قررت الكنيسة الكاثوليكية جعل ١٩٨٦ م سنة الذكرى المئوية الثانية عشرة لتأسيس مسجد قرطبة الأعظم، ونظمت لذلك احتفالات شاركت فيها أوساط ثقافية مختلفة. فقررت "الجماعة" إقامة مؤتمر بهذه المناسبة تحت عنوان "الإسلام منهج حياة"، بهدف التعريف بمركز قرطبة الإسلامي الجديد، والمشاركة في ذكرى بناء المسجد الجامع بطريقة إسلامية، وجعلها بداية انطلاقة جديدة إسلامية في عاصمة الخلافة الأندلسية. أقيم المؤتمر في الفترة ١٢ - ١٥/ ١٢ / ١٩٨٧ م، في قاعة من قاعات قصر الخلافة المجاور للمسجد الأعظم وكان غذاء المؤتمرين في المركز الإسلامي. وحضر المؤتمر حوالي ١٥٠ شخص من الأندلس وخارجها، منهم كاتبه
والأستاذ محمد الحلو، من المغرب، والدكتور محمد عمر جمجوم، من جدة،
والشيخ الحبيب بن الخوجة مفتي تونس السابق، وقد انتخب رئيسًا للمؤتمر، والأستاذ
محمد الوازاني من تطوان، وغيرهم.
افتتح المؤتمر بصلاة الجمعة (٥/ ١٢) في المركز الإسلامي تبعها الغداء، ثم
محاضرة حول "أساليب الدعوة في الأندلس" لكاتبه، ثم محاضرة حول "الإسلام
منهج حياة في الغرب" للمحامي المسلم الأندلسي إسماعيل خرقيرا، ثم كونت لجان
حول الدعوة والتعليم والشؤون المالية والصياغة. وخصص يوم السبت للمحاضرات
ساهم فيها محاضرون من البلاد العربية كالشيخ الحبيب بن الخوجة، ومن الأندلس
ابن قزمان البلوطي، ومن فرنسا عائشة موجون، وغيرهم. وانتهى المؤتمر يوم الأحد
٧/ ١٢ بالتوصيات، وباجتماع مصغر لمجلس الجماعة بحضور الضيوف غير
الأندلسيين.
[ ٣٧٢ ]
كان مؤتمر قرطبة ناجحًا رغم هجمات صحيفة "دياريو ١٦" على عادتها، والمقالات السيئة التي نشرتها مجلة "كامبيو ١٦" تحت عنوان مرعب "الإسلام يدخلنا". ومن أهم قرارات "الجماعة" بعد المؤتمر جعل قرطبة عاصمة "للجماعة الإسلامية في الأندلس" عوضًا عن إشبيلية، رغم أن المركز الإسلامي في إشبيلية ظل أكبر مراكز "الجماعة" الإسلامية، ومن أكثرها عددًا وأنشطها.
وفي ١٢ - ١٥/ ٢ / ١٩٨٧ م، افتتح روجي كارودي "اللقاء العالمي الإبراهيمي" في المتحف الذي أقامه في "القلعة الحرة"، القلعة الإسلامية على ضفة الوادي الكبير بقرطبة التي قدمتها له البلدية لهذا الغرض. ولم يستدع للمؤتمر أعضاء "الجماعة" ولا حتى الذين ساهموا في المشروع بما فيهم مديره. وقررت "الجماعة" متابعة مساندة هذا المشروع الذي أسس بأموال المسلمين حتى لا يضيع نهائيًّا.
وبعد لقاء قرطبة، راجعت "الجماعة" برنامجها التعليمي. وكانت في الماضي قد حرصت حرصًا كبيرًا على تيسير التعليم الإسلامي لأفرادها بإنشاء مدارس إسلامية في كل مراكزها وتوظيف معلمين من المغرب. ولم ترض "الجماعة" على نتائج هذه التجربة، لقلة العارفين بالدعوة الإسلامية واللغة الإسبانية في آن واحد، فقررت إرسال بعثات من شبابها إلى البلاد الإسلامية لتكوين أطر تعليمية من الأندلسيين أنفسهم.
وهكذا وقع اتفاق بين "الجماعة" ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة لإرسال وفد من الشباب الأندلسي في شهر رمضان عام ١٤٠٧ هـ (مايو عام ١٩٨٧ م) إلى الديار المقدسة، وتنظيم حلقة تعليمية لهم مع إقامة شعائر العمرة وزيارة روضة الرسول - ﷺ -.
وذلك بتمويل من الرابطة وتطوع عدد من أساتذة جامعة الملك عبد العزيز بجدة. وقد خطط الدرس وترأسه كاتبه كأحد المتطوعين.
شارك في هذا الوفد خمسة من معلمي "الجماعة"، منهم عبد الرحمن حبصاوي وزوجه رشيدة كروم (وهي معلمة كذلك)، وعبد السلام أصريح، ومحمد الوزاني، وأحمد قمقوم، ومن الشباب الأندلسي أبو ياسر رينا أندرادي، وعبد العزيز غارسيا فرناندس، ومنصور بيريز كالبينتي، ويوسف الحبيب فيغراس رولدان، وعرفات باريا باريرا. وقد حصلوا في آخر الحلقة الدراسية على شهادة. وكانت الحلقة ناجحة، عاش أثرها الأندلسيون حياة إسلامية محضة في جو شهر رمضان المبارك بالديار المقدسة: الدراسة في النهار والعبادة في الليل. مما كان فيه لهم أحسن الأثر.
[ ٣٧٣ ]
وفي ١٠/ ٥ / ١٩٨٧ م، شارك "حزب التحرير الأندلسي" في الانتخابات البلدية في الأندلس، ففاز بثلاثة مقاعد في مدينة الجزيرة الخضراء من مجموع ٢٤ مقعد، فاز منها الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بـ ١٣ مقعد والائتلاف الشعبي بـ ٤ مقاعد واليسار المتحد (الشيوعي) بمقعدين والوسط الديموقراطي والاجتماعي بمقعدين، والجزيرة الخضراء مدينة على مضيق جبل طارق بمقاطعة قادس يزيد عدد سكانها على المائة ألف. وممثلو "حزب التحرير الأندلسي"، الفائزون هم: أنور استبان باوتستا، وهو عمدة سابق للجزيرة الخضراء وألفونسو أرتيغا، وسلبيا آلونسو. وهكذا برهن "حزب التحرير الأندلسي" استطاعته إيصال مرشحيه إلى مقاعد المجالس البلدية. وبعد هذا النجاح، قررت "الجماعة" فتح مركز إسلامي لها في الجزيرة الخضراء بعد إقفال مركزها في دوس هرماناس لقربه من إشبيلية ولترشيد مصاريفها. وظل بذلك "للجماعة" ستة مراكز في المدن التالية: إشبيلية وقرطبة وشريش ومالقة ومرسية والجزيرة الخضراء.
ثم حاول "حزب التحرير الأندلسي" المشاركة في انتخابات منطقة استرمادورا بمقاطعة بطليوس مطالبًا بضمها مع منطقة مرسية لمنطقة الأندلس. ولم يسمح له بالمشاركة بحجة أن مرشحيه ليسوا من سكان المقاطعة. فقدم "الحزب" شكوى بلجنة بطليوس الانتخابية إلى المحكمة التشريعية التي أكدت قرار اللجنة.
وفي ١٠/ ٧ / ١٩٨٧ م، تقدم "الحزب" لانتخابات البرلمان الأوروبي، معلنًا أن "الأوروبية" ربما أدت إلى العنصرية وقطع شعوب أوروبا، خاصة الشعب الأندلسي، عن الشعوب الإسلامية المجاورة. فحصل على ٩.٨٨١ صوت، منها ٣.٥٣٣ صوت في الأندلس، و٢.٠٨١ صوت في قطلونية، و١.٢٣٢ صوت في بلنسية، و٢.٩٣٥ صوت في مناطق إسبانيا الأخرى. فبرهنت هذه النتائج على أن الأفكار الإسلامية لها صدى في المجتمع الأندلسي ومساندين رغم ضعف الإمكانات.
وتابعت "الجماعة" نشاطها الثقافي والإعلامي، منها، منذ يونيو عام ١٩٨٧ م، نشر ورقة "الدعوة" الإعلامية بين أفرادها. وفي ٢٨ - ٢٩/ ٦ / ١٩٨٧ م، قام وفد من "الجماعة" بالمكوث على أبواب مسجد قرطبة الكبير في ذكرى سقوط قرطبة بتاريخ ٢٩/ ٦ / ١٢٣٦ م، وذلك كما قال ابن قزمان البلوطي، أحد منظمي "المكوث"، لأن "احتلال قرطبة في الذاكرة الأندلسية" هو "مثال تاريخي للتعدي على شعب بالقوة وإزاحة الحضارة الإسلامية الأندلسية لمدة ٧٥١ سنة وإحلال محلها الثقافة النصرانية
[ ٣٧٤ ]
القشتالية"، وأن "المكوث" هو "التركيز ٢٤ ساعة على السلام والحوار بين الشعوب، وبرهنة أن الفكر الأندلسي هو دائمًا فكر تعاون وسلام، وأننا مستعدون لمد يدنا لأي جماعة من أي جنس أو دين أو ثقافة، مثلما كنا في العصور الماضية". وقام المسلمون بالصلوات الخمس جماعة في الشارع بداية من مغرب يوم ٢٩/ ٦.
ثم قررت "الجماعة" معارضة الاحتفالات بسقوط المدن الأندلسية في يد النصارى في كل مدن الأندلس. وهكذا بعد قرطبة، في ١٩/ ٨ / ١٩٨٧ م، عارضت "الجماعة" الاحتفال الرسمي بذكرى سقوط مالقة، وردّت على عمدة المدينة قائلة بأن هذا الاحتفال شتيمة للشعب الأندلسي المعاصر لذكرى أجداده والاحتفال بمذبحة شعب آمن. وساند حزب "اليسار المتحد" الموقف الإسلامي وقاطع الاحتفالات.
وفي ٢٣/ ١١ / ١٩٨٧ م، ذكرى سقوط إشبيلية، قامت "الجماعة" بمظاهرة غنت فيها النشيد الوطني الأندلسي. وساند المسلمين الحزب القومي الأندلسي واليسار المتحد واللجان العمالية. وصرح المسلمون أن من العيب أن تحضر شخصيات أندلسية هذا الاحتفال الذي هو "عمل كاثوليكي عسكري يحتفل بذكرى مذبحة أهل إشبيلية".
وفي ٤/ ١٢ / ١٩٨٧ م، ذكرى "يوم الأندلس"، نظم "حزب التحرير الأندلسي"
و"الجماعة الإسلامية في الأندلس" مظاهرة سلمية في قرطبة. فاجتمع المتظاهرون في
"ساحة كولون" في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، حاملين الأعلام الأندلسية، واتجهوا
نحو المسجد الجامع. وساندت "النقابة الأندلسية للعمال" ومنظمات أخرى هذه
التظاهرة، فنجحت بذلك "الجماعة" أن تتزعم الحركة القومية الأندلسية.
وبعد هذه المظاهرة، وقع اصطدام بين روجي كارودي و"الجماعة الإسلامية في الأندلس". فخيّر كارودي عبد الرحمن مدينة بين بقائه في "الجماعة" وبين "بقائه كمدير متحف القلعة الحرة". ولما رفض عبد الرحمن ترك جماعته، طرده كارودي من عمله في ٢١/ ١٢ / ١٩٨٧ م، وعين محله راهبًا سابقًا ليس له علاقة بالأندلس وتاريخها فقدم موظفو المتحف المسلمون استقالتهم، وتظاهر مسلمو قرطبة ضد كارودي واتهموه بخيانة المسلمين الأندلسيين، وتابعوه في المحكمة طالبين منه حقوق عبد الرحمن مدينة. ثم هدأت الأحوال واتبع كل واحد من الطرفين طريقه.
ولم تؤثر أزمة "الجماعة" مع كارودي في نشاطها. ففي ٢/ ١ / ١٩٨٨ م، عارض المسلمون حفلات ذكرى سقوط غرناطة، وتظاهروا هذه المرة ضد الاحتفال الذي
[ ٣٧٥ ]
تصر الكنيسة والدولة على إحيائه رغم المعارضة. وفي ٢٣/ ١ / ١٩٨٨ م، أعلنت حكومة الأندلس المحلية أن "مؤسسة الإسلام والأندلس" مؤسسة ذات مصلحة عامة للمجتمع.
وفي فبراير سنة ١٩٨٨ م، ابتدأت "الجماعة" بإرسال بعثات طلابية لتعلم الإسلام واللغة العربية في البلاد الإسلامية، فأرسلت أول بعثة من خمسة طلاب إلى الجامعة الأردنية، لمدة سنتين ونصف، اثنان منهم من قرطبة، وواحد من مرسية، وواحد من شريش، وواحدة من إشبيلية. وقد توسع هذا البرنامج حتى أصبح عدد المبعوثين يقارب الأربعين إلى عدة بلدان إسلامية، عربية وغير عربية.
وفي مستهل سنة ١٩٨٨ م ط قامت "الجماعة" بتنظيم مظاهرات في مدن الأندلس المختلفة لمساندة الانتفاضة الفلسطينية. ففي ٢١/ ٣ / ١٩٨٨ م، أقيم الحفل في "دار الشباب" بمدينة المرية حضره عدة آلاف من شباب المدينة وألقيت فيه الخطب والمحاضرات. وفي الحقبة ١٥ - ٢٢/ ٤ / ١٩٨٨ م، أقيمت التظاهرات في "مركز خوان ٢٣ الثقافي" بقرطبة حضرها عدة آلاف من الأشخاص لمدة أسبوع كامل. وتبع هذا النشاط، فتح مركز إسلامي جديد "للجماعة" في المرية، فأصبح مركزها السابع.
وفي أبريل سنة ١٩٨٨ م، اشتركت "الجماعة" و"حزب التحرير الأندلسي" في قرطبة في التظاهرة ضد دفن النفايات النووية في منطقة "الكبريل" بمقاطعة قرطبة.
وفي ٢٩/ ٦ / ١٩٨٨ م، مناسبة سقوط قرطبة، طلبت "الجماعة" من أنطونيو إنفانتس فلوريدو، مطران قرطبة، الإذن بإقامة الأذان وصلاة المغرب والخطبة داخل المسجد الجامع. فرفض المطران بحجة أنه "لا يمكنه أن يسمح بصلاة غير نصرانية في كتدرائية كاثوليكية". لكن "الجماعة" رأت أن قرار المطران مبني على "حق مأخوذ بالقوة والتسلط"، وقررت إقامة الصلاة في الشارع أمام المسجد في التاريخ المذكور.
وفي الأسبوع ١٥ - ٢٢/ ٦ / ١٩٨٨ م، قامت جماعة الجزيرة الخضراء بأول نشاط لها على المجال الأندلسي، وهو تقديم معرض صوتي وبصري حول مدينة الزهراء وتاريخها وآثارها. وبهذا النشاط ابتدأ المركز الإسلامي بالجزيرة الخضراء سلسلة من النشاطات الثقافية الهامة.
[ ٣٧٦ ]
وهكذا تعددت أوجه نشاطات "الجماعة الإسلامية في الأندلس"، وأخذت تفكر في تقوية علاقاتها خارج إسبانيا وداخلها. أما خارجها، فبإقامة روابط الأخوة بالجماعات الإسلامية بصفة عامة، وبالشتات الأندلسي بصفة خاصة. أما في الأندلس، فبالتعاون مع كل القوى الحية الأندلسية بصفة عامة، وبالجمعيات الإسلامية الأخرى بصفة خاصة. كما أخذت "الجماعة" تفكر في تأسيس مراكز أبحاث ونشر المجلات.
كما ظلت "الجماعة" حريصة على تقوية صفها، وعدم السماح لأحد أن يشتت وحدتها.