كانت علاقة المغرب بالأندلس وثيقة، لدرجة كان البلدان يسميان بالعدوتين: عدوة الأندلس وعدوة المغرب، كما كوّن البلدان دولة واحدة أيام الدولتين المرابطية والموحدية. وكانت الطبقة المثقفة في البلدين تكاد تكون واحدة، إذ كان ينتقل كثير من الأفراد والعائلات المغربية إلى الأندلس، وينتقل أفراد وعائلات أندلسية إلى المغرب. بينما هاجر الأندلسيون في كل الحقب إلى مدن المغرب المختلفة، ظلت ثلاثة مدن، فاس والرباط وتطوان، تحتفظ اليوم بالتراث الأندلسي في أبنائها وثقافتها أكثر من غيرها من المدن والبوادي.
أما فاس فقد أسسها مولاي إدريس الأول من بلدتين، إحداهما لإيواء المهاجرين القرطبيين، من حي الربض الذي ثار على الخليفة الأموي، والثانية لإيواء مهاجري القيروان. وكانت المدينة الأولى تسمى بـ "الأندلس" والثانية بـ "القرويين"، وهما يحملان هذا الاسم إلى اليوم، وفي كل حي من الحيين مسجده الأعظم المسمى به.
وظلت فاس تستقطب نخبة المهاجرين الأندلسيين، قبل سقوط غرناطة وبعدها، مباشرة أو عن طريق مدن أخرى. وأصبحت للعائلات الأندلسية الفاسية الدور الهام والرائد في المجالات العلمية والمالية والسياسية والثقافية والحرفية. وتوجد اليوم بفاس مئات العائلات الأندلسية، منها من حافظ على اسمه العجمي، ومنها من تغير اسمه، ومنها من نسب إلى مدن الأندلس وقراه. ويبين الجدول التالي بعض أشهر هذه العائلات وتاريخ انتقالها إلى فاس، وموطنها بالأندلس، ونسبتها المعروفة بها هناك:
[ ٣٨٩ ]
بعض العائلات الفاسية الأندلسية
الاسم الحالي: الدباغ
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٦٩٠
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: الإدريسي
الاسم الحالي: ابن عاشر
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٠
موطنها بالأندلس: شمينة
النسبة بالأندلس: -
الاسم الحالي: السراج
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٠
موطنها بالأندلس: رندة
النسبة بالأندلس: -
الاسم الحالي: ابن سودة
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٤
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: المري
الاسم الحالي: الفاسي
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٨٨٠
موطنها بالأندلس: مالقة
النسبة بالأندلس: ابن الجد الفهري
الاسم الحالي: القادري
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٨٩٠
موطنها بالأندلس: وادي آش
النسبة بالأندلس: الشريف الحسني
الاسم الحالي: صفيرة
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٩٩٣
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: صفري
الاسم الحالي: ابن الحاج
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ١٠٢٠
موطنها بالأندلس: بلفيق
النسبة بالأندلس: السلمي
وكان لعائلات أندلسية كثيرة دور هام في التاريخ المغربي، منها من انقرض، ومنها من لا زال قائمًا. منها من ينتسب إلى قرى ومدن ومناطق أندلسية: الإبريني (أبرينة) والأرجبي (أرجبة) والأندرشي (أندرش) والأندلسي (الأندلس) واللإشبيلي (إشبيلية) وابن سليمان الغرناطي (غرناطة) والباجي (باجة) والبرجي (برجة) والبلجي (بلج) والقرموني (قرمونة) والأطريري (أطريرة) والقمارشي (قمارش) والبلنسي (بلنسية) والبيجري (البيجر) والبيري (البيرة) والجرندي (جرندة) والرندي (رندة) والنريدة (ناردة) والطرياني (طريانة) والطليطلي (طليطلة) والمارسي (لمارس) واللوشي (لوشة) والليريني (ليرينة) والماروري (مورور) والمالقي (مالقة) والمرسي (مرسية) والشقوري (شقورة) والقرطبي (قرطبة) والشاطبي (شاطبة) والشرفي (الشرف) وصالاج (صالاص)، وبرادة، الخ وتحمل عدة عائلات أسماء عجمية أندلسية: باسو، بردلة، البسة، التماو، تيميرو، الطرون، اللب، اللرول، المنطرش، فنجيرو، الغندوش، قزمان، قلمون، سنكليو، الخ وحافظت بعض العائلات على الأسماء التي كانت تعرف بها في الأندلس: الأحمر والأبار والأزرق والأموي وابن الأمين والبلاج والبزار والبواب والبيار والبيطار والجنان والدراج وابن عزمون وابن شقرون
[ ٣٩٠ ]
وابن حيون وابن جلون وابن المليح والكوي والمدجن والكاتب والغرسيس وابن فرحون وابن وعدون، الخ
وغالبًا لا يزيد عدد أجداد الأندلسيين الموجودين بفاس إلى الجد المهاجر على العشرة. فوالدتي السيدة أم هاني الفاسي الفهري هي بنت الوزير عبد السلام بن الوزير عبد الله بن الخطيب عبد السلام بن الخطيب علال بن العالم عبد الله بن الكاتب عبد الرحمن المجذوب بن العالم عبد الحفيظ بن الكاتب العالم أحمد ابن الشيخ أبي مدين ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن الولي المشهور الشيخ عبد القادر ابن الشيخ علي بن أبي المحاسن الشيخ يوسف بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن الداخل إلى فاس من مالقة سنة ٨٨٠ هـ بسبب الفتنة الناشئة عن ثورة القائد محمد القرسوطي قبيل إجهاز النصارى عليها. وعبد الرحمن هذا من آل ابن الجد المشاهير المناضلين من لبلة غرب الأندلس.
ومن بين الشخصيات الأندلسية في المجتمع المغربي المعاصر الأستاذ علال الفاسي الفهري ﵀ فهو علال بن عبد الواحد بن عبد السلام جد سيدنا الجد الشيخ عبد السلام بن عبد الله الفاسي. وللأستاذ علال الفاسي دور معروف ومشكور في الحركة الوطنية المغربية. ومنهم الأستاذ أحمد بن سودة مستشار الديوان الملكي الذي له دور هام في الحركة الوطنية والإدارة المغربية بعد الاستقلال. وغيرهما كثير كما تظهر من الأسماء العائلية المذكورة أعلاه.
وعمل يعقوب المنصور منذ تأسيسه للرباط على تسهيل استيطان الأندلسيين بها. غير أن معظم أندلسيي الرباط اليوم ينحدرون من هجرة سنة ١٦٠٩ م. وقد تفوقت من بين أندلسيي الرباط شخصيات علمية وإدارية ومالية وعسكرية. وتنتسب كثير من العائلات الرباطية إلى مدن أندلسية: باينة (بيانة) ودينية (دانية) والرندة (رندة) واللوشي (لوشة) وفنجيرو (فوانخرولا: سهيل) والدغمي (بني دغم) والقرطبي (قرطبة) والقسطالي (قسطلة) والقصري (القصر) وقوريا (قورية) والمغراوي (الماغرو) والبريجي (البريجة) والبليدي (البليدة) وبيسير (بشر) وطريدانو (طليطلة) والساهلي (السهلة) والمدور (المدور) وسنتياك (شنت ياقو) والبابوري (يابورة)، وغيرها من البيوتات.
ولا زالت تحتفظ كثير من البيوتات الرباطية باسمها العجمي: بلانكو (Blanco) وبرادو (Prado) وبركاش (Vargas) وبربيش (Barbes) وبلافريج (Palafren) وبلامينو
[ ٣٩١ ]
(Palomino) وباليسيو (Palacio) وبريس (Perez) وبيرو (Pilo) وبونو (Bono) وتكيتو (Chiquito) وتمورو (Chamorro) وجوريو (O sorio) وكديرة (Goderia) ودياس (Diaz) ورودياس (Rodriguez) وكسوس (Jesus) والدك (Duque) والرينكة (Rienga) وروان (Roan) وكراكشو (Carrasco) وكريسبو (Crespo) وكليطو (Querido) والكمرا (Carmarra) ولوباريس (Olivares) ولزارو (Lazaro) ولاميرو (Romero) ومرسيل (Marcelo) وملين (Molina) ومورينو (Mareno) ومولاطو (Morato) ومراس (Miras) وصندال (Sandalio) وفرشادو (Farchado) وفلوريش (Flores) وقريون (Carrion) وقمرادة (Camarada) وسباطة (Zapata) وساكالانطو (Escalant) وغيرها من الأسماء.
ولبعض بيوتات الرباط الأندلسية أسماء عربية احتفظت بها من الأندلس، أو حدثت بعد انتقالها، منها: الأبيض وبنطاهر وبندهاق وبنطوجة وبندورو وبلفقيه وبنقدور وبنعمرو وبلكاهية والتونسي والحداد والزبدي والزهراء وزطوط وطيفور ومتجنوس ومدون وضاكة وعاشور والعماني وغنام وفرج (بفتح الراء) وغيرها.
ومن بين العائلات الرباطية التي لها دور مهم في تاريخ الرباط عائلة مرينو، فمنهم الفقيه الأديب أحمد حجي بن محمد مرينو، عامل الرباط، ومنهم القاضي الأديب العالم الحاج محمد بن محمد مرينو، ترك أشعارًا لو جمعت لكوّنت ديوانًا كاملًا، ومنهم الفقيه القاضي محمد المهدي ابن القاضي محمد مرينو، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، ومنهم الفقيه الحيسوبي الموقت الحاج محمد المسناوي بن محمد مرينو المتوفَّى في ذي الحجة عام ١٢٠٧ هـ، ومنهم القاضي العلامة عبد القادر بن المهدي مرينو المتوفَّى حوالي سنة ١٢٤٠ هـ. ومنهم الفقيه العدل المعطي بن المهدي مرينو، وغيرهم.
ومنها عائلة بركاش، فمنهم القائد الحاج عبد الله ابن الحاج علي بركاش، كان قائ@د الرباط في أواخر القرن الثاني عشر. ومنهم الفقيه القاضي حجي بن الغازي بركاش، المتوفَّى في ٢١ رجب عام ١٢٩٤ هـ ومنهم النائب السلطاني محمد ابن الرئيس المجاهد الحاج عبد الرحمن بركاش، المتوفَّى في ١٧ محرم عام ١٣٣٦ هـ.
ومنهم أبناؤه الحاج العباس والحاج محمد والحاج عبد المجيد والصديق الذين كان
لهم جميعًا دور مهم في الإدارة المغربية، وغيرهم.
ومن الشخصيات الأندلسية الرباطية التي لها دور هام في أحداث المغرب المعاصرة الحاج أحمد بلافريج، أمين عام حزب الاستقلال والمناضل المغربي
[ ٣٩٢ ]
المعروف، ﵀. ومنهم الأستاذ أحمد رضا قديرة مستشار في الديوان الملكي. ومنهم الحاج علال كراكشو المقاول الرباطي. وغيرهم كثيرون في مجالات السياسة والقضاء والعلوم والصحافة والمال والجيش، حيث برعوا وناضلوا من أجل تقدم المغرب.
أما المدينة الثالثة تطوان، فلقد أسسها، كما رأينا، المهاجرون الغرناطيون إبان سقوط غرناطة فنقلوا لها الحضارة الغرناطية برمتها قبل إضعافها من طرف الاستعمار القشتالي ومحاكم التفتيش. ولذا كانت تطوان شبيهة بفاس في كثير من مظاهرها.
وكما قال الفقيه داود: "كانت تطوان نسخة من أخريات المدن الإسلامية العربية في بلاد الأندلس". ولحقت الهجرة الأولى سلسلة من الهجرات عبر القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد ذكر الفقيه الرهوني ٤٧٥ اسم لعائلات تطوانية عريقة منها ٣٥٥ عائلة لا زالت قائمة وقد ذكر أصول ٢٥١ من هذه العائلات منها ٧٥ عائلة أندلسية.
ومن بين أندلسيي تطوان عائلات تحمل أسماء عجمية: البانزي (Ponce) وبايص (Paez) والرويز (Ruiz) وغارسيا (Garcia) ومارتيل (Martine) ولوقاش (Lucas)، الخ ومنها ما هو نسبة إلى بلدة أو منطقة: الأندلسي واللبادي (أبدة) والمنظري وراغون (أراغون) والركاينة والرندي، والغرناطي (غرناطة) والقرطبي (قرطبة) وقشتيليو وقبريرة ومدينة ومندوصة ومراريش وصالاس وبورطو والطريس ومولينا والرينة، الخ ومنها ما هو نعوت: اللب ومولاطو ومرينو والسوردو والسكيرج (Esquiles) والراندو والدليرو، الخ ومنها ما هو عربي: ابن الأحمر والتبين والرزيني وزكري والخضري والخطيب وداود والرفاعي وغيلان والفخار والموفق ونصر والعطار والقطان والقيسي والوزير والسراج وقريش، الخ ومنها ما هو أمازيغي: أجزول وأشعاش وأفوقاي، الخ وقد مرت علينا في أحداث القرنين الخامس عشر والسادس عشر كثير من الأسماء التي لا زالت الآن موجودة بتطوان (وفاس والرباط)، كأجزول والخطيب والوزير وداود والأزرق وابن المليح (زعماء ثورة البشرات) وقشتيليو (أحد مترجمي الحاكم ديزا أيام محاكم التفتيش). كما تذكرنا بعائلات غرناطية شهيرة أسماء الأحمر وزكري والعطار والسراج وفرج والأبار، الخ وقد نبغ عدد كبير من أندلسيي تطوان المعاصرين، منهم الأستاذ عبد الخالق الطريس، الرجل الوطني المعروف، والفقيه محمد داوود صاحب التاريخ وغيرهما.
[ ٣٩٣ ]
أما في القرون الماضية فنذكر الفقيه أبا عبد الله محمد الرزيني المتوفَّى سنة ٩٣٤ هـ، قاضي تطوان، والأديب محمد بن عبد الرحمن الكراسي المتوفَّى سنة ٩٦٤ هـ، والفقيه القاضي أحمد بن محمد طانية المتوفَّى سنة ١٠٦٣ هـ، والأديب علي مندوصة من رجال القرن الحادي عشر، وغيرهم.
وانتشر الوجود الأندلسي إلى جل مدن المغرب وبواديه. فمن أهم البيوتات الأندلسية بمدينة سلا: زنيبر، أهل علم ووجاهة، قدموا إليها من غرناطة بعد سقوطها؛ وفنيش، ذوو دور قيادي في تاريخ المدينة؛ وحصار، قدموا من غرناطة؛ وابن عطية، قدموا في القرن التاسع الهجري من إشبيلية إلى الرباط ثم إلى سلا ففاس؛ وخالص، قدموا من رندة وانتقل معظمهم إلى الرباط؛ والأبيض أو بلانكو، هم بالرباط كذلك؛ وحمدون، كان منهم عدد من رؤساء البحر؛ والعطار؛ وغيرهم.
وبمكناس عائلات أندلسية، منها: الوقاد، قدمت إلى فاس من إشبيلية في منتصف القرن السابع الهجري ثم انتقلت إلى مكناس؛ والبجيري، اشتهر من بين أفرادها عدة علماء؛ وغريط، استوزر الملوك العلويون عدة أفراد منها وأنتجت عدة شعراء مجيدين؛ وعائلات أخرى ذكرت في ديوان خاص بأمر من السلطان مولاي إسماعيل: ابن إبراهيم وابن حليمة وابن الحاج وابن عبد الكريم (من مالقة) وأبو الرخا (من غرناطة) وأزويزر وأنفاع والأزرق (من إشبيلية) وأمسامح وأصقال والأشقر والبجيري وبوراس والباروا والبتولي والبياني وبرقوق والبياض (من بلش مالقة) وجابر والحزماري والدقيوق والزناتي وطوجة وكديش واللمتوني والمسطاسي والصفار وصفندلة والغرناطي والغماري والفخار وفيدقة والقراص والقلفط والقبري والقباب والقصري وشبليون وهارون وهلال والوقاد وغيرهم.
واستقر بمراكش عدد من العائلات الأندلسية، اندمج معظمهم في المجتمع المغربي ونسي أصله. وأسس شفشاون الشرفاء العلميون بالتعاون مع الأندلسيين، وقد بقي فيها اليوم بعض العائلات الأندلسية، كالمفرج والبيطار والعاقل وغيرها. واستقرت أسر أندلسية بآسفى، منها اليوم باجدوب والركوش (نسبة إلى أركش) ومرحبو وميته والغمار القلعي والشقوري وغيرهم.
كما استقرت عائلات أندلسية في البوادي المغربية، منها رابون في بني مدان، وآرياش في مرتيل، وأوجدة في ابن قريش، وأروين في بني صالح، وكرابيلا في
[ ٣٩٤ ]
المزمة (الحسيمة)، ومارسو في واد لاو، ومراليش في باب تازة، وغارسيا في جبل حبيب، وبايزا في بو أحمد، وأراغون في الجبهة، ومرسية في تارغيست، وابن الصديق في غمارة وهم علماء طنجة المعروفون اليوم، وآيت الناظر وبركاش في وادي سوس، والوقاد في بني ملال، الخ ويمكن تقدير عدد المغاربة من أصل أندلسي بحوالي عشر سكان المغرب أو ٢.٥ مليون نسمة على الأقل، معظمهم نسي أصله الأندلسي، ولم يزل يتذكرها منهم سوى عشرهم، أو حوالي ٢٥٠.٠٠٠ نسمة على أقل تقدير.