اتجه الأندلسيون إلى تونس من شرق الأندلس بنفس الكثافة التي اتجهوا بها إلى المغرب من غربه، واستقر عدد منهم في العاصمة ومنطقتها. وظل الأندلسيون التونسيون يحتفظون بشخصية مميزة أيام الحكم العثماني الذي أعطاهم الحكم الذاتي تحت زعيم ينتخبونه يسمى شيخ الأندلس. ولم تُضع الجاليات الأندلسية، التي حافظت على لغاتها العجمية (القطلانية والقشتالية) إلى القرن التاسع عشر، هويتها إلا منذ بداية الاستعمار الفرنسي. ويمكن تقدير عدد التونسيين المنحدرين من أصل أندلسي الآن بحوالي مليون نسمة من مجموع سبعة ملايين، لم يعد يتذكر أصله الأندلسي منهم سوى نسبة ضئيلة، أو حوالي خمسون ألف شخص.
عمل جو العاصمة على صهر السكان أكثر من باقي المناطق التونسية، ولم تحتفظ فيها بذكراها الأندلسية اليوم سوى بعض العائلات العلمية الكبيرة، من أهمها عائلة ابن عاشور التي أعطت لتونس عددًا من العلماء والكتاب وفقهاء المذهب المالكي. فالشيخ محمد الفاضل بن عاشور (١٩٠٩ - ١٩٧٠ م)، الذي عمل قاضيًا للعاصمة ومفتيًا للجمهورية وعميدًا لكلية الشريعة بجامعة الزيتونة، هو ابن الشيخ محمد الطاهر (١٨٧٩ - ١٩٧٣ م) الذي كان كذلك قاضيًا وأستاذًا بالزيتونة، ومن أهم إنتاجه العلمي "تفسير التقرير والتنوير" للقرآن الكريم، وكان أول فقيه مالكي اعتلى منصب شيخ الإسلام سنة ١٩٣٢ م الذي كان مقتصرًا على فقهاء المذهب الحنفي، ابن محمد (١٨٦٠ - ١٩٢٠ م)، رئيس إدارة الأحباس، ابن الشيخ محمد الطاهر (١٨١٥ - ١٨٦٨ م)، أستاذ الفقه والآداب بجامعة الزيتونة، وفي سنة ١٨٥١ م عينه أحمد باي قاضيًا مالكيًّا للعاصمة، ثم مفتيًا بعد سنة ١٨٦١ م، ابن العدل محمد بن الشاذلي ابن الشيخ عبد القادر، شيخ طريق له زاوية في العاصمة، ابن الشيخ محمد بن
[ ٣٩٥ ]
عاشور (١٦٢٠ - ١٦٩٨ م) أول قادم من سلا بالمغرب إلى تونس، ومؤسس عائلة ابن عاشور بها.
ولد الشيخ محمد بن عاشور سنة ١٠٣٠ هـ (١٦٢٠ م) لوالدين هاجرا إلى سلاك (لا شك سلا الجديدة أي الرباط) من فرنجوش (مقاطعة استرمادورا)، وقد ظل أقرباء له بالعاصمة المغربية حيث توجد عائلة عاشور إلى اليوم. وذهب محمد بن عاشور إلى الحج، ثم رجع إلى تونس حيث استقر وتزوج وعمل لكسب عيشه في صناعة الشواشي وانضم إلى الطريقة الشاذلية حيث كان يقصد زاويتها المسماة بزاوية الزواوي خارج باب المنارة، وأصبح مريدًا للشيخ محمد القجيري. واشتهر الشيخ محمد بن عاشور بدينه وعفته وحسن أخلاقه، فأصبح شيخًا للزاوية بعد وفاة الشيخ الزواوي دون عقب.
اشتهرت في العاصمة التونسية في القرن الثامن عشر شخصيات أندلسية منها محمود خزندار، المتوفَّى سنة ١٧٢٦ م، رئيس وزراء الباي حسين بن علي، وقد ذكر مناقبة الرحالة الإسباني فرنسيسكو خمينيس، كما ذكر أخاه محمد السريري. ولا يعرف اليوم اسم العائلة المنحدرة منهما، غير أن أصلهما من سرقسطة (أراغون القديمة). ومنهم الشريف سليمان القسطلي، أصله من قلعة النهر (مقاطعة مجريط اليوم) حيث كانت تسمى عائلته كنطريراش، وقد التقى به خمينيس. كان من كبار مجاهدي البحر، له مستشفيات في العاصمة ونفوذ كبير. ومنهم علي بن عياد وعلي قطلينا اللذان كانا من أكبر أغنياء العاصمة. واجتمع الرحالة خمينيس بالشيخ عبد القادر بن عاشور وذكره في رحلته كشيخ طريقة صوفية. وذكر خمينيس شخصيات أندلسية أخرى لا زال حفدتها موجودين، منها الحاج مصطفى الباي وعلي برغيت ومحمد الوزير (مات سنة ١٨١٩ م) ومحمد المشاط (مات سنة ١٨٣٤ م) وعلي الشريف (مات سنة ١٨٤٩ م) شيخ الطريقة العيساوية، وغيرهم كبني الحداد وقسطلي وقريذو والتومي والعروصي وسيدا. وتدل هذه الأسماء أن كثيرًا من العائلات الأندلسية اتخذت أسماء عربية أو تركية بعد إقامتها في تونس، من بينها اليوم عائلة كشك التي ينتمي إليها عدة تجار ورجال أعمال.
ترجم المؤرخ ابن ضياف لـ ٢١ أندلسي من بين الـ ٤٠٧ شخصية تونسية في القرن التاسع عشر، منهم ١٩ شخصية توفيت بين ١٨١٥ و١٨٧٢ م، منهم اثنان من بيت الحداد: أحمد (المتوفى سنة ١٨١٧ م) وعلي (١٨٥٦ م) وستة من بيت الوزير: محمد (١٨١٨ م) وأحمد (١٨٢٧ م) وحسن (١٨٢٧ م) وحسونة (١٨٣٢ م) ومحمد
[ ٣٩٦ ]
(١٨٥٦ م) وأحمد (١٨٦٨ م)، ومحمد قريذو (١٨١٩ م) ومحمد المشاط (١٨٣٤ م) ومحمد العروصي (١٨٣٧ م) ومحمد التومي (١٨٤٠ م) ومحمد قسطلي (١٨٤٩ م) ومحمد شلبي (١٨٤٢ م) وحمدان سيدا (١٨٤٦ م) ومصطفى ماظور (١٨٤٨ م) وعلي الشريف (١٨٤٩ م) واثنين من بيت العصفوري: محمد (١٨٥٦ م) ومحمد الشاذلي (١٨٦٨ م). وهكذا نرى أن من بين العائلات الـ ١٢ المذكورة، ٤ فقط لها أسماء أندلسية عجمية واضحة (قريذو وقسطلي وماظور وسيدا).
وتنحدر عائلة لاخوا (La Joa) التونسية من بني السراج الغرناطيين. كان جدهم، موسى لاخوا، ضحية محاكم التفتيش بغرناطة حوالي سنة ١٧٢٧ م، التي حكمت عليه بالسجن أربع سنوات، فهرب مع أخوته إلى أزمير (بتركيا اليوم)، وكتب إلى الشريف القسطلي يطلب المساعدة للانتقال إلى تونس، فساعدهم الشريف على ذلك. وأثمرت عائلة لاخوا اليوم جماعة من المثقفين والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال.
ومن أهم مواطن التواجد الأندلسي الوطن القبلي، حيث مدينة سليمان التي تأسست سنة ١٦١٠ م على أنقاض كسولة القديمة، وفي سنة ١٧٣١ م، كان سكانها حسب خمينيس حوالي ٤.٥٠٠ نسمة، ثلثهم، أو حوالي ١.٥٠٠ نسمة، أندلسيين. وفي سنة ١٨٦٢ م، كانت أحوال البلدة قد ساءت بسبب هجوم الأعراب المتكرر، حتى أصبح عدد سكانها ٧٠٠ شخص، أكثرهم غير أندلسيين. واليوم، انقرضت جل عائلات سليمان الأندلسية، إما بسبب الهجرة أو بنسيان تاريخها أو بعدم الولادة. ومن هذه العائلات المنقرضة، اللونقو، والمسنيكو، وبلانكو، وتنداليكو، وباتستا، وروجو، وبونيو، والركلي، وقشتليانو، وقرال، وغيرها. ولم يبق اليوم من مجموع ٢٠.٠٠٠ نسمة سوى حوالي ٧٠٠ أندلسي موزعين على ١١ عائلة هي: الريشيكو (Rey Chico) وماظور (Almador) وابن إسماعيل وبشكوال والري والأسبرسو والبنديكو وجحا وكريمو وسكالين وابن الحاج.
وتنتسب عائلة الرشيكو إلى أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة. ومن أبرز أعضائها أخونا المهندس في المياه رضوان الرشيكو (ولد سنة ١٩٦٠ م). وهو ابن معلم الأجيال الشيخ محمد المتوفَّى يوم ١٠ رجب عام ١٤١٠ هـ (٦/ ٢ / ١٩٩٠ م) ﵀، ابن محمود بن مصطفى بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، المهاجر من فارس إلى سليمان، بن محمد بن أحمد بن يوسف بن أبي عبد الله
[ ٣٩٧ ]
الرشيكو الذي هاجر إلى فارس من غرناطة. وعدد أفراد هذه العائلة في سليمان اليوم حوالي ٣٠ شخصًا، ولهم بها مقبرة خاصة. وأنجبت عائلة ماظور علماء أجلاء وأئمة، منهم القاضي الشيخ مصطفى ماظور المتوفَّى سنة ١٨٤٨ م، ابن القاضي أحمد ماظور المتوفَّى سنة ١٨١٢ م. وتنتمي هذه العائلة إلى القاضي محمد بن منظور التيمي. وقد حافظت عائلات سليمان الأندلسية الباقية على عاداتها في اللهجة والمأكل والملبس وفي الاعتزاز بالانتماء إلى الأندلس.
ويكاد الوجود الأندلسي ينقرض في مدن الوطن القبلي الأخرى، كتركة ونيانو وبلي وقرمبلية، رغم أن معظمها كان من تأسيس الأندلسيين الذين بقيت نسبهم فيها مرتفعة إلى القرن الثامن عشر حسب خمينيس، حيث قال إن قرمبلية من إنشاء مصطفى قردناش وإن بها حوالي ١٥٠ نسمة، معظمهم أندلسيون، منهم عائلة ورفالة الموجودين في مناطق أخرى كذلك. وقال عن بلي بأن بها حوالى ١٥٠٠ نسمة، كثير منهم أندلسيون. وقد استقطبت مدن الوطن القبلي الكبيرة، كنابل ومنزل بوزلفي، عدة عائلات أندلسية، كعائلة مورو، ومنها الشيخ عبد الفتاح مورو، أحد زعماء الاتجاه الإسلامي بتونس.
وأسّس زغوان، وهي امتداد للوطن القبلي، الأندلسيون الحاج علي كتالينا وعلي بن عياد وشيخ الأندلس الشريف القسطلي. وفي سنة ١٢٧٦ هـ (١٨٥٩ م)، كانت تدفع فيها الضرائب حوالي ١٧٨ عائلة (٧٩٠ نسمة)، منها ٢٥ عائلة (١٢٥ نسمة) أندلسية، (١٤ في المائة من السكان)، منها عائلة محفوظ التي كان لأفرادها مسؤولية توزيع مياه البلدة على الأهالي.
وفي القرن السابع عشر أسس الأندلسيون تستور، أهم مدينة أندلسية في وادي المجردة، وعمروها. وفي سنة ١٦٣١ م، قدر عددهم طوماس داركوس بحوالي ٧.٥٠٠ نسمة. وفي سنة ١٧٣١ م، أصبح عددهم، حسب خمينيس، حوالي ٤.٠٠٠ نسمة، معظمهم أندلسيين، بما فيهم عاملها الحاج أحمد أريسا. وكانوا لا زالوا يتكلمون اللغة العجمية (قطلانية غالبًا وقشتالية كذلك). وفي سنة ١٢٧٦ هـ (١٨٥٩ م)، كانت تدفع ضرائب تستور ١٧٧ عائلة فقط، ثلثهم أندلسيون. واليوم، فعدد سكان تستور حوالي ١٠.٠٠٠ نسمة، وهي تضيع بسرعة خواصها الأندلسية. وتوجد بها حوالي ١٠٠ عائلة ذات أصول أندلسية محققة، أي حوالي عدة آلاف من الأشخاص، منها: برفينو وبرتيلة وبلنسين (Valenciano) وبلانكو (Blanco) وبكيل
[ ٣٩٨ ]
وبومست وزبيس والحورشي ورمتانة وكامش وكاشيمي ولكانتي (Alicante) ومركيكو ومورشكو (Morisco) ومدينة وساكنة وهنديلي وهشيش وماركو (Marco) وباتيس والكوندي (Conde) وسريسو وفليبو (Philipo)، الخ وتمتاز الأُسر الأندلسية في تستور، كما في باقي المدن والقرى التونسية، بمستوى حضاري رفيع وباحتفاظها على العادات الأندلسية في المأكل والمشرب. وقد هاجر منهم عدد كبير إلى العاصمة حيث انصهر مع باقي السكان وضاعت هويته الأندلسية. ومن أبناء أندلسيي تستور المعاصرين السيد سليمان مصطفى زبيس، الكاتب التونسي المختص في الدراسات الأندلسية والعضو المراسل للمجمع الملكي للتاريخ بمجريط.
ومن أهم مدن وادي المجردة طبربة، التي حافظت بعض الشيء على تراثها الأندلسي في المسكن والمأكل والعادات. وبها كثير من العائلات الأندلسية منها من انقرض: بشكوال وكندوير ولوصانو وجبليشكة ومانس وابن النجار؛ أو انتقل إلى العاصمة أو غيرها: برزون والجورشي والطبائري والحداد (أو الزنايدي)؛ أو تغير اسمه فضاعت هويته الأندلسية. ومن العائلات الأندلسية الباقية في طبربة: تينسة ومانية والبطيري ومندرانو وبيشالبي وفتوح وابن عاشور وابن رمضان وابن براهم وكبير والزين وابن الحاج سالم وابن عيسى ووحمة الأندلسي.
كان القرن التاسع عشر شاقًّا على المدن الأندلسية التونسية بسبب هجمات الأعراب التي قضت على الأمن وبالتالي على اقتصاد المدن والقرى. فانتشرت الأوبئة، وفر عدد كبير من الأهالي الأندلسيين إلى المدن الكبرى خاصة العاصمة، حيث تشتتوا وضاعت هويتهم. فلم يبق من مؤسسي سليمان الـ ١٠.٠٠٠ سوى ٧٠٠، وهجر الجديدة وتبرنق سكانها، وانهار المستوى الديموغرافي في كل قرى وادي المجردة والوطن القبلي الأندلسية لدرجة مأساوية. وتابع الاستعمار الفرنسي سياسة تشتيت الأندلسيين وإدماجهم. وفي سنة ١٢٧١ هـ (١٨٥٥ م)، قطع باي تونس الامتياز الذي كانت تعطيه الدولة للأندلسيين بإلغاء منصب "شيخ الأندلس" في وقت تزامن مع هجمات الأعراب. فكان بذلك نهاية معاملتهم كمجموعة حضارية قائمة بنفسها.
وتوجد اليوم أعداد مهمة من العائلات الأندلسية في كل مدن تونس الكبرى، كبنزرت وسوسة ومنستير (حيث بيت قديرة الأندلسي) وصفاقس، خارج مناطق
[ ٣٩٩ ]
هجرتهم الأولى، وبقيت الأندلس ذكرى فقط وعادات يتوارثها الأبناء عن الآباء.
ومن العائلات الأندلسية التي يمكن التعرف عليها في المدن التونسية المختلفة: كونكة (Cuenca) ومانوشو والصوردو (Sordo) ومرياح وصنديد وكراندي (Grande) وحجاج وعمروسي والوافي وكعاك والسراج وكبادو وكبادي وكراباكا (Caravaca) وبسطي (نسبة إلى بسطة) والريكلي ودرمول ونوباينة (Novaina) وداوود ورحال والسباعي وابن زكري وشبيل وحرميلو والحشايشي والشريف والكاهية، الخ