أدت نشاطات "الجماعة الإسلامية في الأندلس" في سنتي ١٩٨٣ م و١٩٨٤ إلى شهرتها داخل إسبانيا وخارجها، مما جعل كثيرًا من الجمعيات الإسلامية القديمة تغار منها وتهاجمها. فأخذت جمعية "المركز الإسلامي في إسبانيا" تكتب التقارير السلبية إلى سفارات الدول الإسلامية، ونشرت "جماعة إشبيلية" مقالات في الصحافة تهاجم فيها "الجماعة"، خاصة بعد "ذكرى المعتمد بن عباد". وأدت تأثيرات بعض الأوساط الإسلامية غير الأندلسية إلى انشقاق داخل "الجماعة". أما الضغوط الخارجية، فقد قررت "الجماعة" عدم الرد على هجمات تلك الجمعيات للحفاظ على الأخوة الإسلامية مهما كان موقف الآخرين. أما الانشقاق الداخلي، فلم يكن له حل. وفي أواخر سبتمبر عام ١٩٨٤ م، عقدت "الجماعة" اجتماعًا عامًّا في مقرها
بإشبيلية للتخطيط لمستقبلها وتثبيت تنظيمها، فظهر في الاجتماع انشقاق جذري خطير بين طرفين من أطراف "الجماعة". الطرف الأول، برئاسة جابر بيلار خيل، رئيس مجلس الجماعة حينذاك، تبنى فكرة التنظيم الهرمي قائلًا بأن تنظيم "الجماعة" المبني
[ ٣٦٦ ]
على الشورى ليس تنظيمًا إسلاميًّا وأنه تقليد للأنظمة الديموقراطية الغربية. واقترح جابر "بيعة" أمير للجماعة والتفويض له في قيادة أمورها، على أن يعيّن الأمير المسؤولين عن النشاطات المختلفة حسب قدراتهم وتقواهم. أما الطرف الثاني، بقيادة عبد الرحمن مدينة مليرة، فأراد المحافظة على تنظيم "الجماعة" الأفقي، وتقوية الروابط مع القوى الحية في المجتمع الأندلسي. وتشبث كل طرف برأيه، وتبادل تهم الخروج عن روح الإسلام مع الطرف الآخر. وللحفاظ على وحدة الصف، اتفقا على استفتاء أعضاء "الجماعة". وعندما أسفر الاستفتاء عن مساندة الطرف الثاني، رفض الطرف الأول قبول تصويت النساء المسلمات، مما أدى إلى الانشقاق الكامل رغم تدخل كاتبه.
كان هذا الانشقاق كارثة على "الجماعة". فقسم منها "بايع" جابر بيلار خيل أميرًا، وانتظم تحت اسم "جماعة الأندلس الإسلامية"، بينما رجع القسم الآخر إلى الاسم القديم "الجماعة الإسلامية في الأندلس" وركز تنظيمَه الأفقي بتكوين مجالس في المقاطعات ومجلس عام للجماعة، وانتخاب رئيس للمجلس ليس له من سلطة سوى تنسيق الاجتماعات وإدارتها.
ثم تلى الانشقاق، معركة بين الطرفين للسيطرة على المراكز المختلفة، مما أدى إلى تشتيت هائل في أفراد "الجماعة". فبعد أن كان عدد المنتمين إليها يقارب الخمسمائة، هجر أكثرهم الطرفين. ومن بين المراكز السبعة في "الجماعة"، تشتتت جماعات ذكوان وولبة وقرطبة وأغلقت مراكزها. أما المراكز الأربعة الباقية فانضمت غرناطة وشريش إلى جابر، وإشبيلية ومالقة إلى عبد الرحمن. ونزل أفراد المراكز الأربعة إلى نصف عددهم قبل الانشقاق. وهكذا انتهت سنة ١٩٨٤ م بكارثة في تنظيم المسلمين الأندلسيين.
أما "جماعة الأندلس الإسلامية" التابعة لجابر، فقد قل عدد أعضائها مع الأيام، واضطرت إلى قفل مركز شريش. وبقيت هذه الجماعة في غرناطة فقط رغم قلة أعضائها وإقفال مركزها في غرناطة كذلك. وأما "الجماعة الإسلامية في الأندلس" فانطلقت انطلاقة جديدة بتنظيم أفضل وسياسة أوضح وخبرة أكبر، ورغبة أكيدة في الحفاظ على المسار الإسلامي والأندلسي والغيرة على استقلال "الجماعة" من أي نفوذ خارجي. ثم عملت من جديد على بناء قاعدتها بزيادة نشاطها في المجالات المختلفة للدعوة إلى الإسلام.
[ ٣٦٧ ]
وفي ١٩ - ٢١/ ٧ / ١٩٨٥ م، قررت "الجماعة الإسلامية في الأندلس" تنظيم "المؤتمر الدولي الأول للمسلمين الأوروبيين" في إشبيلية بهدف ربط الصلة بين المسلمين الأوروبيين لدراسة دور الإسلام في مستقبل أوروبا، وجعل الأندلس مركز إشعاع إسلامي لكل القارة الأوروبية، وإعطاء الصحوة الإسلامية في أوروبا دفعة محلية. فشكلت "الجماعة" لجنة تنظيمية للمؤتمر، وأرسلت بعثات إلى أقطار أوروبا للاتصال بالشخصيات والجماعات الإسلامية المحلية وتفسير أهداف المؤتمر واستدعائها إليه.
وما إن انتشر خبر عقد المؤتمر، حتى نُظمت حملة ضد "الجماعة" وشخصياتها البارزة من طرف المراكز الإسلامية الرسمية في أوروبا والجمعيات الإسلامية في إسبانيا. فأرسلوا رسائل إلى جميع المراكز الإسلامية في أوروبا لتشويه سمعة "الجماعة" وأهدافها. كما قامت حملة ضد "الجماعة" ومسانديها من طرف أعداء الإسلام في إسبانيا، لهدف إفشال المؤتمر وتشتيت "الجماعة". ووصلت الحملة حدًّا لا يُطاق عندما أخذت بعض الجرائد الإسبانية المعادية للإسلام تنشر مقالات تخيف فيها الإسبان من المسلمين الأندلسيين وتتهمهم بأنهم يحاولون "إعادة احتلال" إسبانيا باسم الإسلام. وقررت "الجماعة" المضي في تنظيمها للمؤتمر وعدم الرد على المهاجمين.
وفي ٩/ ٦ / ١٩٨٥ م، ظهرت جريدة "دياريو ١٦" في صفحتها الأولى بعناوين ضخمة بمقال كاذب تحت عنوان "اكتشاف شبكة جاسوسية مغربية جنوب إسبانيا"، ادعت فيها الجريدة بأن المخابرات الإسبانية اكتشفت الشبكة برئاسة عبد الرحمن مدينة ومساندة كاتبه وصديقه محمد الحلو وجاءت بأكاذيب. وتابعت الجريدة حملتها في الصفحة الأولى لما يقارب الأسبوع. وانضمت "جماعة إشبيلية الإسلامية" إلى هذه الحملة، ورددت الصحافة الإسبانية اتهامات "دياريو ١٦". وكان لهدف هذه الحملة عدة وجوه: أولًا، إشعال الفتنة بين الجمعيات الإسلامية في إسبانيا؛ ثانيًا، تخويف مساندي "الجماعة الإسلامية في الأندلس" من الاقتراب إليها؛ ثالثًا، تشويه سمعة "الجماعة" في المجتمع الأندلسي؛ وأخيرًا زرع الفتنة بين أفرادها.
وجابهت "الجماعة" هذه الحملة بالتكذيب وبحملة صحافية معاكسة، وأجبرت "دياريو ١٦" على نشر رد "الجماعة" حيث أعلن عبد الرحمن مدينة "إنني أعتقد أن هناك حملة ضد الإسلام من طرف الأوساط الصهيونية داخل الحزب الاشتراكي
[ ٣٦٨ ]
العمالي الإسباني (الحاكم) "، وبالمتابعة القانونية. كما أجبر كاتبه الجريدة المذكورة عن طريق محام في إشبيلية نشر تكذيب لما نشر. ورغم انتهاء الحملة بالفشل، تابعت بعض الجمعيات الإسلامية التائهة حملتها ضد "الجماعة" في الصحافة الإسبانية.
وقررت "الجماعة" عدم الرد على أية جمعية إسلامية تحاشيًا للسقوط في مخطط أعداء المسلمين الذين يودون إشعال نار الفتنة بينهم.
ورغم هذا الجو المكهرب تابعت "الجماعة" تنظيم "المؤتمر الدولي الأول للمسلمين الأوروبيين". وفي ١٩/ ٧ / ١٩٨٥ م، افتتح المؤتمر بفندق "مقرينة"، أحد أكبر فنادق إشبيلية، تحت حراسة الشرطة. وقد حضر المؤتمر حوالي مائة شخصية إسلامية من كل أنحاء الأندلس، ومن عدة أقطار أوروبية، منها البرتغال وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وقبرص، وغير الأوروبية كالبلاد العربية والمكسيك.
وحضر من البلاد العربية كاتبه وأهله والأستاذ محمد الحلو وأهله والدكتور عبد الله عمر نصيف وأهله والشيخ محمد العويني، وغيرهم. كما حضرت المؤتمر عدة شخصيات أندلسية ونواب في البرلمان الأندلسي، منهم دييغو دي لوس سانطوس، رئيس الحزب القومي الأندلسي، ولويس أورنويلا، عمدة إشبيلية السابق، ومانويل ايلونانس، وزير الثقافة في حكومة الأندلس. كما توصلت أمانة المؤتمر ببرقيات مساندة من خوليو أنغيتا، عمدة قرطبة، وبدرو رويز برديسو، نائب رئيس "وقفية بلاس إنفانتي"، وغيرهم. وكان للمؤتمر إشعاع في الصحافة الإسبانية والتلفزيون والراديو.
وألقيت محاضرات في المؤتمر في المواضيع التالية: دراسة حول وضع المسلمين الأوروبيين الحالي وعن الإسلام في أوروبا؛ ضرورة إنشاء منظمة عالمية للمسلمين الأوروبيين؛ الشريعة والآداب الإسلامية في المجتمعات ما بعد الصناعة والتكنولوجية ومشاريع للمسلمين الأوروبيين؛ معرض ١٩٩٢ م الدولي في إشبيلية؛ المذاهب الإسلامية ودورها في انبعاث الإسلام في أوروبا؛ الخ وانتخب المؤتمر روجي كارودي رئيسًا له، كما اتخذ قرارات هامة لمساندة المسلمين البلغار، وقبول دعوة قبرص (التركية) لعقد الاجتماع الثاني في مغوشة، وفتح مركز في قرطبة لتنسيق العمل بين المسلمين الأوروبيين، وإنشاء اتحاد بينهم والاجتماع كل ثلاث سنوات.
قررت "الجماعة" بعد نجاحها في تنظيم "المؤتمر العالمي الإسلامي الأوروبي الأول" استئناف توسعها بعد أن لم يبق لها سوى مركزي مالقة وإشبيلية. فأعادت
[ ٣٦٩ ]
فتح مركز إسلامي لها في شريش (مقاطعة قادس) بزنقة كامبانيا في شهر سبتمبر عام ١٩٨٥ م، ثم عملت على شراء بيت في قرطبة لتحويله إلى مركز إسلامي بها.
ثم تابعت "الجماعة" إحيائها لذكرى المعتمد بن عباد سنويًّا في إشبيلية. ففي يوم الأحد ١٣/ ١٠ / ١٩٨٥ م، نُظمت رحلة ثقافية بالباخرة على الوادي الكبير من
إشبيلية إلى شلوقة واصطحبت جوقًا للموسيقى الأندلسية. وشارك في هذه الرحلة حوالي ٢٠٠ شخص. بما فيهم المسلمون الأندلسيون ورجال الصحافة. وانتهت الرحلة بعشاء على ضيافة بلدية شلوقة. وفي يوم الاثنين، أقيم احتفال بساحة "التوزانو" بطريانة بمساندة مجلسها البلدي، ألقيت فيه القصائد الشعرية والمقطوعات الموسيقية من طرف أشهر أدباء الأندلس. وحضر الحفل ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص لدرجة سمّت الصحافة بسببها عمدة طريانة، باكو أركس، بخليفة طريانة.
ومرة أخرى، لم يتراجع أعداء المسلمين عن الهجوم على "الجماعة" واتهامها باستعمال ذكرى المعتمد بن عباد للدعوة إلى الإسلام.
ومن نتائج "المؤتمر العالمي الإسلامي الأوروبي الأول" والأحداث التي سبقته أن أخذت "الجماعة الإسلامية في الأندلس" تفكر في تنويع عملها في المجالات المختلفة بتأسيس جهاز لكل مجال.
ففي المجال الثقافي، أسست "الجماعة" "وقفية الإسلام والأندلس"، وقد اعترفت بها حكومة الأندلس المحلية كمؤسسة تعمل للمصلحة العامة.
ومن نتائج "المؤتمر" كذلك اقتناع "الجماعة" بضرورة عمل سياسي يعرّف الجماهير الأندلسية بتاريخها الإسلامي ووجودها المنفصل باستعمال الإمكانات السياسية. وفي ٢٩/ ١١ / ١٩٨٥ م، بعد اتصالات عبر الأندلس ومناطق إسبانيا الأخرى، سُجّل "حزب التحرير الأندلسي" كمنظمة سياسية تعبر عن آراء المسلمين الأندلسيين، وتعلن أن الشعب الأندلسي شعب قائم بنفسه له حضارته (الإسلامية) ولغته (العربية) الخاصة به. وقرر الحزب تقديم مرشحين للانتخابات المحلية والأوروبية.
ولم تنته سنة ١٩٨٥ م حتى نسيت "الجماعة" نكسة سنة ١٩٨٤ م، وانطلقت بانطلاقة جديدة في جميع المجالات. وفي سنة ١٩٨٦ م، استهلت "الجماعة" السنة باصطدام مع روجي كارودي. فمشروع الفيلسوف الفرنسي المسلم كان حوار الحضارات، ولم تكن تهمه "الجماعة الإسلامية في الأندلس" التي اعتقدت بأنه
[ ٣٧٠ ]
استعمل "المؤتمر العالمي للمسلمين الأوروبيين الأول" لتركيز وجوده في قرطبة، فحصل على مساعدات مالية من البلاد العربية لتأسيس "جامعة إسلامية في قرطبة"، أسس بها آخر المطاف متحفًا للحوار بين الحضارات، بينما عملت "الجماعة" على تأسيس مركز إسلامي يعيد جمع شتات المسلمين القرطبيين، ويجعل من قرطبة مركز إشعاع إسلامي في الأندلس وأوروبا. وقررت "الجماعة" مساعدة روجي كارودي في مشروعه رغبة منها في توثيق الأخوة الإسلامية معه.
وفي مارس عام ١٩٨٦ م، اشترت "الجماعة" بيتًا قديمًا في قرطبة بشارع ري هريديا، قرب المسجد الأعظم، في شارع مسجد القاضي أبو عثمان، وحولته إلى مركز إسلامي بعد الترميمات الضرورية، وتبنت برنامجًا للدعوة إلى الإسلام في قرطبة. وفي يوليوز عام ١٩٨٦ م، فتحت "الجماعة" مركزها الخامس في بلدة "دوس هرماناس" (الخلدونية)، على بعد عشرين كيلومترًا من إشبيلية. وفي أكتوبر عام ١٩٨٦ م، فتحت "الجماعة" مركزًا إسلاميًّا سادسًا في مرسية. فلم تنته السنة حتى أصبح "للجماعة" ستة مراكز إسلامية في خمس مقاطعات مختلفة: إشبيلية ودوس هرماناس وشريش ومالقة وقرطبة ومرسية. وفي يوم الأحد ٢٢/ ٦ / ١٩٨٦ م، شارك "حزب التحرير الأندلسي" في انتخابات البرلمان الأندلسي، مطالبًا بتحرير الأندلس واستقلالها والاعتراف باللغة العربية كلغة لها، وتطبيق اتفاقية الاستسلام عند سقوط غرناطة سنة ١٤٩٢ م، الوثيقة القانونية الوحيدة التي تبرر انضمام الأندلس لإسبانيا، ورجوع المهجّرين الأندلسيين.
وقد قدم "الحزب" ما يزيد على مائة مرشح في كل المقاطعات الأندلسية، أهمهم: عائشة هرموزين زمبرانو في المرية، وخوان بدرو رنكون غياردو في قادس، وعبد الرحمن مدينة مليرة في قرطبة، وإسماعيل خرقيرة آمورس في غرناطة، ومريم بارياس لاهوز في ولبة، والمنصور بيريز كالفانتي في جيان، وياسر كالدرون دياس في مالقة، والمعتمد سانشس كاستيانوس في إشبيلية.
ونتجت الانتخابات البرلمانية الأندلسية إلى فوز ١٠٩ نائبًا، منهم ٦٠ للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (الحاكم) و٢٨ للتحالف الشعبي (يمين) و٢ للحزب القومي الأندلسي. ولم تحصل الأحزاب السبعة الأخرى التي تقدمت للانتخابات على مقاعد في البرلمان. وحصل "حزب التحرير الأندلسي" على ٥٦٨٣ صوت أو ٠.١٧ في المائة من الناخبين. وكان أقرب حزب لأفكار الجماعة الإسلامية هو "الحزب
[ ٣٧١ ]
القومي الأندلسي" الذي لم يحصل إلا على المقعدين المذكورين لغلطة سياسية ارتكبها (كما رأينا) عند تأسيس منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي. فقد أظهر ضعفًا كاد أن يضيّع على الأندلس فرصة تكوينها، في الوقت الذي تبنى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني مبدأ الحكم الذاتي للأندلس وكافح من أجله. وقد حافظ الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني على موقعه في انتخابات يونيو عام ١٩٩٠ م إذ حصل على ٦١ مقعدًا، وحصل حزب التحالف الشعبي (يمين) على ٢٧ مقعدًا، واليسار المتحد (شيوعي) على ١١ مقعدًا، بينما ارتفع عدد مقاعد الحزب القومي الأندلسي إلى ١٠ مقاعد.