وعاد الإخشيد من الرقة إلى حلب، وسار إلى مصر. وولي بحلب من قبله أبا الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي، وولى أخاه أنطاكية. فحسد أبا الفتح إخوته الكلابيون، وراسلوا سيف الدولة بن حمدان أن يسلموا إليه حلب، وقد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: الشام أمامك، وما فيه أحد يمنعك منه.
[ ١٨ ]
وعرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين، وضعف أبي الفتح عن مقاومته فسار إلى حلب؛ فلما وصل على الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم للقاء سيف الدولة، فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم، وعلم حسدهم له، فخرج معهم.
فلما قطع سيف الدولة الفرات، أكرم أبا الفتح دون إخوته وأركبه معه في العماريّة، وجعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها: ما اسمها؟ فيقول أبو الفتح: هذه الفلانية، حتى عبروا بقرية يقال لها إبرم وهي قرية قريبة من الفايا. فقال سيف الدولة: ما اسم هذه القرية؟ قال أبو الفتح: إبرم. فظن سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال. فقال: إبرم من الإبرام. فسكت سيف الدولة عن سؤاله. فلما عبروا بقرية كبيرة. ولم يٍسأله عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة. فقال أبو الفتح: يا سيدي يا سيف الدولة، وحق رأسك، إن القرية التي عبرنا عليها اسمها إبرم، واسأل عنها غيري. فعجب سيف الدولة بذكائه. فلما وصل حلب أجلسه معه على السرير.
ودخل سيف الدولة حلب يوم الاثنين من شهر ربيع الأول سنة ٣٣٣.
وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله. وولي أبا حصين علي بن عبد الكريم بن بدر بن الهيثم الرقي، وكان ظالمًا، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة. وقال: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك، وعلى أبي حصين الدّرك.
ثم إن الإخشيد سيّر عسكرًا إلى حلب مع كافور ويانس المؤنسي، وكان الأمير سيف الدولة غازيًا بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف وعربسوس فغنم، ورجع فسار لطيته إلى الإخشيدية، فلقيهم بالرستن. فحمل سيف الدولة على كافور فانهزم وازدحم أصحابه في جسر الرستن، فوقع في النهر منهم جماعة.
ورفع سيف الدولة السيف، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحداُ منهم. وقال: الدم لي والمال لكم. فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء وغيرهم، واحتوى على جميع سواده.
ومضى كافور هاربًا إلى حمص، وسار منها إلى دمشق، وكتب إلى الإخشيد يعلمه بهزيمته، وأطلق سيف الدولة الأسارى جميعهم، فمضوا وشكروا فعله.
ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، ودخلها في شهر رمضان سنة ٣٣٣. وأقام بها يكاتب الإخشيد، يلتمس منه الموادعة، والاقتصار على ما في يده. فلم يفعل. وخرج سيف الدولة إلى الأعراب، فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها، فبلغ الإخشيد ذلك، فسار من الرملة وتوجه يطلب سيف الدولة، فلما وصل طبرية عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب، لأن أكثر أصحابه وعسكره استأمنوا إلى الإخشيد، فابتعه الإخشيد إلى أن نزل بمعرة النعمان. في جيش عظيم، فجمع سيف الدولة، ولقيه بأرض قنسرين في شوال سنة ٣٣٣.
وكان الإخشيد قد جعل مطارده، وبوقاته في المقدمة، وانتقى من عسكره نحو عشرة آلاف، وسماهم الصابرية فوقف بهم في الساقة.
فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيد فهزمها، وقصد قبته وخيمه وهو يظنه في المقدمة، فحمل الإخشيد ومع الصابرية فاستخلص سواده. ولم يقتل من العسكرين غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان، من قبل الإخشيد، فإنه حمل على سيف الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولة بمستوفى كان معه فقتله.
وهرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيد وسار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقة. وقيل: إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها.
ودخل الإخشيد حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي، وقطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب، وكانت عظيمة. وقيل: إنها كانت من أكثر المدن شجرًا؛ وأشعار الصنوبري تدل على ذلك.
ونزل عسكر الإخشيد على الناس بحلب؛ وبالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف الدولة.
وعاد الإخشيد إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه وبين سف الدولة، واستقر الأمر على أن أفرج الإخشيد له عن حلب وحمص وأنطاكية، وقرر عن دمشق مالًا يحمله إليه كل سنة.
وتزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيد عبيد الله بن طغج وانتظم هذا الأمر على يد الحسن بن طاهر العلوي وسفارته، في شهر ربيع الأول سنة ٣٣٤.
فسار الإخشيد إلى دمشق وعاد سيف الدولة إلى حلب، وتوفي الإخشيد بدمشق في ذي الحجة سنة ٣٣٤، وقيل: في المحرم سنة ٣٣٥.
وملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، واستولى على التدبير أبو المسك كافور الخادم.
[ ١٩ ]
وكان سيف الدولة فيما ذكر؛ قد عمل على تخلية الشام، فلما مات الإخشيد سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، وكان قد استولى على مصر رجل مغربي، فحاربه كافور، وظفر به.
وخلت دمشق من العسكر، فطمع فيها سيف الدولة وسار إليها فملكها، واستأمن إليه أنس المؤنسي في قطعة من الجيش. وأقام سيف الدولة بدمشقٌ، يجبي خراجها، ثم أتته والدته نعم أم سيف الدولة إلى دمشق، وسار سيف الدولة إلى طبرية.
وكان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل واحد. فقال له الشريف العقيقي: هي لأقوام كثيرة. فقال له سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين ليتبرأنّ أهلها منها. فأسّرها الشريف في نفسه، وأعمل أهل دمشق بذلك.
وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيد وأسبابه، فكاتبوا كافورًا فخرج في العساكر المصرية، ومعه أنوجور بن الإخشيد.
فخرج سيف الدولة إلى اللجون، وأقام أيامًا قريبًا من عسكر الإخشيد ب إكسال، فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به الإخشيد، فرجعوا إليه، وركب سيف الدولة يتشرف، فرآهم زاحفين في تعبئة، فعاد إلى عسكره فأخرجهم، ونشبت الحرب، فقتل من أصحابه خلق وأسر كذلك.
وانهزم سيف الدولة إلى دمشق، فأخذ والدته ومن كان بها من أهله وأسبابه، وسار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالواقعة، وان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٣٣٥.
وجاء سيف الدولة إلى حمص وجمع جمعًا، لم يجتمع له قط مثله من بني عقيل وبني نمير وبني كلب وبني كلاب، وخرج من حمص، وخرجت عسكر ابن طغج من دمشق، فالتقوا بمرج عذراء وكانت الوقعة أولًا لسيف الدولة ثم آخرها عليه، فانهزم، وملكوا سواده، وتقطع أصحابه في ذلك البلد، فهلكوا، وتبعوه إلى حلب، فعبر إلى الرقة، وانحاز يانس المؤنسي من عسكر سيف الدولة إلى أنطاكية.
ووصل ابن الإخشيد حلب في ذي الحجة سنة ٣٣٥. فأقام بها سيف الدولة في الرقة فراسل أنوجور يانس المؤنسي وهو بأنطاكية، وضمن هو وكافور ليانس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة، وضمن لهما يانس بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب؛ وأن يعطيهم ولده رهينة على ذلك فأجابوه.
وانصرف كافور وأنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة وأتاها يانس فتسلمها. وقيل: إن الإخشيدية عادوا. وأقام سيف الدولة بحلب، فحالف عليه يانس والساجية، وأرادوا القبض عليه، فهرب هو وأصحابه إلى الرقة. وملك يانس حلب.
ولم يقم يانس بحلب إلا شهرًا، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب، في شهر ربيع الأول سنة ٣٣٦، فكسبه فانهزم يانس إلى سرمين يريد الإخشيدية. فانفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع إبراهيم بن البارد العقيلي، فأدركته عند ذاذيخ فانهزم، وخلّى عياله وسواده وأولاده، فانهزم إلى أخيه بميّافارقين.
وكان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة سنة ٣٣٥ وكان في خدمة أخيه ناصر الدولة، ففارقه، وقدم على سيف الدولة.
ثم إن الرّسل ترددت بين سيف الدولة وابن الإخشيد وتجدد الصلح بينهما على القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه، دون المال المحمول عن دمشق.
وعمر سيف الدولة داره بالحلبة، وقلد أبا فراس ابن عمه منبج وما حولها من القلاع، واستقرت ولاية الدولة بحلب من سنة ٣٣٦. وهذه هي الولاية الثالثة.
وجرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له وبعضها عليه. فمنها: فتح حصن برزويه في سنة ٣٣٧ من ابن أخت أبي الحجر الكردي. ووقع بينه وبين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم وملكوا مرعش، ونهبوا طرسوس، وسار إلى ميارفاقين، واستخلف على حلب ابن أخيه محمد بن ناصر الدولة، وخرج لاون الدمشتق إلى بوقا من عمل أنطاكية. وخرج إليه محمد فكسره الدمشتق، وقتل عسكره خلقًا في سنة ٣٣٨.
ومنها: أنه غزا سنة ٣٣٩، ومعه خلق عظيم، فظفر فيها وغنم غنيمة كثيرة. فلما رجع إلى درب الجوزات وفارقه أهل التغور، اجتمع الروم في الدرب على سيف الدولة، فقتل خلق عظيم من المسلمين، وأسر كذلك.
وما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه، وعرفوه، فطلبوه، ولزّوه إلى جبل عظيم، وتحته وادٍ، فخاف أن يأسروه عن وقف أو رجع، فضر فرسه بالمهماز، وقبله الوادي، لكي يقتل نفسه ولا يأسروه، فوقع الفرس قائمًا.
[ ٢٠ ]
وخرج سيف الدولة سالمًا. وسميت هذه الغزوة المصيبة، وأخذ له من الآلات والأموال، ما لا يحصى حتى إنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما كان معه في صحبته خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبد الله بن مقلة، وكان منقطعًا إلى بني حمدان، وكان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو وأحرق صارخة وخرشنة.
ومنها: أن سيف الدولة بنى مرعش في سنة ٣٤١. وأتاه الدمستق بعسكر ليمنعه منها، فأوقع به سيف الدولة الواقعة العظيمة المشهورة.
ومنها: أن سيف الدولة دخل بلاد الروم سنة ٣٤٢ وأغار على زبطرة والتقاه قسطنطين بن بردس الدمستق على درب موزار وقتل من الفريقين خلق، ثم تم سيف الدولة إلى الفرات وعبره فقصد بطن هنزيط، ودخل سيف الدولة سميساط فخرج الدمستق إلى ناحية الشام، فرجع سيف الدولة، فلحقه وراء مرعش، فأوقع به وهزم جيشه، وحمّله الإبريق إلى بيت الماء، وكان أمرد، فخرج فوجده يبكي، ولم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها.
وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ودخل فترهب، وليس المسوح ففي تلك يقول المتنبي:
فلو كان ينجي من علي ترهبٌ ترهّبت الأملاك مثنى وموحدا
وقال أبو العباس أحمد بن محمدٍّ النّامي:
لكنّه طلب التّرهّب خيفةً ممّن له تتقاصر الأعمار
فمكان قائم سيفه عكّازه ومكان ما يتمنطق الزّنار
وبنى سيف الدولة الحدث، وقصده الدمستق برادس، فاقتتلا سحابة يومهما. وكان النصر للمسلمين، وذلك في سنة ٣٤٣، واسر صهر الدمستق على ابنته أعور جرم، بعد أن سلمها أهلها إلى الدمستق.
ومنها: أن سيف الدولة غزا سنة ٤٥ بطن هنزيط ونزل شاطئ أرسناس، وكبس يانس بن شمشقيق على تل بطريق فهزمه وفتحها.
وقتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطيس صهر ابن شمشقيق وأسر ابن قلموط، وانثنى فوجد كذوبن الدمستق، فأوقع به وهزمه.
وخلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن علي على عمارة عرنداس، فقصده ليون ابن الدمستق فهزمه، وأسره، وحمله إلى قسطنطينة فمات بها. وغزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور، وخرب مواضع من بلاد الروم مثل خرشنة وصارخة. وأسر الرست بن البلنطس، وأسر لاون بن الأسطر اطيغوس وابن غذال بطريق مقدونية، وهرب الدمستق وبركيل بطريق الخالديات، فلما قفل سيف الدولة فكّ قيود الأسارى وخلع عليهم، وأحسن إليهم.
وفي جمادى الأولى من سنة ٤٦ كاتب الروم جماعة من غلمان سيف الدولة بالقبض عليه، وحمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته، وبذل لهم مالًا عظيمًا على ذلك. فخرج سيف الدولة عن حلب وقد عزموا على ذلك، فصار بعض الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه، فاعلم سيف الدولة، فجمع الأعراب والديلم، وأمرهم بالإيقاع بهم عند إعلامه إياهم بذلك، فأوقعوا بهم، وقتل منهم مائة وثمانين غلامًا، وقبض على زهاء مائتي غلام فقطّع أيديهم وأرجلهم وألسنتهم وهرب بعضهم.
وعاد إلى حلب وقتل من بها من الأسرى. وكانوا أربعمائة أسير، وضيق على ابن الدمستق، وزاد في قيده، وصبره في حجرة معه في داره وأحسن إلى ذلك الفرّاش وقلد ابن كيغلغ أعمالًا، وتنكّر على سائر غلمانه.
ومنها: أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر ونزل على حصن اليماني، وعرف سيف الدولة خبره. فسير إليه الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم نجا، وقتل من أصحابه خمسة آلاف فارس، واسر مقدار ثلاثة آلاف رجل، واستوى على سواد نجا كله.
وسار ابن شمشقيق والبراكموس إلى حصن سمسياط وفتحاه. ثم سارا إلى رعبان وحصراها، وسار سيف الدولة إليهما، ولقيهما، فاستظهر الروم عليه استظهارًا كثيرًا.
وعاد سيف الدولة منهزمًا، وتبعه الروم، وقتلوا، وسبوا من عشيرته وقواده ما يكثر عدده، وذلك في سنة ٣٤٧.
وفي هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان أخو سيف الدولة. مستنجدًا بأخيه سيف الدولة إلى حلب ومعه جميع أولاده عندما قصد معز الدولة للموصل. وتلقاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، ولما رآه ترجل له. وانفق سيف الدولة عليه وعلى حاشيته، وقدّم لهم من الثياب الفاخرة والجواهر ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
[ ٢١ ]
وكان يجلس ناصر الدولة على سرير، ويجلس سيف الدولة دونه. ولما دخل دار سيف الدولة وجلس على السرير جاءه سيف الدولة لينزع خفه من رجليه، فمدهما إليه، فنزعهما بيده، وصعب على سيف الدولة لأنه قدر أنه إذا خفض له نفسه إلى ذلك رفعه عنه، فلم يفعل ذلك إظهارًا لمن حضر أنه وإن ارتفعت حاله، فهو كالولد والتبع وكان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيتحملها على دخن، وتحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفًا من الدراهم حتى انصرف عنه.
وفي هذه السنة مات قسطنطين بن لاوي ملك الروم، وصبر نقفور بن الفقاس دمستقًا على حرب المغرب، وأخاه ليون بن الفقاس دمستقًا على حرب المشرق، فتجهز ليون إلى نواحي طرسوس، وسبى، وقتل، وفتح الهارونيّة وسار إلى ديار بكر.
وتوجه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعًا، إلى الشام، وقتل من أهله عددًا متوافرًا، وأخرب حصونًا كثيرة من حصون المسلمين، وأسر محمد ابن ناصر الدولة.
ومنها: غزاة مغارة الكحل: غزا سيف الدولة في سنة ٣٤٨. وقيل: ٣٤٩ بلاد الروم، فقتل، وسبى، وعاد غانمًا يريد درب مغارة الكحل، فوجد ليون بن الفقاس الدّمستق قد سقه إليه، فتحاربوا، فغلب سيف الدولة. وارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون، وأخذوا خزانة سيف الدولة وكراعه وقتل فيها خلق كثير.
وأسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وترك بخرشنة، وأسر علي بن منقذ ابن نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر. وأسر مطر بن البلدي، وقاضي حلب أبو حصين الرقي، وقتلا. وقيل أن أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه وقال: لا رضي الله عنك، كنت تفتح لي أبواب الظلم.
وقيل إنهم لما أخذوا الطرق على سيف الدولة وثب به حصانه عشرين ذراعًا وقيل: أربعين، فنجا في نفر قليل.
وولي سيف الدولة بعد قتل أبي حصين أحمد بن محمد بن ماثل قضاء حلب، وكان قد عزله بأبي حصين حين ملك. وذلك أنه لما قدم حلب خرج للقائه أبو طاهر ابن ماثل فترجل له أهل البلد، ولم يترجل القاضي، فأغاظ سيف الدولة وعزله.
وقدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع الناس. فقال له: ما الذي منعك أولًا، وحملك ثانيًا؟، وقال له: تلك المرة لقيتك وأنا قاضي المسلمين، وهذه الدفعة لقيتك وأنا أحد رعاياك. فاستحسن منه ذلك.
فلما قتل أبو الحصين أعاده إلى القضاء. وولي سيف الدولة أيضًا قضاء حلب أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي المعروف بالجرد، وكان حنفي المذهب.
ونقل الملك رومانوس إلىحرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق، فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس وخمسة عشر ألف من المسلمين، فبرز إليه نقفور فقاتله وانهزم رشيق وقتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل.
وعاد نقفور وضايق عين زربة، وفتحها بالأمان، في ذي القعدة سنة ٣٥٠، وهدم سورها، فانهزم أهلها، إلى طرطوس، وفتح حصن دلوك ومرعش ورعبان في سنة ٣٥١.
ثم إن نقفور بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه السنة، وسيف الدولة بها، وكانت موافاتهما كالكبسة، وقيل إن عدة رجاله مائتا ألف فارس وثلاثون ألف راجل بالجواشن، وثلاثون ألف صانع للهدم وتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد يطرحه عسكره ليلًا.
ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم حتى قربوا منه، فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه نجا في جمهور عسكره. بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بألا يفارق عسكره.
فأبى عليهم ومضى نجا بالعسكر إلى الأثارب. ثم توجه منها داخلًا إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم ووصل إلى دلوك، ورحل منها إلى تل حامد. ثم إلى تبّل.
واتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم عسكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب: أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري، وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد، وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء.
فأبى عامة الحلبيين وغوغاؤهم، فقالوا: لا ترحمنا أيها الأمير الجهاد، وقد كان فينا من يعجز عن المسير إلى بلاد الروم للغزو، وقد قربت علينا المسافة. فلما رأى امتناعهم، قال لهم: اثبتوا فإني معكم.
[ ٢٢ ]
وكان سيف الدولة على بانقوسا، ووردت عسكر الورم إلى الهزّازة، فالتقوا فانهزم الحلبيون، وقتل واسر منهم جماعة كثيرة. وقتل أبو طالب بن داود ابن حمدان، وأبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة، وبشرى الصغير غلام سيف الدولة، وكان أسند الحرب اليوم إليه وجعله تحت لوائه.
ومات في باب المدينة المعروف بباب اليهود ناس كثير لفرط الزحمة. وكان سيف الدولة راكبًا على فرس له تعرف بالفجي فانهزم مشرقًا حتى بعد عن حلب. ثم انحرف إلى قنسرين فبات بها.
وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلّمون إليّ ابن حمدان. فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها طمع فيها وحاصرها.
وقيل: إن نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة. وكان نزوله على المدينة يوم السبت العشرين من ذي القعدة. وجرى بينه وبينهم خطاب آخره على أن يؤمنهم، ويحملوا إليه مالًا ويمكنوا عسكره ان يدخل من بابا ويخرج من آخر، وينصرف عنهم عن مقدرة، فقالوا له: تمهلنا الليلة حتى نتشاور ونخرج غدًا بالجواب. ففعل. ومضوا. وتحدثوا. وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب. فقال لهم نقفور: أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح، حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه. وتقتلوه فعلتم ذلك. فحلف بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحًا، وفيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إليّ غدًا. فانصرفوا.
وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار ومعكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكنًا فتسوروا إليه، فإنكم تملكون الموضع.
فطافوا وكتموا أمرهم، وأبصروا، أقصر سور فيها ما يلي الميدان بباب قنسرين، فركبوه، وتجمعوا عليه، وكان وقت السحر وصاحوا ودخلوا المدينة.
وقيل: إن أهل حلب قاتلوا وراء السور فقتل جماعة من الروم بالحجارة والمقاليع، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلهم. وطمع الروم فيها، فأكبوا عليها، ودفعهم الحلبيون عنها، فلما جنهم الليل اجتمع عليها المسلمون فبنوها فأصبحوا وقد فرغت، فعلوا عليها وكبّروا، فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن.
فمضى رجالة الشرطة وعوام الناس إلى المنازل، وخانات التجار لينهبوها فاشتغل شيوخ البلد عن حيطان السور ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خاليًا فتجاسروا، ونصبوا السلالم على السور، وهدموا بعض الأبدان، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم، في شهر ذي القعدة سنة ٥١.
وأخذ الدمستق منها خلقًا من النساء والأطفال، وقتل معظم الرجال، ولم يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين والهاشميين والكتاب وأرباب الأموال. ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر، فإنها كانت قد تهدمت، وبقي رسومها فجعل المسلمون الأكف والبراذع بين أيديهم.
وكان بها جماعة من الديلم الذين ينسب إليهم درب الديلم بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلمي فقتله فطلبه من الناس فرموه برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرة اثني عشر ألف أسير. وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل، والله أعلم.
وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي باطنًا وظاهرًا. وقيل: أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة، وتناهى في حسنه، وعمل له أسوارًا، وأجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية، يمر من الموضع المعروف بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب، ويخرج من آخر، فيصب في المكان المعروف بالفيض، وبنى حوله إصطبلًا ومسكنًا لحاشيته.
وقيل: إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم، ووجد له ألفًا وأربعمائة بغل فأخذها، ووجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى كثيرة فقبض جميعها، وأحرق الدار فلم تعمر بعد ذلك، وآثارها إلى اليوم ظاهرة.
ويقال: إن سيف الدولة رأى في المنام أن حية قد تطوقت على داره، فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحيّة في المنام ماء. فأمر بحفر يحفر بين داره وبين قويق حتى أدار الماء حول الدار.
[ ٢٣ ]
وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات، فدخل سيف الدولة فقال له كلامًا معناه: أن الروم تحتوي على دارك. فأمر به فدفع، واخرج بعنف، فقضى الله سبحانه أنّ الروم خرجوا ففتحوا حلب واستولوا على دار سيف الدولة فذكر معبّر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعدما كان من أمر الروم، فقال له ما كان من أمر ذلك المنام.
وكان المعتصمون بالقلعة والروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من الهواء والمطر، ويتسللون في الليل إلى منازلهم، فإن وجدوا شيئًا من قوت أو غيره، أخذوه وانصرفوا.
ثم إن نقفور أحرق المسجد الجامع وأكثر الأسواق والدار التي لسيف الدولة، وأكثر دور المدينة، وخرج منها سائرًا إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق الأساري من الرجال، حين قتل ابن أخت الملك؛ وكانوا ألفًا ومائتي رجل.
وسار بما معه ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها. وقال: هذا البلد قد صار لنا، فلا تقصّروا في عمارته؛ فإنا بعد قليل نعود إليكم.
وكان عدة من سبي من الصبيان والصبايا بضعة عشر ألف صبي وصبية، وأخذهم معه.
وقيل: إن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء وهي الفص المذهب إلى أن أحرقه الدمستق لعنه الله. وإن سليمان بن عبد الملك اعتنى به. كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق.
وسار الدمستق عنها يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة ٣٥١.
واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب. فقيل: إنه ورد إليه الخبر أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، وأنهم يطلبونه؛ ليملكوه عليهم.
وقيل: سبب رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع به. وجعل يواصل الغارات على عسكر الروم، وتبلغ غاراته إلى السعدي، وأنه أخذ جماعة من متعلفة الروم، واستنجد سيف الدولة باهل الشام فسار نحوه ظالم بن السلال العقيلي في أهل دمشق، وكان يليها من قبل الإخشيدية، وكان ذلك سبب الرحيل عن حلب.
وكان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق، وقد دوّخ بلاد الإسلام، وانتزع من أيدي المسلمين جملة من المدن والحصون والمعاقل، فانتزع الهارونية، وعين زربة كما ذكرناه وكذلك دلوك وأذنة، وغير ذلك من الثغور.
ونزل على أذنة في ذي الحجة من سنة ٣٥٢ ولقيه نفير طرسوس فهزمهم وقتل منهم مقدار أربعة آلاف وانهزم الباقون إلى تل بالقرب من أذنة، فأحاط الروم بهم وقاتلوهم وقتلوهم بأسرهم.
وهرب أهل أذنة إلى المصيّصة وحاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب في سورها نقوبًا عدة. وقلّت الميرة عندهم فانصرف، بعد أن أحرق ما حولها.
وورد في هذا الوقت إلى حب إنسان من أهل خراسان ومعه عسكر لغزو الروم، فاتفق مع سيف الدولة على ان يقصدا نقفور وكان سيف الدولة عليلًا فحمل في قبة، فألفياه وقد رحل عن المصيّصة وتفرقت جموع الخراسان بشدة الغلاء في هذه السنة بحلب والثغور، وعظم الغلاء والوباء في المصيّصة وطرسوس حتى أكلوا الميتة.
وعاد نقفور إلى المصيّصة، وفتحها بالسيف في رجب سنة ٣٥٤. وفتح أيضًا كفربيا في هذه السنة ومرعش. وفتح طرسوس من أيدي المسلمين في شعبان سنة ٣٥٤.
وكان المسلمون يخرجون في كل سنة ويزرعون الزرع فيأتي بعسكره فيفسده فضعفت، وتخلى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها، وكان فيها فيما ذكر أربعون ألف فارس، وفي عتبة بابها أثر الأسنة إلى اليوم. فلما رأى أهلها ذلك، راسلوا نقفو المذكور، فوصل إليهم، وأجابوه إلى التسليم. وقال لهم: إن كافورًا الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب، فإن اخترتم أن تأخذوها وانصرف عنكم في هذه السنة فعلت. فقالوا: لا. واشترطوا عليه أن يأخذوا أموالهم فأجابهم إلى ذلك، إلا السلاح.
ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفًا، وعلى الآخر صليبًا، ثم قال لهم: من اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف؛ ومن اختار بلاد النصرانية فليقف تحت الصليب. فخرج المسلمون فحرزوا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي، وانحازوا إلى أنطاكية.
ودخل نقفور إلى طرسوس، وصعد منبرها، وقال لمن حوله: أين أنا. قالوا: على منبر طرسوس. فقال: لا ولكني على منبر بيت المقدس، وهذه كانت تمنعكم عن ذلك.
[ ٢٤ ]
واستولى بعد موت سيف الدولة في سنة ٥٧ على كفر طاب، وشيزر، وحماة، وعرقة، وجبلة، ومعرة النعمان ومعرة مصرين، وتبزين، ثم فتح أنطاكية في سنة ٣٥٨ على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وصارت وقعاته للروم والنصارى كالنّزه والأعياد، وحكم يف البلاد حكم ملوك الروم. ولما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذًّا، فدخلها في صفر سنة ٥٢، فوجد رومانوس قد مات وجلس في الملك ولداه باسيل وقسطنطين وهما صبيان ووالدتهما تفانو تدبرهما.
فلما وصل نقفور سلّموا الأمر إليه فدبّرهما مدة ثم رأى ان استيلاءه على الملك أصوب، وأبلغ في الهيبة، فلبس الخف الأحمر، ودعا لنفسه بالملك. وتحدث مع البطريق في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج أم الصبييين، وأن يكون مشاركًا لهما في الملك، فاتفقوا على ذلك، وألبسوه التاج.
ثم خافت على ولديها منه، فأعلمت الحيلة، ورتبت مع يانس بن شمشقيق أن تتزوج به، وبات نقفور في البلاط في موضعه الذي جرت عادته به. فلما ثقل نومه أدخلت يانس ومعه جماعة، وشكلت رجل نقفور. فلما دخل يانس قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله. ولم يتزوج بها يانس خوفًا منها.
ووعود إلى بقية أخبار سيف الدولة: فإنه لما رحل الروم عن حلب، عاد إليها ودخلها في ذي الحجة سنة ٣٥٤ وعمر ما خرب منها، وجدّد عمارة المسجد الجامع، وأقام سيف الدولة إلى سنة ٣٥٤.
وسار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ليفادي بهم، فأخذهم نجا، وسار إلي ميّافارقين فاستولى عليها.
فلما وصل سيف الدولة قال: أروني نجا، فأروه إياه على برج، فوقف تحته، وقال: يا نجا فقال: لبيك يا مولانا فقال: انزل. فنزل في الوقت، وخدمه على رسمه وخلع عليه، وسلم إليه البلد والبطارقة. وقتل نجا، قتله غلام لسيف الدولة اسمه قبجاج بحضرته، وكان سيف الدولة عليلًا فأمر به فقتل في الحال.
وسار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء، ففدى بهم أبا فراس ابن عمه وجماعة من أهله، وغلامه رقطاش ومن كان بقي شيوخ الحمصيين والحلبيين. ولما لم يبق معه من أسرى الروم اشترى بقية المسلمين من العدو، كل رجل باثنتين وسبعين دينارًا، حتى نفذ ما كان معه من المال. فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل، وكاتبه أبا القاسم الحسين بن علي المغربي جد الوزير، وبقي في أيدي الروم إلى أن مات سيف الدوة، فحمل بقية المال وخلص ابن المغربي.
ولما توجه سيف الدولة إلى الفداء ولى في حلب غلامه وحاجبه قرعويه الحاجب في سنة ٣٥٤، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العقيلي، وكان من مستأمنة القرامطة.
وكان مروان مع سيف الدولة حين توجه إلى آمد. وأقام سيف الدولة بكل ما يحتاج إليه عسكره، وأنفذ إليه ملك لروم هدية سنية، فقتل مروان القرمطي رجلًا من أصحاب الرسول، فتلافى سيف الدولة ذلك، وسيّر إلى ملك الروم هدية سنية، وأفرد دية المقتول، واعتذر أن مروان فعل ذلك على سكر، فرد الهدية والتمس إيفاد القاتل ليقيده به أو يصفح عنه، فلم يفعل، وانتقضت الهدنة، وكان ذلك في سنة ٣٣٨. وولى بعد ذلك مروان السواحل.
فلما توجه سيف الدولة إلى الفداء سار إلى ناحية حلب، فانفذ إليه قرعويه غلامًا له اسمه بدر، فالتقيا غربي كفر طاب. فأخذه مروان أسيرًا، وقتله صبرًا، وكسر العسكر وملك حلب، وكتب إلى سيف الدولة بأنه من قبله، فسكن إلى ذلك، وأخذ مروان في ظلم الناس بحلب، ومصادرتهم. فلم تطل مدته، وتوفي سنة ٣٥٤ من ضربة ضربه بها بدر حين التقيا بلتّ في وجهه. وعاد الحاجب قرعويه إلى خلافة سيف الدولة.
وكان بأنطاكية رجل يقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغلات لسيف الدولة، فاجتمع برجل من وجوه أهل الثغر يقال له رشيق النسيمي وكان من القواد المقيمين بطرسوس فاندفع إلى أنطاكية حين آخذ الروم طرسوس، وتولى تدبير رشيق وأطعمه في ان سيف الدولة لا يعود إلى دمشق الشام. فطمع واتفق مع ملك الروم على أن يكون في حيزه، ويحمل إليه عن أنطاكية في كل سنة سبعمائة ألف درهم.
[ ٢٥ ]
وكان بأنطاكية من قبل سيف الدولة تنج اليمكي أو الثملي فسار رشيق نحوه، فوثب أهل انطاكية على تنج، فأخرجوه، وسلموا البلد إلى رشيق. فأطمع ابن الأهوازي رشيقًا بملك حلب، لعلمه بضعف سيف الدولة، واشتغاله بالفداء. وعمل له ابن الأهوازي كتابًا ذكر أنه من الخليفة ببغداد، بتقليده أعمال سيف الدولة، فقرأ على منبر أنطاكية.
واجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغّل، وطالب قومًا بودائع ذكر أنها عندهم، واستخدم بتلك الأموال فرسانًا ورجالة، واستأمن إليه دزبر بن أويتم الديلمي وجماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرعويه بحلب.
فحصل مع رشيق نحو من خمسة آلاف رجل، فسيّر إليه الحاجب غلامه يمن في عسكر. فخرج إليه رشيق من أنطاكية والتقوا بأرتاح، واستأمن يمن إلى رشيق، ومضى عسكره إلى حلب، وتوجه رشيق إلى حلب، ونازل حلب، وزحف على باب اليهود، فخرج إليه بشارة الخادم في جماعة، فقاتل إلى الظهر، وانهزم بشارة الخادم ودخل من باب اليهود، ودخلت خيل رشيق خلفه.
واستولى رشيق على المدينة في اليوم الأول من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ونادوا بالأمان للرعية، وقرؤوا كتابًا مختلقًا عن الخليفة بتقليد رشيق أعمال سيف الدولة، وأقام رشيق يقاتل القلعة ثلاثة اشهر وعشرة أيام. وفتح باب الفرج، ونزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب رشيق فهزموهم، وأخرجوهم من المدينة. فركب رشيق ودخل من باب أنطاكية، فبلغ إلى القلانسيين، وخرج من باب قنسرين، ومضى إلى باب العراق. فنزل غلمان الحاجب، وخرجوا من باب الفرج وهو الباب الصغير.
ووقع القتال بينهم وبين أصحاب رشيق، فطعن ابن يزيد الشيبناني رشيقًا فرماه، وكان ممن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق، وأخذ رأسه، ومضى به إلى الحاجب قرعويه.
وعاد الحاجب إلى حالته من خلافة الأمير سيف الدولة، وعاد عسكر رشيق إلى أنطاكية، فرأسوا عليهم دزبر بن أوينم الديلمي وعقدوا له الإمارة، واستوزر أبا علي بن الأهوازي، وقبل كل من وصل إليه من العرب والعجم.
وسار إليه الحاجب قرعويه إلى أنطاكية، فأوقع به دزبر، ونهب سواده، وانهزم قرعويه، وقد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر، فتحصن بقلعة حلب، وتبعه دزبر فملكها في جمادى الأولى سنة ٣٥٥.
وأقام بها وابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنسرين وجمع إليه بني كلاب، وجبى الخارج في بلد حلب وحمص، وفوض إلى القضاة، والولاة، والشيوخ، والعمال الأعمال والولايات.
وجاء سيف الدولة فدخل حلب وعسكره ضعيفٌ، فبات بها وخرج إلى دزبر وابن الأهوازي. وكان سيف الدولة قد فلج وبطل شقه الأيسر، فالتقوا شرقي حلب بسبعين.
فغدرت بنو كلاب بدربز وابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة، واستأمنوا إليه، فآمنهم، ووضع السيف في عسكر دزبر، فقتل جمعًا كثيرًا، وأسر خلقًا، فقتلهم صبرًا. وكان فيهم جماعة ممن اشتراه بماله من الروم، فسبقوه إلى الشام، وقبضوا الرزق من ابن الأهوازي، وجعلوا يقاتلونه، فما أبقى على أحد منهم، وحصل دزبر وابن الأهوازي في أسره؛ فأما دزبر فقتله ليومه وأما ابن الأهوازي فاستبقاه أيامًا ثم قتله.
ثم إن سيف الدولة قويت علته بالفالج، وكان بشيزر فوصل إلى حلب، فأقام بها يومين أو ثلاثة. وتوفي يوم الجمعة العاشر من صفر من سنة ٣٥٦. وقبل توفي بعسر البول، وحمل تابوته إلى ميّافارقين فدفن بها في تربته.
وكان على قضاء حلب إذ ذاك في غالب ظني أبو جعفر أحمد بن إسحاق ابن محمد بن يزيد الحنفي، بعد أحمد بن محمد بن ماثل.
وينسب إلى سيف الدولة أشعارٌ كثيرةٌ، لا يصح منها له غير بيتين، ذكر أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه وهو جد الوزير أبي القاسم المغربي أنهما لسيف الدولة. ولم يعرف له غيرهما. وكتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة وقد مد يده إلى شيء من بلاده المجاورة له من ديار بكر، وكانت في يد أخيه:
لست أجفو وغن جفيت ولا أت رك حقًا عليّ في كل حال
إنما أنت والدٌ والأب الجا في حقًا بالصبر والإحتمال
ووزر لسيف الدولة أبو إسحاق القراريطي، ثم صرفه وولى وزارته أبا عبد الله محمد بن سليمان بن فد، ثم غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين المغربي أبو الوزير أبي القاسم ووزر له.
[ ٢٦ ]
وقام بالأمر الحاجب قرعويه غلام سيف الدولة من قبل ابن سيف الدولة، فبقي فيها إلى أن مضى غلمان سيف الدولة إلى ميّافارقين فاحضروا ابنه سعد الدولة أبا المعالي شريف بن علي بن عبد الله بن حمدان، وكان مع والدته أم الحسن ابنة أبي العلاء سعيد بن حمدان بها.
فدخل حلب يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ٣٥٦ وزيّنت له المدينة، وعقدت له القباب، وجلس على سرير أبيه، وجلس الحاجب قرعويه على كرسي، والمدبر لدولته وزيره أبو إسحاق محمد بن عبد الله بن شهرام كاتب أبيه.
وقبض أبو تغلب بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان على أبيه ناصر الدولة في هذه السنة، فامتعض حمدان بن ناصر الدولة لذلك وعصى على أخيه بالرقة والرحبة.
فسار أبو تغلب إليه إلى الرقة، وحصره فيها إلى أن صالحه على أن يقتصر على الرحبة، ويسلم إليه الرقة والرافقة وكتب لأبي تغلب توقيع بتقليده أعمالناصر الدولة وسيف الدولة من المطيع، وهو بالرقة.
وكان قرعويه قد جاء إلى خدمته، وهو يحاصر أخاه، فلما صلاح أخاه قدم حلب جريدة، وزار ابن عمه سعد الدولة، وعاد إلى الموصل.
وأقام سعد الدولة إلى أن تجدّد بينه وبين ابن عمه أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وهو خاله وحشة، وكان بحمص، فتوجه سعد الدولة إليه فانحاز إلى صدد، ونزل سعد الدولة سلمية، وجمع بني كلاب وغيرهم.
وقدّم الحاجب قرعويه وبني كلاب على مقدّمته مع قطعة من غلمان أبيه، فتقدموا إلى صدد. فخرج إليهم أبو فراس وناوشهم، واستأمن أصحابه، واختلط أبو فراس بمن استأمن. فأمر قرعويه بعض غلمانه بالتركية بقتله، فضربه بلتّ مضرسٍ، فسقط ونزل فاحتز رأسه، وحمله إلى سعد الدولة.
وبقيت جثته مطروحة بالبرية، حتى كفّنه من الأعراب وذلك في شهر ربيع من سنة ٣٥٧ ولطمت أمه سخية حتى قلعت عينها عليه، وكانت أم ولد.
وخرج في هذه السنة فاثور للروم في خمسة آلاف فارس وراجل، فصار إلى نواحي حلب، فواقعه قرعويه بعسكر حلب، فأسر قرعويه، ثم أفلت، وانهزم أصحابه، وأسر الروم جماعة من غلمان سيف الدولة.
ثم إن نقفور ملك الروم خرج إلى معرة النعمان ففتحها وخرب جامعها وأكثر دورها، وكذلك فعل بمعرة مصرين، وكلنه أمن أهلها من القتل، كانوا ألفًا ومائتي نفس، وأسرهم وسيّرهم إلى بلد الروم.
وسار إلى كفر طاب وشيزر، وأحرق جامعها. ثم إلى حماة ففعل كذلك، ثم إلى حمص، وأسر من كان صار إلى تلك الناحية من الجفلة.
ووصل إلى عرقة ففتحها وأسر أهلها، ثم نفذ إلى طرابلس وكان أهلها قد أحرقوا ربضها، فانصرف إلى جبلة ففتحها، ومنها إلى اللاذقية، فانحدر إليه أبو الحسين علي بن إبراهيم بن يوسف الفصيص. فوافقه على ذهب يدفع إليه منها، وانتسب له فعرف نقفور سلفه، وجعله سردغوس، وسلم أهل اللاذقية.
وانتهى إلى أنطاكية وفي يده من السبي مائة ألف رأس، ولم يكن يأخذ إلا الصبيان والصبايا والشباب، فأما الكهول والمشايخ والعجائز فمنهم من قتله ومنهم من تركه. وقيل: إنه فتح في هذه الخرجة ثمانية عشر منبرًا. وأما القرى فلا يحصى عدد ما أخرب منها وأحرق. ونزل بالقرب من أنطاكية، فلم يقاتلهم، ولم يراسلهم بشي.
وبنى صن بغراس مقابل أنطاكية، ورتب فيه ميخائيل البرجي وأمر أصحاب الأطارف بطاعته.
وتحدث الناس أنه يريد أن ينازل أنطاكية طول الشتاء وينفذ إلى حلب أيضًا من ينازلها. فأشار الحاجب قرعويه على سعد الدولة أن يخرج من حلب، ولا يتحاصر فيها، فخرج منها إلى بالس، فسيّر إليه قرعويه، وقال له: امض إلى والدتك، فإن أهل حلب لا يريدونك، ولا يتركونك تعود إليهم.
وحالف قرعويه أهل حلب على سعد الدولة، وتقرّب إليهم بعمارة القلعة وتحصينها، وعمارة أسوار البلدة وتقويتها، فيئس سعد الدولة من حلب، ومضى أصحابه إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة.
وقطع قرعويه الدعاء لسعد الدولة، فعمل على قصد حرّان والمقام بها، فمنعه أهلها، وراسلهم، وواعدهم بالجميل فلم يستجيبوا له، فسألهم أن يتزود منها يومين، فأذنوا له في ذلك. فمضى إلى والدته إلى ميّافارقين وحرّان شاغرة يدبرها أهلها، ويخطبون لأبي المعاني سعد الدولة.
[ ٢٧ ]
ولما قرب أبو المعالي من ميّافارقين بلغ والدته أن غلمانه وكتّابه عملوا على القبض عليها وحملها إلى القلعة، كما فعل أبو تغلب بناصر الدولة، فطردت الكتّاب، وغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيام حتى استوثقت منه، وفتحت له.
وحين علم ملك الروم بتقوية قرعويه لحلب دخل بلاده.
وأما قرعويه فاستولى على حلب في المحّرم سنة ٣٥٨ وأمّر غلامه بكجور، وشاركه في الأمر، ودعي لهما على المنابر في عمله. وكتب اسم بكجور على السكّة. وكان يخاطب قرعويه بالحاجب، وغلامه بكجور بالأمير.
وحصل زهير غلام سيف الدولة بمعرة النعمان، وكان واليها، وانضاف إليه جماعة من غلمان سيف الدولة. فأقاموا الدعوة في المعرة لسعد الدولة، وكاتبوا مولاهم سعد الدولة أبا المعالي واستدعوه إلى الشّام، فسار ونزل منبج، فاجتمعوا معه. ونزلوا على حلب في شهر رمضان من سنة ٣٥٨، وحاصروا قرعويه وبكجور وجرت بينهم حروب يطول ذكرها.
وكتب قرعويه إلى الروم، واستدعى بطريقًا كان في أطراف الروم لنجدته، وهو خادم كان لنقفور ويعرف بالطّربازي، فسار نحوه، ثم عدل إلى أنطاكية، وذلك أن ملك الروم لما نزل ببوقا ومعه السبي والغنائم على ما ذكرناه توافق هو وأهلها وكانوا نصارى في أن ينتقلوا إلى أنطاكية، ويظهروا أنهم إنما انتقلوا خوفًا من الروم، حتى إذا حصلوا بها وسار الروم إلى أنطاكية وافقوهم على فتحها. ففعلوا ذلك ووافقوا نصارى أنطاكية وكاتبوا الطّربازي حين خرج بان أنطاكية خالية وليس بها سلطان.
وكان أهلها من المسلمين قد ضيعوا أسوارها، وأهملوا حراستها، فجاء الروم إليها مع الطّربازي ويانس بن شمشقيق في أربعين ألفًا، فأحاطوا بأنطاكية، وأهل بوقا على أعلى السور في جانب منه، فنزلوا وأخلوا السور، فصعد الروم وملكوا البلد وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٣٥٨.
فدخل الروم فأحرقوا وأسروا وكانت ليلة الميلاد. فما طلع الروم على جبلها، جعلوا يأخذون الحارس فيقولون له: كبّر وهلّل. فمن لم يفعل قتلوه، فكان الحراس يهللون ويكبرون، والناس لا يعلمون بما هم فيه، حتى ملكوا جميع أبرجتها، وصاحوا صيحة واحدة، فمن طلب باب الجنان قتل أو أسر.
واجتمع جماعة إلى باب البحر فبردوا القفل فسلموا، وخرجوا وبنوا قلعة في جبلها، وجعلوا الجامع صيرة للخنازير. ثم إن البطريك جعله بستانًا.
ثم إن الطّربازي سار إلى حلب، منجدًا قرعويه وبكجور وأبو المعالي محاصر لهما، فانحاز أبو المعالي شريف عن حلب إلى خناصرة، ثم إلى معرة النعمان.
فطمع الروم في حلب فنازلوها، وهجموا المدينة من شمالها وحصروا القلعة.
فهادنهم قرعويه على حمل الجزية، عن كل صغير وكبير من سكان المواضع التي وقعت الهدنة عليها دينار، قيمته ستّة عشر درهمًا إسلاميّة، وان يحمل إليهم في كل سنة عن البلاد التي وقعت الهدنة عليها سبعمائة ألف درهم.
والبلاد حمص، وجوسية، وسلمية، وحماة، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة النعمان وحلب، وجبل السّماق، ومعرة مصرين، وقنسرين، والأثارب، إلى لطرف البلاط الذي يلي الأثارب وهو الرصيف، إلى أرحاب، إلى باسوفان إلى كيمار، إلى برصايا، إلى المرج الذي هو قريب أعزاز، ويمين الحد كله لحلب، والباقي للروم.
ومن برصايا يميل الشرق، ويتصل بوادي أبي سليمان إلى فج سنياب، إلى نافوذا إلى تل حامد، إلى يمين الساجور إلى مسيل الماء إلى أن يمضي ويختلط بالفرات.
وشرطوا أن الأمير على المسلمين قرعويه، والأمر بعد لبكجور، وبعدهما ينصّب ملك الروم أميرًا يختاره من سكان حلب. وليس للمسلمين أن ينصّبوا أحدًا، ولا يؤخذ من نصراني جزية في هذه الأعمال، إلا إذا كان له بها مسكن أو ضيعة. وإن ورد عسكر إسلاميّ يريد غزو الروم منعه قرعويه وقال له: امض من غير بلادنا، ولا تدخل بلاد الهدنة. فإن لم يسمع أمير ذلك الجيش قاتله، ومانعه، وإن عجز عن دفعه كاتب ملك الروم والطربازي لينفذ إليه من يدفعه.
ومتى وقف المسلمون على حال عسكر كبير كتبوا إلى الملك وإلى رئيس العسكر، وأعملوها به لينظروا في أمرهما.
[ ٢٨ ]
وإن عزم الملك أو رئيس العسكر على الغزاة إلى بلد الإسلام تلقاه بكجور إلى المكان الذي يؤمر بتلقيه إليه، وأن يشيعه في أعمال الهدنة، ولا يهرب من في الضياع ليبتاع العسكر الرومي ما يحتاجون إليه سوى التبن، فإنه يؤخذ منهم على رسم العسكر بغير شيء.
ويتقدم الأمير بخدمة العسكر الرومية إلى الحدّ، فإذا خرجت من الحدّ عاد الأمير إلى عمله، وإن غزا الروم غير ملّة الإسلام سار إليه الأمير بعسكره، وغزوا معه كما يأمر.
وأي مسلم دخل في دين النصرانية فلا سبيل للمسلمين عليه، ومن دخل من النصارى في ملة الإسلام فلا سبيل للروم عليه.
ومتى هرب عبدٌ مسلم أو نصراني، ذكرًا كان أو أنثى، من غير الأعمال المذكورة إليها، لا يستره المسلمون، ويظهرونه ويعطى صاحبه ثمنه عن الرجل ستة وثلاثون دينارًا، وعن المرأة عشرون دينارًا رومية، وعن الصبي والصبية خمسة عشر دينارًا. فإن لم يكن له ما يشتريه أخذ الأمير من مولاه ثلاثة دنانير وسلمه إليه. فإن كان الهارب معمدًا فليس للمسلمين أن يمسكوه، بل يأخذ الأمير حقّه من مولاه، ويسلّمه إليه.
وإن سرق سارق من بلاد الروم، وأخفى هاربًا أنفذه الأمير إلى رئيس العسكر الرومي ليؤدّبه.
وإن دخل رومي إلى بلد الإسلام فلا يمنع من حاجة.
وإن دخل من بلاد الإسلام جاسوسٌ إلى بلد الروم أخذ وحبس. ولا يخرب المسلمون حصنًا ولا يحدثون حصنًا، فإن خرب شيء أعادوه. ولا يقبل المسلمون أميرًا مسلمًا، ولا يكاتبوا أحدًا غير الحاجب وبكجور. فإن توفّيا لم يكن لهم أن يقبلوا أميرًا من بلاد الإسلام، ولا يلتمسوا من المسلمين معونةً، بل ينصب لهم من يختاره من بلاد الهدنة.
وينصب لهم الملك بعد وفاة الحاجب وبكجور قاضيًا منهم، يجري أحكامهم على رسمهم.
وللروم أن يعمروا الكنائس الخربة في هذه الأعمال، ويسافر البطارقة والأساقفة إليها، ويكرمهم المسلمون.
وإن العشر الذي يؤخذ من بلاد الروم، يجلس عشّار الملك مع عشّار قرعويه وبكجور، فمهما كان من التجارة من الذهب والفضة، والديباج الروميّ، والقّز غير معمول، والأحجار والجوهر واللؤلؤ، والسندس عشّره عشّار المكل. والثياب، والكتّان، والزبون، والبهائم، وغير ذلك من التجارات بعشّره عشّار الحاجب وبكجور بعده، وبعدهما بعشّر ذلك كلّه عشّار الملك.
ومتى جاءت قافلةٌ من الّروم تقصد حلب، يكتب الزروار المقيم في طرف الأمير إلى الأمير، ويخبره بذلك لينفذ من يتسلّمها ويوصلها إلى حل. وإن قطع الطريق عليها بعد ذلك، فعلى الأمير أن يعطيهم ما ذهب. وكذلك إن قطع على القافلة أعراب أو مسلمون في بلد الأمير، فعلى الأمير غرامة ذلك.
وحلف على ذلك جماعة من شيوخ البلد مع الحاجب وبكجور؛ وسلم إليهم رهينةً من أهل حلب: أبو الحسن بن أي أسامة وكسرى بن كسور، وابن أخت ابن أبي عيسى، وأخو أبي الحسن الخشّاب، وأبو الحسن بن أبي طالب، وأبو الطيب الهاشمي، وأبو الفرج العطّار، ويمن غلام قرعويه. وكن المتوسط في هذه الهدنة رجلًا هاشميًا من أهل حلب يقال له طاهر.
وعادت الروم عن حلب، وبقي الحاجب قرعويه في ولايتها والتدبير إليه وإلى غلامه بكجور، وذلك في صفر من سنة ٣٥٧.
وأقام سعد الدولة أبو المعالي بمعرة النعمان ثلاث سنين وراسله الحاجب وبكجور ومشايخ حلب في سنة ٣٥٨، على أن يؤدي إلى الروم قسطًا من مال الهدنة. وكان القيمّ بأمر أبي المعالي وعسكره رقطاش غلام سيف الدولة، وكان قد نزل إليه من حصن برزويه، وحمل إليه غلة عظيمة وعلوفة وطعامًا، ووسع على عسكره بعد الضّائقة ولم يؤدّ سعد الدولة ما هو مقرّر من مال الهدنة على البلاد التي في يده. فخرج الروم وهجموا حمص على غفلة.
وقيل: إن سعد الدولة استولى على حلب في سنة ٣٦٣. ووصله في شهر ربيع الأول رسول العزيز أبو القاسم أحمد بن إبراهيم الرسي من مصر، فأقام الدعوة له بحلب في هذه السنة، وأرسل معه إلى مصر جواب الرسالة قاضي حلب وأظنه ابن الخشّاب الهاشمي.
ووصل إليه بكجور من حلب وهو بحمص، فخلع عليه أبو المعالي وولاه حلب، وأقيمت له الدعوة فيها وفي سائر عملها، فوافق بكجور غلمان سيف الدولة على القبض على مولاه قرعويه وقصد أبي المعالي، وقلعه من حمص، فقبض عليه. وسار أبو المعالي إلى حلب.
[ ٢٩ ]
وقيل: دام الأمر بحلب مردودًا إلى قرعويه وبكجور، فأحب الأمير أبو الفوارس بكجور الحاجبي الكاسكي التفرد بالأمر دون مولاه، وحدّث نفسه بالقبض عليه، فقبض عليه وغدر به، في ذي الحجة سنة ٣٦٤. واستولى على حلب، وانفرد بالأمر، وجعل الحاجب محبوسًا بقلعة حلب.
وكان سعد الدولة إذ ذاك بحمص، فحين علم بذلك طمع بحلب فتوجّه إليه ومعه بنو كلاب، بعد أن أقطعهم بحمص الإقطاع المعروف بالحمصي، فنزل بهم على معرّة النعمان، وبها زهير الحمداني وقد استولى عليها، وعصى على مولاه، ففتح باب حناك، ودخلوا منه فقاتلهم زهير، وأخرجهم. ثم أحرقوا باب حمص، فخرج زهير مسلمًا نفسه بعد أن حلف به كبار الحمدانية إنهم لا يمكنوا أبا المعالي منه. فلما حصل معه غدر به، فتغيّرت وجوه الحمدانيّة، فأمرهم بنهب الحصن فنهبوا ما فيه، وأنفذ زهيرًا إلى حصن أفامية، فقتل هناك.
وسار أبو المعالي، ونزل بهم على باب حلب، وحاصرها مدة، فاستنجد بكجور بالرّوم، وضمن لهم تسليم حلب وأموالًا كثيرة. فتخلوا عنه. وكان نقفور لعنه الله قد قتل على ما شرحناه.
وجدّ سعد الدولة في حصارها والقتال، فسلّم إليه بعض أهل البلد المرتبّين في مراكز البلد برج باب الجنان ورميت أبواب الحديد، وفتحها بالسيف فلم يرق فيها دمًا وأمن أهلها.
وانهزم بكجور إلىالقلعة فاستعصى بها وذلك في رجب سنة ٣٦٥.
وأقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدة حتى نفذ ما فيها من القوت، فسلمها بكجور إليه، في شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٧. وولي سعد الدولة بكجور حمص وجندها، وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة وبينه، على يد أبي الحسن علي بن الحسين المغربي الكاتب؛ والد الوزير أبي القاسم.
واستقر أمر سعد الدّولة بحلب، وجدّد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة ٣٦٧.
وغيّر سعد الدّولة الآذان بحلب، وزاد فيه: حي على خير العمل محمد وعليّ خير البشر. وقيل: إنه فعل ذلك في سنة ٣٦٩، وقيل: سنة ٥٨، ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وسيّر سعد الدولة في سنة ٣٦٧ الشريف أبا الحسن إسماعيل بن النّاصر الحسينيّ يهنّئ عضد الدولة بدخوله مدينة السلام، وانهزم بختيار بين يديه. فوجه إليه بتكنية الطائع، ووصلته خلعة منه، ولقل بسعد الدولة فلبس الخلعة.
ووصل معها خلعٌ من عضد الدولة أيضًا، وخاطبته في كتابه ب: سيدي، ومولاي، وعدتي فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النّامي بقصيدة أولها:
هوى في القلب لاعجه دخيل
وكان أبو صالح بن نانا الملقب بالشديد قد وزر لسعد الدّولة، فانفصل عنه في سنة ٣٧١، ومضى إلى بغداد فستوزر مكانه أبا الحسن بن المغربي.
ونزل بردس الفقاس الدمستق على حلب، في شهر جمادى الأولى من سنة إحدى وسبعين، ووقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله.
فطالب سعد الدّولة بمال الهدنة، وتردّدت المراسلة بينهما، واستقر الأمر على أن يحمل إلى الروم كل سنة أربعمائة ألف درهم فضة، ورحل في اليوم الخامس من وصوله.
في يوم الخميس السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، نزل بردس الدمستق على باب حلب في خمسمائة ألف ما بين فارس وراجل، وكان قد ضمن أن يفتح حلب، وينقض سورها حجرًا حجرًا، وأن يحمل سبيها إلى القسطنطينية.
واحتفل جمعًا وحشد من المجانيق والعرّادات ما لا يحصى كثرةً. وأقام بالحدث أيّامًا، يرهّب الناس، ويهوّل عليهم وسعد الدولة بحلب غير محتفل به.
ثم إنه أقبل وعلى مقدمته ملك الجزرية تريثاويل وعلى ميّمنته وميسرته البطارقة في الحديد السابغ، فارتاع النّاس لذلك، وبثّ سراياه، وسعد الدولة قد أمر غلمانه بلبس السلاح، فدام على هذا ثلاثة أيام، ثم صفّ لقتال البلد، وسعد الدولة لا يخرج إليه أحداُ حتى استحكم طعمه.
ثم إنّه أمر غلمانه بالخروج إليهم في اليوم السابع، فحملوا حملة واحدة لم ير أشد منها، فقتلوا فيها ملك الجزرية تريثاويل، وكان عمدة عسكرهم، فعند ذلك اشتد القتال.
وأمر سعد الدولة عسكره بالخروج إليه، فالتقوا في الميدان، فرجع عسكره أقبح رجوع، وعليهم الكآبة. وسيّر سعد الدولة جيشه خلفه غازيًا حتى بلغت عسكره أنطاكية.
[ ٣٠ ]
وكان الجيش مع وزيره أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي، فتفتتح في طريقه دير سمعان عنوة بالسيف، وخرّب دير سمعان، وكان بنية عظيمة وحصنًا قويًا، وقد ذكر الواساني في بعض شعره.
وقيل: إن الدمستق رأى في نومه المسيح وهو يقول له مهددًا لا تحاول أخذ هذه المدينة، وفيها ذلك الساجد على الترس. وأشار إلى موضعه في البرج الذي بين باب قنسرين، وبرج الغنم في المسجد المعروف بمشهد النور. فلما أصبح ملك الروم سأل عنه فوجده ابن أبي نمير عبد الرزاق بن عبد السلام العابد الحلبي، وكان ذلك سبب الرحيل عن حلب.
وقيل: إنه صالح أهل حلب ورحل.
وقيل: إن هذا كان في نزول أرومانوس على تبلّ. سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
وكان ابن أبي نمير من الأولياء الزهاد والمحدثين العلماء وتوفي في حلب في سنة ٤٢٥، وقبره بباب قنسرين.
ويحتمل أن يكون في سنة ٣٧٢ حين نزل بردس على حلب ورحل عنها عن صلح، في سنة ٣٧٢ فطلب من العزيز أن يوليه دمشق، وكاتب العزيز في إنفاذ عسكر ليأخذ له حلب، فأنفذ إليه عسكرًا، فنزل على حلب إلى أن نزل الدمستق أنطاكية، فخاف أن يكبسه فرحل عنها.
ولما يئس الدمستق من حلب، وخاف على نفسه أن يقتله ملك الروم، خرج إلى جهة حمص، فهرب بكجور من حمص إلى جوسية وكاتب الدمستق أهل حمص بالأمان، وأظهر لهم أنه يسير إلى دمشق، وأنه مهادن لجميع أعمال سعد الدولة، فاطمأنوا إلى ذلك. وأمرهم بإقامة الزاد والعلوفة.
وهجم حمص في ربيع الآخر سنة ٣٧٣، وأحرق الروم الجامع وكثيرًا من البلد.
وكان استوحش أبو المعالي من بكجور، فأمره أن يترك بلده ويمضي.
وصعد بكجور إلى دمشق فوليها في هذه السنة أعني سنة ثلاث من قبل المصريين، وجار على أهل دمشق، فظلم، وجمع الأموال لنفسه، فجرد إليه عسكر من مصر مع مثبر الخادم في سنة ٣٧٨.
وكان بكجور يخاف من أهل دمشق لسوء سيرته، فبعث بعض عسكره، فأرسل إليه بكجور وبذل له تسليم دمشق والانصراف عنها، فأجابه إلى ذلك، فرحل عن دمشق متوجهًا إلى حوارين، في شهر من سنة ٣٧٨.
ووصلت خلع المنصور، في شعبان من هذه السنة فلبسها.
ومات الأمير قرعويه بحلب في سنة ٣٨٠.
ثم عن بكجور قوي أمره واستفحل وأخذ إليه أبا الحسن علي بن الحسين المغربي، واستوزره لمباينة حصلت بينه وبين سعد الدولة. وعاث على أعمال سعد الدولة، وجمع إليه بني كلاب، واستغوى بني نمير، فبرز مضرب الأمير سعد الدولة، يوم السبت الثاني والعشرين من محرم سنة ٨١، إلى ظاهر باب الجنان.
وسار يوم السبت سلخ المحرم، على أربع ساعات، وقد كان بكجور سار إلى بالس، وحاصر من كان بها فامتنعوا عليه، فقصده سعد الدولة، والتقوا على الناعورة، في سلخ المحرم من سنة ٣٨١.
وهزم بكجور، وهرب، واختفى عند رحا القديمي على نهر قويق، وبث سعد الدولة الناس خلفه، وضمن لمن جاء به شيئًا وافرًا، فظفر به بعض الأعراب، وأتى به إلى سعد الدولة، فضرب عنقه صبرًا بين يديه، ببندر النّاعورة، وصلبه على سبع ساعات من يوم الأحد مستهل صفر.
ورحل سعد الدولة يوم الثلاثاء إلى بالس فوجد بكجور قد خرب ربضها، فأقام بها أربعة أيام.
ورحل حتى أتى الرقة، وبها حرم بكجور وأمواله وأولاده، فتلقاه أهل الرقة بنسائهم ورجالهم وصبيانهم، فأقام بها بقية يومه.
ونزل أهل الرقة، فاحتاطوا بحرم بكجور وأولاده، فآمنهم سعد الدولة، في اليوم التّاسع من صفر، وتنجّزت أمورهم إلى يوم الخميس الثاني عشر منه. ورضي عن أولاده، واصطنعهم، ووهب لهم أموال بكجور، وحلف لهم على ذلك، فمدحه أبو السحن محمد بن عيسى النّامي بقصيدةٍ أوّلها:
غزائر الجود طبعٌ غير مقصود ولست عن كرمٍ يرجى بمصدود
ولما خرج أولاد بكجور بأموالهم وآلاتهم استكثرها سعد الدولة، فقال له وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين: أنت حفلت لهم على مال بكجور، ومن أين لبكجور هذا المال؟ بل هذه أموالك.
فغدر بهم، ونكث في يمينه، وقبض مال بكجور إيه، وكان مقداره ثمانمائة ألف دينار، وصادر نواب بكجور، واستأصل أموالهم.
[ ٣١ ]
ثم عاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه. وقيل: أصابه في طريقه قولنج، فدخل إلى حلب، وعولج فبرئ. ثم جامع جارية له فأصابه الفالج، واستدعى الطبيب وطلب يده ليجسّ نبضه. فناوله اليسرى فقال: اليمين. فقال: ما أبقت اليمين يمينًا، يشير إلى غدره ونكثه في اليمين التي حلفها لأصحاب بكجور.
وكان مبدأ علته لأربع بقين من جمادى الأولى، ومات ليلة الأحد لأربع بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وحمل في تابوت إلى الرقة ودفن بها.
وكان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن إسحاق قاضي أبيه، ثم ولي بعده قضاءها رجل هاشمي يقال له ابن الخشّاب، ثم ولي الشريف أبو علي الحسن بن محمد الحسيني والد الشريف أبي الغنائم النسّابة، وكان زاهدًا عالمًا ولاّه سعد الدّولة قضاء حلب وعزل ابن الخشّاب عنه في سنة ٦٣، ودام في ولايته إلى سنة ٣٧٩. وولي بعده أبو محمد عبد الله بن محمد.
وكان العزيز أرسل إلى سعد الدولة يسأله إطلاق أولاد بكجور وتسييرهم إلى مصر، فأهان الرسول، وليم يقبل الشفاعة ورد عيه جواب متوعد متهدد.
ثم إن غلمان سعد الدولة ملّكوا ابنه أبا الفضائل سعيدًا ولقبوه سعيد الدولة، ونصبوه مكان أبيه في يوم الأحد. وصار المدير له وصاحب جيشه من الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي، واستولى على الأمور، وزوج ابنته سعيد الدولة، فرفع المظالم والرسوم المقرّرة على الرعيّة من مال الهدنة، وردّ الخارج إلى رسمه الأوّل، وردّ على الحلبيين أملاكًا كان اغتصبها أبوه وجدّه.
وطمع العزيز صاحب مصر في حلب. فاستصغر سعيد الدولة ابن سعد الدولة، فكتب إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي وكان أمير الجيوش واليًا بدمشق من قبل العزيز وأمره بالمسير إلى حلب وفتحها، فنزل في جيوش عظيمة ومدبر الجيش أبو الفضائل صالح بن علي الرّوذباري.
فنزل على حلب في سنة ٣٨٢ وفتح حمص وحماة في طريقه، وحصر حلب مدة، فبذل له سعيد الدولة أموالًا كثيرة على أن يرحل عنه وعلى أن يكون في الطاعة. ويضرب السكة على اسم العزيز، ويكتب اسمه على البنود في سائر أعماله.
فامتنع من قبول ذلك وقاتل حلب في ثلاثة وثلاثين يومًا. وضجر أهل حلب فقالوا لابن حمدان: إما أن تدبرّ أمر البلد وإلا سلّمناه. فقال: اصبروا عليّ ثلاثة أيام، فإنّ البرجي والي أنطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان. فبلغ ذلك بنجوتيكن فاستخلف بعض أصحابه وهم: بشارة القلعي، وابن أبي رمادة ومعضاد بن ظالم في عسرك معهم كبير على باب حلب.
وسار فالتقى البرجي عند جسر الحديد، وبنجوتكين في خمسة وثلاثين ألفًا والروم في سبعين ألفًا، فانهزم البرجي، وأخذ بنجوتكين سواده وقتل من أهله وأصحابه مقتلة عظيمة، وأسر خلقًا كثيرًا.
فانحاز ابن أخت البرجيّ إلى حصن عمّ، فسار بنجوتكين إلى عمّ فقالت حصنها، وفتحه بالسيف، وأسر منها ابن أخت البرجي، ووالي الحصن وثلاثمائة بطريق، وحصل عنده ألفا فارس، وغنم من عمّ مالًا كثيرًا، وأحرقها وما حولها، ووجد ف عمّ عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا وقاتلوا بين يديه.
وسار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلاف جاموس ومن البقر والمواشي عددًا لا يحصى، وسار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ مرعش، فقتل، وأسر، وغنم، وخرّب، وأحرق.
وعاد إلى عسكره إلى باب حلب المعروف بباب اليهود، وقاتلها من جميع نواحيها، وكان هذا في جمادى الأولى وجمادى الآخرة، فأقام على حلب إلى انقضاء سنة ٣٨٢، وعاد إلى دمشق.
ثم إنّه عاد وخرج من دمشق في سنة ٣٨٣ ومدبر الجيش أبو سهيل منشأ بن إبراهيم القزّاز، فنزلوا شيزر وقاتلوها وفتحوها، وأمنوا سوسن الغلام الحمداني وكان واليًا بها وجميع من كان معه.
وسار بنجوتكين إلى أفامية، فتسلمها من نائب سعيد الدولة، ثم سار أمير الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية، فغنموا بقرًا وغنمًا. ورماكًا وجواميس، وبلغوا نواحي بوقا، وقطعوا بغراس، وعاد العسكر إلى الرّوج ثم إلى أفامية.
[ ٣٢ ]
وسار إلى دمشق، وسيّر العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب، الذي كان وزيرًا لسعد الدولة أبي المعالي مرة وفارقه عن وحشة وهو والد الوزير أبي القاسم بن المغربي في محرم من سنة ٣٨٤، من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبر جيشه والناظر في أعمال الشام إن فتحت، لخبرته، وسار معه عسكرٌ كثيرٌ فوصل إلى دمشق.
وسار منها بنجوتكين وابن المغربي في ثلاثين ألف مقاتل، فوصلوا ظاهر حلب في شهر ربيع الآخر. وضيق عليها بالحصار، فاستنجد سعيد الدولة ولؤلؤ بالروم، وخرج البطريق البرجي والي أنطاكية بعسكر الروم، فنزل بالأرواج على المخاض، وبث سراياه، وربت قومًا يغيرون على أعمال حلب.
وسار بنجوتكين فنزل مقابلهم، وسار عسكر حلب وفيهم الأمير رباح الحمداني وكبار الحمدانية، فنزلوا مع الرّوم على مخاضة أخرى، فقطع المغاربة بالماء وعبروا إليهم، وأنفذ بنجوتكين العرب مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين، فحين أشرفوًا عليه انهزموا عن المخاضة، ونهبتهم العرب.
فحين شاهد الروم ذلك انهزموا، وتخلّوا عن البرجي، واضطروا إلى الهزيمة؛ وتبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة ٣٨٤، فظفر بهم، وغنم الأموال والرجال والخيل التي لا تحصى، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وأسر خلقًا كثيرًا من الروم وسار فنزل على عزار، فأخذها.
ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بإزارها وشتى بها، وآثار العمارة التي تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر، ولم يزل على حلب، إلى أن انقضت سنة ٣٨٤، وكان حصارهم حلب أحد عشر شهرًا، وأكلوا الخيل والحمير.
وأنفذ أبو الفضل سعيد الدولة ولؤلؤ أبا علي بن إدريس إلى باسيل ملك الروم بالقسطنطينية، يستنجدانه، وكانت له على حلب قطيعة تحمل إليه، وقالا له: ما نريد منك قتالًا إنما نريد أن تجفله.
فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفًا، وعسكر بنجوتكين لا خبر معهم لباسيل، فسيّر جواسيس وقال لهم: امضوا إلى العسكر وأعلموهم بي. وكانت دواب أمير الجيوش بمرج أفامية في الربيع، فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير الجيوش بوصول باسيل إلى العمق، ضرب جميع آلته بالنار، ورحل إلى قنسرين فصارت هزيمة.
وجاء باسيل ملك الروم، فنزل موضعهم، فلم يمله، وكان قد خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم، وشكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين، ومعه هدية جليلة القدر فقبلها منه، ثم أعادها إلى حلب، ووهب له القطيعة التي كانت له على حلب في تلك السنة، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل: خذ حلب والشام، فما يمتنع منك. فقال: ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قومًا، فغدرت بهم. فقال له بعض أصحابه: ليست حلب غالية بغدرة. فقال الملك: ولو أنها الدنيا.
وكان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب، وإذا خرج لؤلؤ أقام أبو الفضائل. فتوجع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده، فحجبه ساعة فشق عليه، وانصرف مغضبًا، فلحقه لؤلؤ وقال هل: ما كنت عليلًا، وإنما أردت أن أعلمك أنك متى ما مضيت إلى غير هذا البلد إنك تحجب عليّ أبواب الناس، وقد شق عليك أني حجبتك وأنا عبدك، والبلد بلدك. فرجع إلى قول لؤلؤ.
وعصى رباح السيفي بالمعرة على مولاه أبي الفضائل فخرج إليه مع لؤلؤ في سنة ٣٨٦، وانحاز إلى المغاربة، فخرج أبو الفضائل ولؤلؤ وحصراه مدة، فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما ودخلا حلب.
وخرج باسيل إلى أفامية بعد وقعة جرت للروم مع المغاربة، فجمع عظام لقتلى من الروم وصلى عليهم، دفنهم، وسار إلى شيزر ففتحها، بالأمان من لمغاربة، وذلك في سنة ٣٨٩.
وسار ملك الروم إلى وادي حيران، فسبى منه خلقًا عظيمًا من المسلمين، وخرج إليه أبو الفضائل من حلب إلى شيزر فأكرمه وقال له: قد وهبت لك حلب، ووهبت لأبي الفضائل في جملة ما وهبت سطل ذهب. وقال له: اشرب بهذا.
ومات أبو الفضائل سعيد الدولة ليلة السبت النصف من صفر سنة ٣٩٢، سقته جاريةٌ سمًا، فمات. وقيل: إن لؤلؤ دسّ عليه ذلك وعلى ابنته زوجة أبي الفضائل فماتا جميعًا.
وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن محمد بن أحمد القاضي أبا محمد.
وملّك لؤلؤ السيفي ولديه أبا الحسن عليًا وأبا المعالي شريفًا ابني سعيد الدولة، واستولى لؤلؤ على تدبير ملكهما وليس إليهما شيء.
وخاف لؤلؤ على حصن كفر روما، وحصن عار، وحصن أروح، أن يقصد فيها، فهدمها جميعًا سنة ٣٩٣.
[ ٣٣ ]
وأحب لؤلؤ التفرد بالملك، فسيّر أبا الحسن أبو المعالي ابن سعيد الدولة عن حلب إلى مصر مع حرم سعد الدولة، في سنة ٣٩٤. وحصل الأمر له ولولده مرتضى الدولة أبي نصر منصور بن لؤلؤ.
وقبض لؤلؤ على أحمد بن الحسين الأصفر بخديعة خدعه بها، وذلك أنه طلب أن يدخل إليه إلى حلب، وأهمه أن يصير من قبله، فلما حصل عنده قبض عليه، وجعله في القلعة مكرمًا. لأنه كان يهوّل به إلى الروم.
وكان هذا الأصفر قد عبر من الجزيرة إلى الشام، مظهرًا غزو الروم، فتبعه خلق عظيم، وكان يكون في اليوم في ثلاثين ألفًا ثم يصير في يوم آخر في عشرة آلاف وأكثر وأقل.
ونزل على شيزر وطال أمره، فاشتكاه باسيل ملك الروم إلى الحاكم، فسيّر إليه والي دمشق في عسكر عظيم، فطرده عنها، ودام معتقلًا في قلعة حلب إلى أن حصلت للمغاربة في سنة ٤٠٦.
وتوفي قاضي حلب أبو طاهر صالح بن جعفر بن عبد الوهاب بن احمد الصالحي الهاشمي؛ مؤلف كتاب الحنين إلى الأوطان في سنة ٣٩٧. وكان فاضلًا، وأظن أن ولايته القضاء كانت بعد أيام سعيد الدولة، بعد القاضي أبي محمد عبيد الله بن محمد بن أحمد.
وولّى لؤلؤ قضاء حلب في هذه السنة أبا الفضل عبد الواحد بن أحمد بن الفضل الهاشمي.
وتوفي لؤلؤ الكبير بحلب في سلخ ذي الحجة من سنة ٣٩٩. وقيل: ليلة الأحد مستهل المحرم سنة ٤٠٠. ودفن بحلب، في مسجده المعروف به فيما بين باب اليهود وباب الجنان وكانت داره القصر باب الجنان، وله منها إلى المسجد سربٌ يدخل فيه إلى المسجد فيصلي فيه.
وكان لؤلؤ يعرف بلؤلؤ الحجراني. ويعرف بذلك لأنه كان مولى حجراج، أحد غلمان سيف الدولة، فأخذه منه وسماه لؤلؤ الكبير، وكان عاقلًا محبًا للعلماء والعدل، شهمًا وظهرت منه في بعض غزوات سيف الدولة شهامة، فتقدم على جماعة رفقته من السيفية والسعدية.
وتقرّرت إمارة حلب بعده لابنه أبي نصر منصور بن لؤلؤ ولقب مرتضى الدولة، وكان ظالمًا عسوفًا، فأبغضه الحلبيون وهجوه هجوًا كثيرًا، فمما قيل فيه:
لم تلقّب وإنّما قيل فألًا مرتضى الدّولة الّتي أنت فيها
وسيّر مرتضى الدولة ولديه أبا الغنائم وأبا البركات إلى الحاكم وافدين عليه، فأعطاهما مالًا جسيمًا، وأقطعهما سبع ضياع في بلد فلسطين، ولقب أباهما مرتضى الدولة، وكان ذلك قبل موت لؤلؤ بسنة.
وكان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء، وكان قد وصّى سعد الدولة لؤلؤًا لما مات به، فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه، وضيّق عليه لؤلؤ ومرتضى الدولة، وكان قد صاهر ممهد الدولة أبا منصور أحمد بن مروان صاح ديار بكر على ابنته، وأظن ذلك كان في أيام أبيه.
فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ وابنه مرتضى الدولة، فتحدث مع رجل نصراني يعرف بملكونا. كان تاجرًا وبزّازًا لمرتضى الدولة فأخرجه من حلب هاربًا، والتجأ إلى ملك الروم فلقبه الماخسطرس.
فلما كثر ظلم منصور وعسفه رغب الرعية وبنو كلاب المتدبرون ببلد حلب في أبي الهيجاء بن سعد الدولة، وكاتبوا صهره ممهّد الدّولة بن مروان في مكاتبة باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم.
وأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب، ويكون من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال ولا مال.
فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك، فوصل إلى صهره بميّافارقين، فسيّر معه مائتي فارس وخزانه، وكاتب بني كلاب بالانضمام إليه.
وسار قاصدًا حلب في سنة ٤٠٠. فخافه منصور، ورأى أن يستصلح بني كلاب، ويقطعهم عنه، لتضعف منّته، فراسلهم ووعدهم بإقطاعات سنية، وحلف لهم أن يساهمهم أعمال حلب البّرانيّة.
واستنجد مرتضى الدولة بالحاكم، وشرط له أن يقيم بحلب واليًا من قبله، فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي علي بن عبد الواحد بن حيدرة قاضي طرابلس، وأبي سعادة القائد والي طرابلس، في عسكر كثيف، فالتقوا بالنقرة.
وتقاعدت العرب عن أبي الهيجاء لما تقدّم من وعود مرتضى الدولة لهم، فانهزم أبو الهيجاء راجعًا إلى بلد الروم ونهبت خيامه وجميع ما كان معه.
ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات.
وكان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة ٤٠٤ سجلًا، وقرئ في القصر بالقاهرة، بتمليكه حلب وأعمالها، ولقب فيه مرتضى الدولة.
[ ٣٤ ]
وكان في قلعة عزاز غلام مرتضى الدولة فاتهمه في أمر أبي الهيجاء، فطلب مرتضى الدولة منه النزول فلم يفعل، وخاف منه، وقال: ما أسلمها إلا للقاضي حيدرة. فسلمها إليه.
وكتب القاضي فيها كتابًا إلى الحاكم، وسلّمها إلى مرتضى الدولة، فنقم عليه، وقتله بعد ذلك.
أما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات.
وعاد قاضي طرابلس خائبًا.
وكان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر، فسيّره الحاكم بعساكر المغاربة إلى حلب، فوصل معرة النعمان في سنة اثنتين وأربعمائة، وأرادت العرب الغدر به، وبيعه من مرتضى الدولة، فأخذه مضيء الدولة نصر الله بن نزّال ورده إلى العسكر، ورجع فمات بمصر.
أما بنو كلاب فإنهم طلبوا من مرتضى الدولة ما شرطه لهم من الإقطاع، فدافعهم عنه، فتسلطوا على بلد حلب، وعاثوا فيه وأفسدوا، ورعوا الأشجار وقطعوها، وضيّقوا على مرتضى الدولة، فشرع في الاحتيال عليهم، وأظهر الرغبة في استقامة الحال بينهم وبينه، وطلبهم أن يدخلوا إليه ليحالفهم ويقطعهم ويحضروا طعامه، واتخذ لهم طعامًا.
فلما حصلوا بحلب مدّ لهم السماط وأكلوا وغلفت أبواب المدينة، وقيّد الأمراء وفيهم صالح بن مرداس، وفيهم أبو حامد وجامع ابنا زائدة. وجعل كبار الأمراء بالقلعة، ومن دونهم بالهري. وقتل منهم أكثر من ألف رجل، وذلك لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة ٤٠٢.
فجمع مقلّد بن زائدة من كان من بني كلاب خارج حلب وأجفل البيوت، ونزل بهم كفر طاب فقاتلها، فرماه ديلمي اسمه بندار فقتله، في أوائل سنة ٤٠٣. وكان مرتضى الدولة قد أخرج أخويه أبا حامد وجامعًا وغيرهما، وجعلهم في حجرة، وجعل فيها بسطًا، وأكرمهم لأجل مقلّد. فلما جاءه خبر قتله أنفذ إليهم يعزّيهم به، فقال بعضهم لبعض: اليوم حبسنا.
وسيّر مرتضى الدّولة إلى صالح بن مرداس، وهو في الحبس وألزمه بطلاق زوجته طرود، وكانت من أجمل أهل عصرها، فطلقها، وتزوجها منصور، وهي أم عطية بن صالح، وإيلها ينسب مشهد طرود، خارج باب الجنان، في طرف الحلبة. وبه دفن عطية ابنها، ومات أكثر المحبّسين في القلعة في الضرّ والهوان والقلة والجوع.
وكان مرتضى الدولة في بعض الأوقات إذا شرب يعزم على قتل صالح، لحقنه عليه من طول لسانه وشجاعته. فبلغ ذلك صالحًا فخاف على نفسه وركب الصعب في تخليصها، واحتال حتى وصل إليه في طعامه مبردٌ، فبرد حلقة قيده الواحدة وفكها وصعبت الأخرى عليه، فشد القيد في ساقه، ونقب حائط السجن، وخرج منه في الليل، وتدلى من القلعة إلى التل وألقى نفسه فوقع سالمًا ليلة الجمعة مستهل المحرم سنة ٤٠٥ واستتر في مغارة بجبل جوشن، وأكثر الطلب له والبحث عنه عند الصباح، فلم يوقف له على خبر، ولحق بالحلّة، واجتمعت إليه بنو كلاب، وقويت نفوسهم بخلاصه، وبعد ستة أيام ظفر صالح بغلام لمنصور وكان قد أعطاه سيف صالح، فاستعاده منه وأيقن بالظفر، وتفاءل بذلك.
ولما كان في اليوم العاشر من صفر نزل صالح بتل حاصد من ضياع النقرة يريد قسمتها، بعد أن جمع العرب واستصرخهم، وكان يعلم صالح محبة مرتضى الدولة لتل حاصد.
فحين علم منصور بنزول صالح على تل حاصد رأى أن يعاجله قبل وصول المدد إليه، فجمع جنده، وحشد جميع من بجلب من الأوباش والنصارى، واليهود، وألزمهم بالسير معه إلى قتال صالح، فخرجوا ليلة الخميس ثاني عشر صفر من سنة ٤٠٥.
وبلغني: أنّ مرتضى الدّولة لما وصل إلى جبرين تطيّر وقال: جبرنا، فلما وصل تل حاصد قال: حصدنا.
وأصبح عليهم يومٌ شديد الحرّ، فماطلهم صالح باللقاء إلى أن عطش العوام ونالوا المرام، والحمد لله على التمام والكمال والله أعلم.
[ ٣٥ ]