وقال: كان الملك أول على سوريا وبابل سلوقوس نيقطور وهو سريانيّ. وملك في السنة الثالثة عشرة بطليموس بن لاغوس بعد موت الإسكندر وألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها، وقرّر عليهم الجزية.
وسوريا هي الشام الأولى، وهي حلب وما حولها من البلاد على ما ذكره بعض الرواة وفي طرف بلد حلب بناحية الأحصّ مدينةٌ عظيمةٌ داثرةٌ، وبها آثارٌ قديمةٌ يقال لها سورية، وإليها ينتسب القلم السوريانيّ. فلعل الناحية كلّها ينسب إليها ويطلق عليها اسمها، كما أطلق بعد ذلك على جميع الكورة اسم قنّسرين.
وقال، يعني المؤرخين من المسيحية: الذي ملك بعد الإسكندر بطليموس الأريب، وهو بنى حلب وسمّاها أشمونيث، وذلك أنّه اختار بناء المدينة في موضع، وأراد أن يكون بها الماء، فخرج ودار حولها حتى رأى الأعين التي بحيلان، فأمر المهندس أن يبني عليهنّ بناءً ويحكمه، وأن يجريهنّ إلى المكان الذي هو موسومٌ بمنزلة الملك. وجمع الناس للعمل وعمارة المدينة فاحتفر في وسط المدينة حفيرةً، بثقها إلى النهر الذي أجراه، وأمر بالقساطل أن تعمل، فاختلعت فاتخذت من الحجارة فتمّ ما أراد، وبنى له بناءً في موضع الريحانيين يومنا هذا. واتّخذ عليه قصرًا وبنى المدينة، وآخر ما بناه باب أنطاكية ورتّب فيها ابنته أشمونيث، وسمّى المدينة باسمها وأضاف لها جندًا وزوّجها بإيلياوس أحد اليونان؛ فإنّ رسمها قديمٌ، فتمّم بناءها وأضافها إلى أيلياوس زوج أشمونيث.
وملك بعده ابنه بطليموس، ولقب باليونانية محب أخته وكانت أخته نائبة عنه، فبقي في الملك ستًا وعشرين سنةً.
ملك بعده ابنه بطليموس الأورجاتس ولقب باليونانية: محبّ أبيه، وأشمونيث وزوجها وولدها يتولّون حلب.
[ ٢ ]
وملك بعده بطليموس محب أمه وهو ابن أشمونيث، كان ينزل حلب وعمّر على صخرتها قلعة وحصّنها، فخرج عليه في آخر أيامه أنطياخوس ملك الروم واستنجد عليه، فلم يكن محب أمّه معه طاقةٌ، فخرج عنها مع أمّه فأسرهما أنطياخوس وعذّبهما، واستصفى أموالهما، وشرع في هدم ما جدّدت أشمونيث من بناء حلب. فقيل له: إنّ الذي يفعله ليس من عادة الملوك، فكفّ عن هدمها وتوعّد من يسكن بحلب، فصار الناس إلى غيرها. وعاد إلى أنطاكية، فاستحدث بها أبنيةً لنفسه، فلذلك يزعم قومٌ أنّ أنطاكية من بنائه، وليس كذلك. وإنمّا له فيها مثل ما لبطليموس الأريب من التّتميم، ويقال: إنّ أشمونيث وهي حلب تجاوزت عمارتها ما رسمه الأريب، حتى صارت العمارة إلى جميع الجوانب. وقيل: إنّ أشمونيث نصبت حوليها مئة ألف نصبٍة من الزيتون من الأشجار الجبلية الشامية، ولم يبق بحلب موضعٌ ينسب إلى أشمونيث غير العين المعروفة بأشمونيث. وماتت أشمونيث وولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب. وقيل: هو الذي بنى قنّسرين، وأجرى الماء إليها في قناةٍ من عين المباركة، وقيل: بناها غيره. وعرف أنطياخوس ببطليموس الرابع، وقيل: إنّ أشمونيث حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدةٌ من مصر فهزمته، فصار إلى الشرق فمات.
ثم ملك حلب بعد أشمونيث بطليموس أبيفانس وهو قائد العسكر. وفي زمانه اشترت اليهود منه موضع القلعة المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصنّوا بها، وكانوا يعينون الملك في القتال، ويحملون له الأموال.
ثم ملك بعده بطليموس فيلومطر وهلك أنطياخوس في أيامه.
ثم ملك بعده جماعةٌ من ملوك اليونان، إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك الروم، فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن ميويوخس فاستولى على الدنيا وقهر الملوك وقصد مصر ليستولي عليها. فلما بلغ حلب وكان أمره قد عظم قال: إنّ بطليموس الأريب لم يرض أن ينزل منزلًا لغيره، فسار إلى موضع مدينة قنّسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم، فبنى قنسرين وسماها مدينة العسكر، ونقل الأسواق من حلب إليها، ولم يبق بحلب إلا من لا حاجة للعسكر به، وكانت هذه أعظم ما فعل أنطياخوس وقيل: إنه أمر أن ينفق على القناة إليها، فأنفق نائبه مالًا على القناة، وأجرى الماء فيها من عين المباركة، وساقها بالقناطر إلى قنّسرين، وبنى بها ثلاث بركٍ على شكل المثلّث، وفائضها ينحدر إلى الأرضين التي تحتها.
وصار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم. وصارت أنطاكية دار الملك، وبها مقام ملوك الروم، وكانوا يدعونها مدنية الله ومدينة الملك وأمّ المدن، لأنها أول بلد ظهر فيه دين النّصرانية. ومعظم سور مدينة حلب من بناء الروم.
وملك منهم ملكٌ يقال له: فوقاس، فسفك الدماء، وتتبع حاشية كسرى فقتلهم فتوجه كسرى أو شروان إلى الشام، فافتتح حلب وأنطاكية ومنبج. ورمّ ما استهدم من سور حلب بالقرميد الكبار، وهو ظاهرٌ في سور المدينة الكبير فيما بين بابي اليهود والجنان.
وجدّد كسرى بناء منبج، وسمّاها منبه، وهو بالفارسية أنا أجود فعرّبت فقيل: منبج. واستحسن أنطاكية، فلما عاد إلى العراق بنى مدنيةً على صورتها، وسمّاها زبد حسره، وهي التي تسمّى رومية، وأدخل إليها سبي أنطاكية، فقيل: إنهم لم ينكروا من منازلهم شيئًا، فانطلقوا إليها إلا رجلًا إسكافًا كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصادٍ فلم يرها على بابه ذلك. فتحيّر ساعةً، ثم دخل الدار فوجدها مثل داره.
ولما عاد كسرى من الشام قام هرقل بن قوق بن مروقس وجمع بطارقة الروم، وأولي المراتب؛ وذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك الروم، وغلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره، وإقدامه على الدماء، ودعاهم إلى قتله فقتلوه. ووقع اختيارهم على هرقل فملكوه. في أول سنةٍ من ملكه كانت هجرة نبينا محمدٍ ﷺ من مكة إلى المدينة واستولى على حلب، وعلى جميع البلاد التي استولى عليها أنو شروان، وكان جلّ مقامه بأنطاكية.
فلما افتتح المسلمون أجناد الشام، وكانت واقعة اليرموك، وقتل المسلمون فيها معظم الروم، وأمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح، انتقل هرقل من أنطاكية، وعبر نهر الفرات إلى الرّها، وجعل بقنّسرين ميناس الملك، وكان أكبر ملوك الروم بعد هرقل.
[ ٣ ]
فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها، ثم بعث خالد بن الوليد على مقدّمته إلى قنّسرين. فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم، وثار أهل الحاضر بخالد بن الوليد، وعليهم ميناس وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل ت فالتقوا بالحاضر، فقتل ميناس ومن معه مقتلةً لم يقتلوا مثلها. ومات الروم على دمه حتى لم يبق منهم أحدُ.
وأمّا أهل الحاضر فكانوا من تنوخ، منذ أول ما تنخوا بالشام نزلوه، وهم في بيوت الشعر، ثم ابتنوا المنازل، فأرسلوا إلى خالد بن الوليد: إنّهم عربٌ وإنهم لم يكن من رأيهم حربه. فقتل منهم وترك الباقين. فدعاهم أبو عبيدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم، وبقي البعض على النّصرانية، فصالحهم على الجزية. وكان أكثر من أقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. ويقال: إنّ جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدّي، فكتب على أيديهم بالخضرة قنسرين.
ثم إن خالدًا سار فنزل على قنّسرين، فقاتله أهل قنسرين، ثم لجؤوا إلى حصنهم، فتحصّنوا منه، فقال: إنّكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم، أو لأنزلكم إلينا. ثم نطروا في أمرهم، وذكروا ما لقي أهل حمص وطلبوا منه الصلح، فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على خراب المدينة فأخربها. وكان صلح حمص على دينار وطعامٍ على كلّ جريبٍ أيسروا أو أعسروا. وغلب المسلمون على جميع أراضيها وقراها وذلك في سنة ١٦ من الهجرة.
ثم إنّ خالدًا سار إلى حلب، فتحصّن منه أهل حلب، وجاء أبو عبيدة حتى نزل عليهم فطلبوا من المسلمين الصلح والأمان. فقبل منهم أبو عبيدة وصالحهم وكتب لهم أمانًا، ودخل المسلمون حلب من باب أنطاكية، وحفّوا حولهم بالتّراس داخل الباب، فبني على ذلك المكان مسجدٌ وهو المسجد المعروف بالغضائري داخل باب أنطاكية ويعرف الآن بمسجد شعيبٍ.
ولما توجّه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أنّ أهل قنّسرين قد نقضوا، فردّ إليهم السمط ابن الأسود الكنديّ فحصرهم ثم فتحها، فوجد فيها بقرًا وغنمًا، فقسم بعضها في من حضر، وجعل الباقي في الغنم.
وكان حاضر قنّسرين قديمًا نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حتى نزل الجبلين من نزل منهم. فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصولح كثيرٌ منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسيرٍ، إلا من شذّ منهم.