ثبتت غرناطة ولم تنهزم تحت ضربات النصارى بسبب مساندة المغاربة مرة أخرى. وكان الوضع في المغرب قد تحسن والتفت الكلمة فيه حول الدولة المرينية.
وكان ابن الأحمر مؤسس الدولة النصرية قد أوصى قبل وفاته ولي عهده ومن أتى بعده بالتشبث بالمغاربة والتحالف معهم لضمان الوجود الإسلامي في الأندلس. كما استغاث بالسلطان أبي يوسف المريني لصد هجوم النصارى على الجزيرة الخضراء.
وجاء الإنجاد المغربي بعد وفاة ابن الأحمر وتولى ابنه أبو عبد الله محمد الفقيه سنة ٦٧١ هـ (١٢٧٣ م) فخرج السلطان أبو يوسف المنصور من عاصمته فاس سنة ٦٧٣ هـ وعبر إلى الأندلس في صفر سنة ٦٧٤ هـ (يوليوز عام ١٢٧٥ م) في جيش كثيف من المغاربة داعيًا إلى الجهاد لحماية الإسلام وأهله في الأندلس، وانضم إليه جيش الأندلسيين وعلى رأسه السلطان النصري. ووقع اللقاء بين الجيوش الإسلامية والنصرانية قرب أستجة بين إشبيلية وقرطبة في يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ٦٧٤ هـ (٩/ ٩/ ١٢٧٥ م) وكان الفوز فيه للمسلمين على النصارى الذين سقط رئيسهم"دون نونيو" ولحقت بهم خسائر فادحة. ثم رجع السلطان أبو يوسف إلى المغرب في أواخر رجب عام ٦٧٤ هـ، بعد أن رفع معنويات الأندلسيين. ثم عاد السلطان أبو يوسف المريني مرة ثانية إلى الأندلس سنة ٦٧٧ هـ وتوغل بجيشه في الأراضي التابعة للنصارى إلى ضواحي إشبيلية.
لكن سلطان الأندلس أوجس خيفة من المغاربة وحاول التحالف مع النصارى ضدهم، فسلم للقشتاليين الجزيرة الخضراء، فأرسل السلطان أبو يوسف المريني جيشًا بإمرة ابنه أبي يعقوب، عبر المضيق سنة ٦٧٨ هـ وهزم النصارى وحرر الجزيرة الخضراء، ثم فكر في التحالف مع النصارى ضد الأندلسيين فنهاه والده السلطان، وعادت المياه إلى مجاريها. وفي صفر سنة ٦٨٤ هـ عبر جيش مغربي المضيق للمرة الرابعة برئاسة السلطان أبي يوسف المنصور، وغزا مناطق النصارى من شريش إلى أحواز إشبيلية وحتى لبلة وأستجة. ونتج عن ذلك عقد هدنة مع النصارى. وتأسست في نفس الوقت مشيخة الغزاة في غرناطة برئاسة شيخ من بني مرين تنظم المتطوعين المغاربة الذين يدافعون عن أرض الأندلس. وقفل السلطان أبو يوسف راجعًا إلى
[ ٣٩ ]
المغرب، لكن أصابه المرض ووافاه الأجل المحتوم في الجزيرة الخضراء، وخلفه على عرش المغرب ابنه السلطان أبو يعقوب. فتوثقت بينه وبين السلطان أبي عبد الله الفقيه العلاقات الطيبة والتحالف التام. ولما نكث النصارى بعهودهم وهاجموا الأراضي الإسلامية، قاد السلطان أبو يعقوب جيشًا عبر به المضيق سنة ٦٩٠ هـ واقتحم أراضي النصارى إلى أحواز إشبيلية ثم عاد إلى المغرب أوائل سنة ٦٩١ هـ.
وزاغ السلطان أبو عبد الله مرة ثانية وتحالف مع النصارى ضد المغاربة وسلم لهم مدينة طريف سنة ٦٩٢ هـ (١٢٩٢ م). لكنه أفاق من زلته وجاز إلى سلطان المغرب معتذرًا مستسمحًا، فصفا الجو من جديد. ثم تابع السلطان أبو عبد الله الجهاد بمفرده على رأس جيشه الأندلسي وضم أراضٍ وقلعًا ومدنًا كثيرة في منطقة جيان إلى الأراضي الإسلامية بين سنتي ٦٩٥ و٦٩٩ هـ (١٢٩٥ - ١٢٩٩ م). وقبيل وفاته بدأ سياسة أندلسية جديدة بالتقارب مع مملكة أراغون النصرانية على حساب مملكة قشتالة. وهكذا وجدت مملكة غرناطة توازنها في تحالفها مع المغرب وأراغون قبالة قشتالة التي كانت تمثل الخطر النصراني عليها.
وتوفي السلطان أبو عبد الله الفقيه في شعبان سنة ٧٠١ هـ (١٣٠٢ م) بعد حكم دام ثلاثين سنة عن عمر يناهز ٦٨ عامًا. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد المخلوع الذي كان ضريرًا، أديبًا وفقيهًا، لكن لم يكن رجل دولة. فغلب عليه وزيره، وساءت أمور الدولة الداخلية، كما ساءت علاقة مملكة غرناطة في أيامه مع المغرب. وتحالف المخلوع مع قشتالة ضد المغرب. فثار عليه أهل غرناطة سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٩ م) وخلعوه وبايعوا مكانه أخاه أبو الجيوش نصر. وكان هو كذلك أديبًا ولوعًا بالرياضة والفلك، لكنه لم يحسن تدبير الدولة. فتوالت الأزمات، وانتهز النصارى هذه الفرصة فغزوا أراضي المسلمين سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م). فتحالفت قشتالة وأراغون، وحاول الأراغونيون احتلال المرية ففشلوا، لكن القشتاليين احتلوا الجزيرة الخضراء وجبل طارق. ولما وافق السلطان نصر على أداء الجزية لطاغية قشتالة، ثار أهل غرناطة عليه وخلعوه سنة ٧١٣ هـ (١٣١٤ م). وانقرض بذلك الملك من عقب مؤسس الدولة، وانتقل إلى عقب أخيه أبو الوليد إسماعيل بمبايعة السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبو سعيد فرج بن أبي الوليد إسماعيل أخي أبي عبد الله محمد بن الأحمر.
امتاز عصر السلطان أبو الوليد إسماعيل بتوطيد الدولة الأندلسية واستقرار الأمور وإحياء عهد الجهاد وصفو العلاقات مع المغرب. وفي سنة ٧١٦ هـ هجم القشتاليون
[ ٤٠ ]
على غرناطة وعانوا في أراضيها فسادًا، ثم هاجموا غرناطة سنة ٧١٨ هـ (١٣١٨ م)، فخرج لهم الجيش الأندلسي فهزموه. ثم عمد السلطان أبو الوليد إسماعيل على تحصين مدينة الجزيرة الخضراء. وفي سنة ٧٢١ هـ جدد معاهدة الصلح مع أراغون، ثم قام بغزو أراضي النصارى في منطقة جيان: بياسة سنة ٧٢٤ هـ، ومرتش سنة ٧٢٥ هـ. لكنه اغتيل بعد هذه الموقعة بقليل من طرف أحد الأمراء.
فخلفه ولده أبو عبد الله محمد. فساء السيرة، إذ نشب بينه وبين مشيخة الغزاة خلاف أدى إلى حروب داخلية استغلها القشتاليون لغزو أراضي المسلمين. فعبر السلطان أبو عبد الله البحر إلى المغرب سنة ٧٣٢ هـ مستنجدًا بالسلطان أبي الحسن المريني. فاستجاب السلطان أبو الحسن وأرسل جيشًا بإمرة ابنه، وتعاون المغاربة والأندلسيون في تحرير جبل طارق من يد النصارى سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م). ولكن السلطان أبو عبد الله اغتيل بعد هذا النصر من طرف مشيخة الغزاة قبل رجوعه إلى غرناطة.
فخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف، وكان من أعظم ملوك بني نصر رغم حداثة سِنِّه (١٦ سنة عند بيعته). كان عالمًا شاعرًا بناءً، وقد اكتسب قصر الحمراء في أيامه كثيرًا من أبهته المعروفة به اليوم. فأبقى في تسيير أمور الدولة وزيره أبو النعيم رضوان. وكان من بين وزرائه الكاتب والشاعر أبو الحسن بن الجياب. ولما توفي ابن الجياب في الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ خلفه في الوزارة لسان الدين بن الخطيب.
ولمّا بويع السلطان أبو الحجاج يوسف اشتدت وطأة القشتاليين على أراضي المسلمين، فاستنجد بالسلطان أبي الحسن المريني الذي أرسل جيشًا بإمرة ابنه أبي مالك، فهزمه النصارى سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م) وقتل أبو مالك. فعبر السلطان أبو الحسن بنفسه البحر إلى الأندلس، فهزمه النصارى شر هزيمة في موقعة نهر سلادو في جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ (٣٠/ ١٠ / ١٣٤٠ م)، ووقع معسكر سلطان المغرب في يد الأعداء وذبح أولاده، فارتد إلى المغرب. ورجع السلطان أبو الحجاج بفلول الجيش الأندلسي إلى غرناطة. وكانت موقعة نهر سلادو أقبح هزيمة للمسلمين لم يعبر بعدها المغاربة البحر قط، وبقي الدفاع على أرض الأندلس في يد الأندلسيين ومن انضم إليهم من المتطوعين المغاربة. وتابع القشتاليون ضغطهم على المسلمين، فاستولوا على قلعة يحصب سنة ٧٤٢ هـ. واستمر أبو الحجاج يوسف يعالج أمور غرناطة في سلام وأمن إلى سنة ٧٥٥ هـ (أكتوبر سنة ١٣٥٤) حينما اغتاله مخبول بعد
[ ٤١ ]
يوم عيد الفطر في المسجد الأعظم دون سبب مفهوم، وعمره لم يتجاوز السابعة والثلاثين.
فخلفه في الملك ابنه أبو عبد الله محمد الغني بالله، وكان حدثًا فاستأثر بالحكم الحاجب رضوان، وكان من بين كتابه لسان الدين بن الخطيب الذي أرسله إلى سلطان المغرب أبي عنان المريني فور توليه يستنصره على النصارى. وشغلت قشتالة بحوادثها الداخلية فأمنت غرناطة بعض الوقت. لكن ثورة داخلية قامت ضد السلطان أبي عبد الله محمد الغني بالله، فخلع ونصب محله أخوه أبو الوليد إسماعيل سنة ٧٦٠ هـ فالتجأ السلطان المخلوع مع ابن الخطيب إلى فاس عند السلطان أبي سالم المريني. ثم قامت ثورة أخرى سنة ٧٦١ هـ في غرناطة وأطاحت بأبي الوليد إسماعيل فقتل ونصب محله أبو سعيد ألبرميخو (الأحمر) بن إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد فرج. فعمل الغني بالله على استعادة ملكه بمساعدة المغاربة، ففر أبو سعيد إلى قشتالة وبويع السلطان أبو عبد الله محمد الغني بالله من جديد سنة ٧٦٣ هـ (١٣٦٢ م)، والتحق به وزيره لسان الدين بن الخطيب. وأول ما عمله الغني بالله عند عودته لملكه إلغاء خطة مشيخة الغزاة من بني مرين، وصار أمر الغزاة والمتطوعة المجاهدين إلى السلطان مباشرة. وأمنت غرناطة لمدة وجيزة من شر قشتالة التي التهت بحروبها الداخلية. وفي سنة ٧٧٣ هـ هاجر ابن الخطيب إلى المغرب عندما رأى أن الغني بالله تغير عنه، وأخذ مكانه في غرناطة تلميذه ابن زمرك. وقتل ابن الخطيب في فاس سنة ٧٧٦ هـ في ظروف مأساوية. تابع الغني بالله الجهاد ضد قشتالة بعد هجومها على ضواحي مدينة رندة سنة ٧٦٧ هـ. فغزا بين سنة ٧٦٨ إلى ٧٧١ هـ (١٣٧٠ م) مناطق جيان وإشبيلية وأطريرة. وركز الغني بالله فيما تبقى من حكمه على البناء والتصميم والتشييد. ووقع معاهدة سلام مع مملكة أراغون تعهدت فيها أراغون بالسماح بهجرة المدجنين الراغبين في ذلك إلى غرناطة. وكان عهد الغني بالله عهد تقدم في الآداب والعلوم إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م).
ولمّا توفي الغني بالله خلفه ولده أبو الحجاج يوسف، فاستبد بالأمر وزيره خالد وقتل أخوته، ثم سخط السلطان على وزيره فقتله وهادن قشتالة. وثار ولده محمد عليه ففشل. ورغم هذه الأحداث الداخلية المؤلمة قام المسلمون بالإغارة على النصارى في أحواز مرسية ولورقة كما صدوا بقوة هجومًا نصرانيًّا على مرج غرناطة.
وتوفي السلطان يوسف في أوائل سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٤ م).
[ ٤٢ ]
وخلف يوسف ولده أبو عبد الله محمد، فسعى إلى مهادنة قشتالة. لكن سرعان ما نكث القشتاليون بالعهود وأغاروا على غرناطة، فصدهم المسلمون وأغار السلطان محمد على ولاية الغرب. ثم صارت الحرب بين القشتاليين والأندلسيين سجالًا إلى أن عقدت الهدنة في ٦/ ١٠ / ١٤٠٦ م لمدة عامين، فنكثت بعد شهور. ثم عقدت هدنة أخرى لمدة ثمانية أشهر سنة ٨١١ هـ (١٤٠٨ م)، توفي أثرها السلطان أبو عبد الله بعد عودته إلى غرناطة. وهكذا أصبحت الحرب بين غرناطة وقشتالة متواصلة بدون انقطاع، ودون مساندة من المغرب، وغرناطة تحاول الحفاظ على توازنها بالتعاهد مع أراغون، الدولة النصرانية في الجزيرة الإيبرية المنافسة لقشتالة. فعقد السلطان محمد معها معاهدة صداقة وتحالف لمدة خمس سنوات سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٥ م).
وخلف السلطان محمد بعد وفاته أخوه السلطان يوسف، فسعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة لمدة سنتين. لكن بعد انتهاء الهدنة ابتدأ القشتاليون الحرب بالهجوم على أنتقيرة فاحتلوها سنة ١٤١٢ م بعد حصار طويل، وعاث النصارى في أراضي المسلمين فسادًا. فسعى السلطان يوسف إلى الهدنة مرة أخرى مع قشتالة دون أن يسترجع أنتقيرة، فساد الوئام لمدة وجيزة بين قشتالة ومملكة غرناطة. وتوفي السلطان يوسف سنة ٨٢٠ هـ (١٤١٧ م)، وكان سلطانًا عاقلًا فارسًا، سياسيًّا ماهرًا مخلصًا لأمته.
وخلف السلطان يوسف ابنه أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر، وكان سيىء الأخلاق متباعدًا عن شعبه يحكم عن طريق وزيره يوسف بن سراج. فساءت أحوال غرناطة واشتد سخط الشعب، وتكاثرت الثورات بتشجيع من قشتالة مما أدى إلى إضعاف الدولة الإسلامية والتعجيل بفنائها. وعندما زحف النصارى على وادي آش سنة ٨٣١ هـ (١٤٢٨ م) وعاثوا فيها دون أن يردهم السلطان الأيسر ثار عليه الأهالي وخلعوه ونصبوا ابنه أبا عبد الله محمدًا الزغير، بينما فر الأيسر إلى تونس في أهله. ورغم خصائله لم يفلح الزغير في إخماد الدسائس المستمرة. فتحالف ضده يوسف ابن سراج وعمل، بالاتفاق مع طاغية قشتالة، على إرجاع السلطان الأيسر سنة ٨٣٣ هـ (١٤٣٠ م). فأعاد السلطان الأيسر بني سراج وحاول أن يهادن قشتالة، فشرطت شروطا مؤداها ضياع استقلال الأندلس، وعند رفضه أغارت قشتالة على غرناطة سنة ١٤٣١ م وعاثت فيها فسادًا. فزاد ذلك في الفتن الداخلية.
[ ٤٣ ]
وفي سنة ٨٣٥ هـ (١٤٣٢ م) قامت قشتالة بمؤامرة للإطاحة بالسلطان الأيسر ووضع محله سلطانًا يوسف بن المول، وهو سبط السلطان أبي عبد الله محمد عم الأيسر، الذي وقع مع قشتالة معاهدة خضوع وولاء. فنجحت الثورة بمساندة قشتالة وأصبح ابن المول سلطانًا على غرناطة. لكنه توفي بعد ستة أشهر من توليه، فاتفق الجميع على رد الأمر للسلطان الأيسر. وقام الأيسر لقتال القشتاليين، فهزمهم غير ما مرة. وفشلت محاولة النصارى لأخذ جبل طارق سنة ٨٤٠ هـ (١٤٣٦ م). وهكذا كانت الحروب سجالًا بين غرناطة وقشتالة. فاستنجد السلطان الأيسر بمصر عندما اشتدت وطأة النصارى عليه ولم ينجده المغاربة لدخول الدولة المغربية مرحلة انحلال. فلم يفز من مصر بطائل.
وتتابعت الفتن إلى أن ثار أبو عبد الله محمد الأحنف بن نصر بن أبي عبد الله الغني بالله على السلطان سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م) وخلعه وبويع محله. ولم تهدأ الفتن ببيعة الأحنف إذ كان بنو سراج يعارضونه ويساندون أبا الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل بن أبي الحجاج بن الغني بالله، فتغلب هذا الأخير على غرناطة بمساندة النصارى. ولكن لم يمكث شهورًا حتى استرجع الأحنف ملكه سنة ٨٤٩ هـ (١٤٤٦ م)، وانتقم من النصارى بغزوهم، وهزمهم عدة مرات خاصة سنة ٨٥٢ هـ (١٤٥٠ م). وتابع النصارى مساندتهم لأبي الحجاج يوسف، وبقي الأحنف سلطانًا إلى سنة ٨٦٣ هـ (١٤٥٨ م). ثم خلفه في الحكم الأمير سعد بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن الغني بالله، وبقي سلطانًا إلى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م). تم عزل وبويع من جديد أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل وظل سلطانًا إلى سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) حيث بويع من جديد الأمير سعد.
وفي هذه السنين المضطربة المليئة فتنًا داخلية وتواطؤًا مع النصارى وحروبًا متواصلة معهم، استنزفت مملكة غرناطة قواها وضاعت منها قلاع ومدن متعددة. وكانت الضربة المؤلمة سقوط جبل طارق في يد النصارى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م)، فانقطع بذلك حبل النجاة مع المغرب.
وهكذا راجعنا باختصار تاريخ مملكة غرناطة ورأينا كيف أنها خرجت من ضعف إلى قوة، وصمدت أمام حرب صليبية متواصلة لمدة قرنين بفضل صمود الجبهة الداخلية ومساندة المغاربة وسياسة التوازن بين الدولتين النصرانيتين، أراغون وقشتالة. رأينا كيف ساءت أوضاع المملكة الإسلامية بسبب ضعف الجبهة الداخلية وكثرة الفتن
[ ٤٤ ]
وتشتت العائلة الحاكمة وكثرة التواطؤ مع العدو الصليبي مع انهيار السند المغربي بسبب مشاكله الداخلية. ولم يطل عمر غرناطة في هذه السنين العصيبة إلا ثبات الأندلسيين على الجهاد مع مشاكل قشتالة الداخلية وتنافسها مع أراغون، الدولة النصرانية الأخرى. فلنر وضع إسبانيا النصرانية في هذه الفترة قبل أن ندرس الأيام الأخيرة لمملكة غرناطة.