جلس على راحلته وانصرف فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم فلا أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس ثم خرج إلى الشام. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا، وحدثنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأود ي عن حميد بن عبد الرحمن قال: د خلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها ولا أعظمها فيها شرفا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لإن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهر يق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذ لك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يأتيك من الحياء إلا خير) (١) .
وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب
_________________
(١) -تاريخ خليفة بن خياط ص ٩٩- ١٠٢ بتصرف
[ ٨٧ ]
يقول ابن كثير: (هو أبو محمد القرشي الهاشمي سِبْط رسول الله - ﷺ - ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله - ﷺ - بريقه وسماه حسنًا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله - ﷺ - يحبه حبًا شديدًا، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول " بأبي شبه النبي، وليس شبيهًا لعلي" قال: وعلي يضحك (١) وقال أبو داود والطيالسي: حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك (٢) وقال أحمد: حدثنا حازم بن الفضيل حدثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهد ي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: كان النبي ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: " اللهم ارحمهما فإني ارحمهما " (٣) وفي رواية " اللهم أحبهما فإني أحبهما " وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول " اللهم أحبه فإني أحبه" (٤) وقال الأصمعي: عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله قال: رأى الحسن
_________________
(١) -رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي. ٣٧٥٠ نقلًا: عن محمد بيومي حاشية البداية٨/٤٠٢
(٢) - رواه أبو داود والطيالسي ١٣٠ نقلًا: عن محمد بيومي حاشية البداية ٨/٤٠٢
(٣) -البخاري في فضائل أصحاب النبي ٣٧٤٧ وأحمد ٥/٢٠٥. نقلًا: عن محمد بيومي حاشية البداية ٨/٤٠٢
(٤) -متفق علية البخاري برقم (٣٧٤٩) ومسلم برقم ٢٤٢٢. نقلًا: عن محمد بيومي حاشية البداية ص٨/٤٠٢
[ ٨٨ ]
بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه، (قل هو الله أحد) ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقلَّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أيامًا حتى مات. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمير بن إسحاق، قال: " دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارًا وما سقيت مرة هي أشد من هذه، قال: وجعل يقول لذلك الرجل سلني قبل أن لا تسألني. فقال: ما أسألك شيئًا يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد، وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي! من صاحبك؟ قال: تريد قتله، قال نعم! قال: لئن كان صاحبي الذي أظن الله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا، وإن لم يكن هو ما أحب أن تقتل بي بريئًا. ورواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال أبو نعيم: " لما أشتد بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ وما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة وعلى جديك النبي - ﷺ - وخديجة وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب والطاهر وإبراهيم، وعلى خالاتك زينب ورقية وأم كلثوم، قال: فسري عنه. وقيل: إن القائل له ذلك أخوه الحسين وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمرٍ من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقًا من خلق الله لم أرَ مثله قط، قال: فبكى الحسين - ﵃ -. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وتوفي الحسن وهو ابن سبع وأربعين سنة والمشهور أنه مات سنة ٤٩ هـ) (١)
وفاة معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -
_________________
(١) -البداية والنهاية ٨ / -٤١٢ ٤١٣- ٤١٤ بتصرف.
[ ٨٩ ]
وقال ابن أبي الدنيا: (حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خيرٌ مني، إنما يليكم من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرًا مني، ويا يزيد إذا دنا أجلي فولِ غسلي رجلًا لبيبًا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره فاستودع القراضة أنفي وفمي، وأذني وعيني، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافي، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين. فإذا ادرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وارحم الراحمين.) (١)
(وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر:
إن تناقش يكن نقاشكَ يا ربُ عذابًا لا طوقَ لي بالعذابِ
أو تجاوز تجاوزَ العفوِ واصفحْ عن مسيءٍ ذنوبهُ كالترابِ
وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدًا على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء ٤٨
اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبي عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق:
هو الموتُ لا منجا منَ الموتِ والذي نحاذرُ بعد الموتِ أدهى وأفظعُ
_________________
(١) -المصدر السابق ٨/٥١٤- ٥١٥
[ ٩٠ ]
ثم قال: اللهم أقلِ العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرجَ غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك، رواه ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيده عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي، ثم مات ﵀. ولا خلاف أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين.
وقال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبًا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن بدار الإمارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور والله أعلم، وكان عمره آنذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر) (١) قال أبو زرعة قال سمعت أبا مسهر - أملاه علينا: أن معاوية بويع سنة أربعين وهو عام الجماعة فأقام عشرين سنة إلا شهرًا (٢)
توجه الحسين بن علي - ﵁إلى العراق
_________________
(١) - البداية والنهاية ٨ / ٥١٥-٥١٦
(٢) - تاريخ أبي زرعة الدمشقي - ١٨
[ ٩١ ]
قال ابن كثير: (لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشيء من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد- فإن مسلمًا قتل يوم عرفة- ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك،وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكّروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم، وقال غير واحد عن شبابه بن سوار قال: حدثنا يحي بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليالٍ فقال: أين تريد؟ قال: العراق وإذ معه كتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم فأبى، فقال ابن عمر: إني محدثك حديثًا، إن جبريل أتى النبي - ﷺ - فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله والله ما يليها أحدُ منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع.قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل.
وقال يحي بن معين:حدثنا أبوعبيدة حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني ببني هاشم فُتح هذا الأمر، وببني هاشم يُختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة.
[ ٩٢ ]
وقال ابن الزبير للحسين: أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أن تُستحل بي - يعني مكة) (١)
(وهذا هو موقف ابن الزبير ﵁ مثل باقي كبار الصحابة الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج والحجة في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن قال: لقي عبد الله بن الزبير الحسين بن علي بمكة فقال: يا أبا عبد الله بلغني أنك تريد العراق، قال: أجل، قال فلا تفعل، فإنهم قتلة أبيك، الطاعنين بطن أخيك وإن أتيتهم قتلوك. المصنف "٧ /٤٧٧ "، وهذا الأثر يرد على مزاعم الإخباريين حول تحريض ابن الزبير للحسين بن علي رضوان الله عنهم أجمعين على الخروج على يزيد بن معاوية. وأن ابن الزبير ضاق من وجود الحسين بمكة، وأنه كان يطمع بالخلافة، وأن يخلو له الجو كما يقولون، وأن تخلو له الساحة والميدان) (٢)
_________________
(١) - البداية والنهاية ٨/ ٥٣٢-٥٣٣ بتصرف
(٢) - استشهاد الحسين ص/ ٣-٥ بتصرف
[ ٩٣ ]
وروى محمد بن سعد قال: (لما بايع الناس معاوية ليزيد كان الحسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة عنهم، فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف) (١) . (وقال محمد بن سعيد: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه للحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمي يا بن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلى ولا أرهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة - يعني مقنعتها) (٢) .
_________________
(١) - البداية والنهاية ٨ / ٥٣٤
(٢) -البداية والنهاية (٨/ ٥٤١)
[ ٩٤ ]
(وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن بعض مشيخته قال: قال الحسين حين نزلوا كر بلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كر بلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فيَ ما رأى، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجو شن: لا! إن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجو شن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الإمرة وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلًا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئًا؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه) (١) .