وصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين عبر العصور، لا تقل عن الأعداد التي نزحت إلى المغرب وتونس. انتقل منهم أيام صولة الإسلام بالأندلس، قبل سقوط غرناطة، عدد كبير من العلماء، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي النجيبي، من أهل إشبيلية، تجول بلاد الأندلس ثم حج ثم استقر بتلمسان حيث توفي بها في جمادى الأولى سنة ٦١١ هـ، وله تآليف كثيرة. ومنهم أبو بكر محمد الزهري، المعروف بابن محرز، ولد ببلنسية سنة ٥٣٩ هـ، ثم هاجر إلى مصر، وبرع في الفقه والأدب والشعر ثم قدم بجاية حيث استقر بها، وغيرهما كثير، ووصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، وبعد طرد سنة ١٦٠٩ م، منهم غارسيا دياس (من طليطلة) وربدان رودريكز (كان راهبًا بأركش بإسبانيا وتابعته محاكم التفتيش) ولويس الأستجي (من أستجة)، وغيرهم كثير.
ويمكن تقدير عدد الجزائريين من أصل أندلسي بعشر السكان على الأقل، أو مليونان ونصف جزائري، لا زال الكثير منهم يتذكر أصوله الأندلسية، خاصة في العاصمة وتلمسان ووهران وبجاية وبليدة وعنابة وغيرها من المدن. وكان للحقبة الاستعمارية الفرنسية التي عملت على القضاء على التراث الجزائري، أثر سيىء على التراث الأندلسي الجزائري. وتنتمي اليوم شخصيات جزائرية مؤثرة إلى أصول أندلسية، منها الشيخ أحمد المدني مثلًا الذي أجاب الأمير شكيب أرسلان سنة ١٩٣٠ م عن سؤال مماثل لهذا بقوله إن بعض العائلات الجزائرية لا زالت تحافظ على أصولها الأندلسية، ذكر من بينها عائلة الشيخ أحمد بن أبي الركايب المنبثقة عن عائلة ابن عمر التي هي في الحقيقة عائلة المدني نفسه باسمها القديم. ومن بين هذه العائلات كذلك ابن سوسان والمسرار والسيستي وغيرها.
[ ٤٠٠ ]
ويحتاج الوجود الأندلسي المعاصر في الجزائر إلى دراسة معمقة. ونرى تأثيره في انتشار فرق الموسيقى الأندلسية في المدن ذات الهجرة التاريخية القديمة، كما أن هناك كثيرًا من العائلات التي تنتمي إلى عائلات أندلسية شهيرة، بما فيها بنو الأحمر، ملوك غرناطة. كما أن الهجرة الأندلسية إلى الجزائر تركت آثارًا واضحة في اللباس والطبخ واللهجة، خاصة في تلمسان والمدن المجاورة لها.
توجه بعض الأندلسيين إلى منطقة طرابلس الغرب، وبها اليوم بعض العائلات الأندلسية، لكن التأثير الأندلسي في المجتمع الليبي المعاصر، هو الآخر يستحق دراسة معمقة. وهاجر إلى برقة وطرابلس عدد من علماء الأندلس أيام عزة الإسلام بها، منهم أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم الصدني الإشبيلي، كان أديبًا بارعًا له نظم جيد وموشحات رائعة، رحل إلى مصر ثم أقام ببرقة وتوفي بها.
وانتقل إلى مصر جم غفير من الأندلسيين، عبر العصور، ترجم المقري في "نفح الطيب" لحوالي ٣٧ عالمًا وفقيهًا وأديبًا من أشهرهم. منهم في القرنين الرابع والخامس الهجري، الوليد بن هشام، المعروف بأبي ركوة، الذي هاجر إلى برقة (بليبيا اليوم) فثار على الحاكم العبيدي وجمع الناس حوله، فغلبته عساكر الحاكم وأتت به إلى القاهرة حيث أعدم في ١٣ رجب عام ٣٩٩ هـ، وقد خلَّف أبو ركوة أشعارًا كثيرة. ومنهم عبد الله بن رشيق (من قرطبة)، كان أديبًا شاعرًا عفيفًا خيِّرًا، رحل أولًا إلى القيروان ثم حج ورجع إلى القاهرة حيث توفي سنة ٤١٩ هـ. ومنهم
أبو محمد عبد العزيز بن أحمد ابن السيد ابن المغلس القيسي (من بلنسية)، كان عالمًا باللغة العربية، انتقل في البلاد ثم استوطن مصر حيث توفي سنة ٤٢٧ هـ.
ومن أندلسيي القرن السادس الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن الوليد الفهري المعروف بابن أبي رندقة (من طرطوشة)، صاحب "سراج الملوك"، انتقل إلى الإسكندرية وبها توفي سنة ٥٢٠ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الأموي المعروف بالنقاش (من طليطلة)، نزل مصر وقعد للإقراء في مسجد عمرو بن العاص إلى أن توفي بها سنة ٥٢٩ هـ. ومنهم أبو زهر ثابت بن الفرج الخثعمي (من بلنسية)، كان شاعرًا أديبًا، استقر بمصر وبها توفي في رجب سنة ٥٤٥ هـ ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الملك بن السراج (من شنتمرية الغرب)، كان من أئمة اللغة العربية المبرزين ومن أشهر النحويين، قدم القاهرة سنة ٥١٥ هـ وجلس لتعليم النحو في جامعها الأزهر، وبها توفي في رمضان سنة ٥٤٩ هـ. ومنهم أبو العباس أحمد بن
[ ٤٠١ ]
معد بن وكيل (من أقليش)، رحل من مولده دانية إلى بلنسية حيث أخذ العربية والآداب والحديث، ثم إلى المشرق سنة ٥٤٢ هـ، ثم استقر بمكة المكرمة، ثم قفل راجعًا إلى مصر حيث توفي بمدينة قوص سنة ٥٥٠ هـ. ومنهم أبو يحيى اليسع بن عيسى الغافقي (من جيان)، صاحب كتاب "المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب" الذي جمعه للسلطان صلاح الدين الأيوبي، انتقل إلى مصر سنة ٥٦٠ هـ، وتوفي بها سنة ٥٧٥ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الخزرجي (من قرطبة)، من أشياخ ابن بشكوال، استوطن مصر وتوفي بها سنة ٥٨٨ هـ. ومنهم الإمام العلامة أبو القاسم بن خيرة الشاطبي (من شاطبة) صاحب "حرز الأماني" و"العقبة" وغيرهما، كان فقيهًا حافظًا، دخل مصر سنة ٥٧٢ هـ وتوفي بالقاهرة يوم الأحد ٢٨ جمادى الآخرة سنة ٥٩٠ هـ، ودفن بالتربة الفاضلية بسفح المقطم.
ومن أندلسيي القرن السابع الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي (من إشبيلية)، حفيد القاضي الحافظ أبي بكر بن العربي، حج ورحل إلى الشام والعراق، ثم رجع إلى إشبيلية للتدريس، وفي سنة ٦١٢ هـ تصوّف وتعبد وانتقل إلى الإسكندرية حيث توفي سنة ٦١٧ هـ. ومنهم الحافظ أبو الخطاب بن دحية (من دانية)، كان من أعلام اللغة العربية والحديث، صنف كتبًا كثيرة منها "التنوير في مولد السراج المنير"، رحل إلى تونس سنة ٥٩٥ هـ وعمره ٥٥ سنة، ثم حج وعاد إلى مصر فاستأدبه الملك العادل لولده وأسكنه القاهرة، وبها توفي سنة ٦٣٣ هـ.
ومنهم أخوه الأكبر أبو عمرو عثمان بن الحسين (من دانية)، كان حافظ للغة العربية، انتقل إلى القاهرة ورتبه الملك الكامل مكان أخيه أبي الخطاب في دار الحديث الكاملية، وبقي بها إلى أن توفي سنة ٦٣٤ هـ. ومنهم أبو الربيع سليمان بن إبراهيم بن صافي (من قيسانة من عمل غرناطة)، فقيه مالكي قدم القاهرة وناب في الحسبة، توفي بها سنة ٦٣٤ هـ عن سبعين سنة. ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد اللخمي (من إشبيلية)، ولي القضاء بإشبيلية، ثم رحل إلى المشرق فحج وزار الشام، ثم استقر بالقاهرة حيث توفي سنة ٦٣٥ هـ عن ٧١ سنة. ومنهم أبو القاسم بن حاضر (من جزيرة شقر)، كان عالمًا بصناعة التوريق، قدم قوص واستوطنها وتوفي بها سنة ٦٣٩ هـ. ومنهم موسى بن سعيد العنسي (من قلعة يحصب)، والد أبي الحسن علي متمم كتابه "المغرب في أخبار المغرب"، كان أديبًا مفكرًا راجح العقل، انتقل بولده إلى مصر وتوفي بالإسكندرية سنة ٦٤٠ هـ بعد أن أوصاه بالرجوع إلى الأندلس.
ومنهم الشاعر أبو محمد القرطبي (من قرطبة)، انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة
[ ٤٠٢ ]
٦٤٣ هـ. ومنهم الطبيب أبو محمد عبد الله بن البيطار (من مالقة)، ترك كتبًا هامة في الأدوية المفردة، جال في الأرض يبحث عن الأعشاب ثم استقر في مصر وجعله الملك الكامل رئيسًا على جميع العشابين وأصحاب البسطات، ثم خدم ولده الملك الصالح إلى أن توفي في شعبان سنة ٦٤٦ هـ.
ومن أندلسيي القرن السابع الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن أحمد الخزرجي (من مالقة)، من الزهاد الورعين المتقين، انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة ٦٥١ هـ ودفن بقرافتها. ومنهم أبو بكر حميد بن أبي محمد الأنصاري (من قرطبة)، نزل مالقة ثم انتقل إلى القاهرة، كان من الزهاد الصالحين، توفي سنة ٦٥٢ هـ عن ٤٦ سنة ودفن بسفح المقطم. ومنهم أبو عبد الله التجيبي الدهان (من غرناطة)، كان تاجرًا عدلًا فاضلًا، ومات بقوص سنة ٦٥٣ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلمي (من مرسية)، مفسر فقيه جال بلاد الإسلام من المغرب إلى خراسان واستقر بمصر، مات قرب العريش سنة ٦٥٥ هـ عن ٨٥ سنة. ومنهم أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (من قرطبة) صاحب "المفهم في شرح مسلم"، فقيه محدث مدرس، ولد بقرطبة سنة ٥٧٨ هـ وسمع بها، ثم انتقل إلى المشرق وقدم مصر واختصر بها الصحيحين، توفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ. ومنهم الطبيب أبو عبد الله محمد اللوشي (من لوشة)، استقر بمصر وبها توفي سنة ٦٦٠ هـ. ومنهم المحدث أبو عبد الله محمد بن سراقة (من شاطبة)، انتقل في طلب العلم إلى الشام والعراق، واستقر بمصر حيث تولى مشيخة دار الحديث الكاملية سنة ٦٤٣ هـ إلى أن توفي في شعبان سنة ٦٦٢ هـ. ومنهم أبو جعفر محمد بن بندار القيسي (من مالقة)، كان دينًا خيرًا فاضلًا له مشاركة في عدة علوم، توفي بالقاهرة سنة ٦٦٢ هـ عن ٣٧ سنة.
ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الششتري (من ششتر من عمل وادي آش)، كان مجودًا للقرآن قائمًا عليه عارفًا بمعانيه، جال الآفاق وآثر التجرد للعبادات وصنف الكتب الكثيرة في التصوف، وله ديوان شعر، توفي في دمياط في ١٧ صفر عام ٦٦٨ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن فرح (من قرطبة)، كان من الصالحين والعلماء العارفين الورعين، له تآليف عدة في التفسير والتصوف، توفي بمنية ابن خصيب سنة ٦٧١ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري المعروف بابن الربيع (من شاطبة)، من أهل التصوف الأولياء الصالحين، استقر بالإسكندرية وبها توفي سنة ٦٧٢ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن يوسف الأنصاري (من شاطبة)، له تصانيف جيدة وشعرًا، توفي بالقاهرة سنة ٦٨٤ هـ. ومنهم الولي الشهير سيدي
[ ٤٠٣ ]
أبو العباس المرسي (من مرسية)، انتقل إلى الإسكندرية وتوفي بها سنة ٦٨٦ هـ، لأهل مصر فيه اعتقاد كبير حتى أصبح اسم "المرسي" شائعًا إلى يومنا هذا بين أهل مصر. ومنهم الشاعر الأديب أبو القاسم التجيبي (من بلش)، استوطن القاهرة وتوفي بها سنة ٦٩٥ هـ عن ٧٢ سنة. ومنهم أبو سلمة البياسي (من بياسة) كان عارفًا بعلم الحديث ظاهري المذهب، استوطن القاهرة وبها توفي سنة ٧٠٣ هـ.
ومن أهل القرن الثامن الذين استقروا بمصر أبو عبد الله الراعي (من غرناطة)، كان فقيهًا أصوليًّا، هاجر إلى مصر وبها توفي سنة ٧٥٣ هـ عن ٧١ سنة.
وهاجر بعد ذلك إلى مصر عدد من الأندلسيين، خاصة بعد سقوط غرناطة وبعد سنة ١٦٠٩ م، استقر كثيرون منهم في الإسكندرية التي أصبحت مركزًا مهمًا لهم، أتوا إليها في غالب الأحيان عن طريق تونس، وتوجد أسماء أندلسية كثيرة في وثائق المحكمة الشرعية بالإسكندرية في العقود التجارية والبيع والشراء والزواج والميراث.
وكان الأندلسيون يكتبون دائمًا أسماءهم متبوعة بلقب الأندلسي أو النسبة إلى البلدة التي أتوا منها في الأندلس. كما استقر عدد من الأندلسيين في مدن مصر الأخرى كالقاهرة ودمياط ورشيد والسويس والمنصورة وأسيوط. وانتقل إليها عدد من البيوتات الأندلسية المغربية في القرنين الأخيرين كبيت برادة وغيره. ويقتضي استقصاء الوجود الأندلسي المعاصر في مصر بحثًا في الوثائق الشرعية وبين العائلات المغربية، ومنها الأندلسية.
كانت علاقات ملوك "كاو" بالأندلس وثيقة منذ أيام الدولة الأموية. وقد انتقل
إلى مدنها، خاصة تنبكتو، عدد من علماء الأندلس أيام الدولة النصرية، منهم أبو
إسحق الساحلي، المعروف بالطويجن، كان عالمًا مشهورًا وشاعرًا وصالحًا. وهو من
بيت صلاح وثروة وعلم بغرناطة، كان والده أمين العطارين بها. وقد ارتحل أبو
إسحق من بلده إلى الحج، ثم انتقل إلى مملكة السونغاي بالسودان الغربي،
فاستوطنها وأصبح له الجاه المكين عند سلطانها، وبنى المساجد الكثيرة بها، منها
مسجد جنكورايبر بتنبكتو بين سنتي ١٣٢٥ و١٣٣٠ م. وتوفي بتنبكتو في يوم الاثنين
٢٧ جمادى الثانية عام ٧٤٧ هـ.
لكن الوجود الأندلسي المعاصر على ضفاف نهر النيجر من تنبكتو إلى كاو
يعود إلى الحملة التي أرسلها المنصور الذهبي عبر الصحراء الكبرى في أكتوبر سنة
١٥٩٠ م برئاسة جودر، وهو أندلسي من وادي المنصورة بمقاطعة المرية. عبر
[ ٤٠٤ ]
جودر الصحراء على رأس ٥.٦٠٠ رجل، أندلسيين ومغاربة، يصحبهم ٨.٠٠٠ جمل وألف فرس لاحتلال مملكة السونغاي، مات منهم في الطريق كثيرون ولم يصل إلى مملكة السونغاي سنة ١٥٩١ م سوى حوالي ٣.٠٠٠ رجل. فتحصن ضدهم الأسكية (السلطان) إسحق الثاني في عاصمته كاو، على نهر النيجر، بينما كانت تنبكتو مركز المملكة الثقافي والتجاري مرسى قوافل الصحراء من سجلماسة. وفي ١٤/ ٣ / ١٥٩١ م وقعت معركة حاسمة في تونديبي بين جنود الأسكية المسلحة بالرماح والأسلحة البيضاء وعددها ٤٠.٠٠٠ رجل والجيش المغربي المكون من ٣.٠٠٠ رجل المسلح بالأسلحة النارية التي لم يكن يعرفها أهل السونغاي، انهزم أثرها الأسكية واستقر جيش جودر في البلاد التي ضمها إلى المغرب.
استقر الأندلسيون والمغاربة على ضفاف نهر النيجر وتزوجوا من نساء البلاد وكونوا الطبقة الحاكمة إلى سنة ١٦٦٠ م، وجعلوا من تنبكتو عاصمة حكمهم. وكون الأندلسيون طبقة ثقافية متميزة، وأصبحوا يتزاوجون مع بعضهم، وانتشرت لغة السونغاي بينهم، واحتفظوا بثقافتهم الأندلسية. وبعد أن هجمت قبائل الطوارق على تنبكتو في القرن التاسع عشر الميلادي، طردوا منها معظم الأندلسيين فكونوا في منطقتها قبيلة اسمها "الآرما" (أو الجيش باللغة العجمية الأندلسية أو الإسبانية). ومع السنين ضاع نفوذ قبيلة الأرما في المنطقة، لكنها حافظت على كثير من عاداتها الأندلسية في المأكل والمشرب والمسكن ودخلت لغتهم السونغية كثير من الكلمات الإسبانية عدت بحوالي أربعين.
وعند دخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة ركزت قبيلة الأرما على الزراعة على ضفاف نهر النيجر وعلى تربية المواشي. ورجع كثير منهم إلى تنبكتو حيث تعلموا في المدارس العصرية وتخرجوا في كثير من الفنون. وبعد استقلال مالي سنة ١٩٦٠ م، تنوسيت منطقة تنبكتو مرة ثانية، وهاجر كثير من مثقفي الأرما إلى العاصمة باماكو. ثم جاء الجفاف والمجاعة فأضر ضررًا كبيرًا بالآرما. يقدر اليوم عدد الآرما المنحدرين من أصول أندلسية ومغربية بحوالي ٨٠.٠٠٠ شخص منهم حوالي الثلثان من أصول أندلسية وهم يعيشون في المدن والقرى المنتشرة بين تنبكتو وكاو.
ويوجد اليوم من الآرما في مدينة تنبكتو حوالي ألفان من مجموع ٢٠.٠٠٠ نسمة، أي حوالي عشر سكان المدينة. استقروا، منذ القرن الثامن عشر، في حي
[ ٤٠٥ ]
خاص بهم، توزعوا فيه حسب فيالقهم العسكرية التي أتوا معها. فالزايويون، وهم فرقة مراكش، يسكنون في حي جنكرايبر حيث يوجد المسجد العتيق الذي بناه الساحلي، المهندس الغرناطي، وجماعة مبارك الدرعيين، وهم فرقة وادي درعة، يسكنون حي سراكينا؛ والتورقينيون، وهم فرقة فاس، الذين اضطروا إلى مغادرة تنبكتو سنة ١٨٠٠ م، يسكنون حي الفاسيين كوندا حول مسجد سيدي يحيى، حيث توجد مقابر باشاوات تنبكتو الذين خلفوا الرئيس جودر. ومن الشخصيات "الآرما" المعروفة اليوم بابا أحمد حساية، رئيس مكتب التراث الثقافي بتنبكتو، وكذلك إسماعيل دياديا، الباحث في مركز أحمد بابا للدراسات الإسلامية بتنبكتو، والباحث الآن في مركز الدراسات الأندلسية التابع "للجماعة الإسلامية بالأندلس" في قرطبة، والذي له الدور الهام في التعريف بالسلالة الأندلسية في مالي.
وقد أخذت الأوساط الأندلسية في الأندلس اليوم تهتم بأندلسيي مالي. فقد أرسلت "الجمعية الثقافية الحرة لسنة ٢٠٢٠"، وهي جمعية إسبانية غير حكومية، بعثة إلى مالي سنة ١٩٨٦ م، واقترحت على مسؤوليها برنامج تعاون للحفاظ على التراث الأندلسي في مالي. ويحتوي هذا البرنامج على ترميم مسجد جنكورايبر الذي بناه الساحلي، وقد أبدت وزارة الثقافة الإسبانية واليونسكو اهتمامًا بهذا المشروع، وعلى إرسال أدوية لأطفال تنبكتو ومنطقتها بالتعاون مع الصليب الأحمر الإسباني.
وعبر السنين، انتقل كثير من الأندلسيين التنبكتيين إلى البلدان المجاورة، خاصة النيجر والسنغال وموريطانيا، حيث توجد بعض العائلات الأندلسية، منها التي لم تضع ذكراها بعد، كما هاجر عدد من الأندلسيين من مصر ومن المغرب إلى السودان. وتستحق كل هذه الهجرات دراسة مستفيضة للتعرف على آثارها السكانية المعاصرة.
١٢/ ٤ - الأندلسيون في القارة الآسيوية:
كان لبلاد الشام موقع خاص في نفوس المغاربة والأندلسيين لما ورد في فضلها
من أحاديث صحيحة، هاجر إليها عبر القرون عدد كبير من خاصتهم وعامتهم، قبل
سقوط غرناطة وبعدها. وممن ذكر المقري في "نفح الطيب" أبو إسحق إبراهيم بن
عبد الله بن حصن، هاجر إلى بلاد الشام وولي الحسبة بها أيام الحاكم العبيدي سنة
٣٩٥ هـ، وتوفي بدمشق سنة ٤٠٤ هـ. ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله
السعدي (من شاطبة)، قدم دمشق وصنف غريب الحديث على حروف المعجم، توفي
[ ٤٠٦ ]
بحوران سنة ٤٦٥ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن بقاء الأنصاري (من بلغي بالثغر الأعلى)، أخذ القراءات ورحل حاجًّا فقدم دمشق وأقرأ بها القرآن بالسبع، وتوفي بها سنة ٥١٢ هـ.
ومن أندلسيي القرن السادس الذين قدموا إلى بلاد الشام أبو حامد محمد بن عبد الرحيم المازني (من غرناطة)، رحل إلى مصر وخراسان، ثم رجع إلى الشام واستقر في حلب، وكان حافظًا عالمًا أديبًا، توفي بدمشق سنة ٥٦٥ هـ عن ٩٢ سنة.
منهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر المغربي (من المرية)، جمع بين الأدب والطب، وله ديوان شعره، توفي بدمشق سنة ٤٥٩ هـ عن ٦٣ سنة. منهم أبو الأصبح عبد العزيز بن علي بن الطحان (من إشبيلية)، رحل إلى مصر ثم بلاد الشام حيث استقر بحلب، واختص في القراءات والتجويد وله شعر جيد، توفي بحلب عن ٦١ سنة عام ٥٥٩ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن ياسر الأنصاري (من جيان)، زميل المؤرخ ابن عساكر، اختص في القراءات، استقر بحلب وتوفي بها سنة ٥٦٣ هـ. ومنهم الشيخ الإمام الولي العارف أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشي الهاشمي (من الجزيرة الخضراء)، انتقل إلى مصر ثم سافر إلى الشام فاستقر ببيت المقدس إلى أن مات سنة ٥٩٩ هـ وهو ابن ٥٥ سنة. ومنهم الطبيب الصوفي أبو الفضل محمد عبد المنعم الغساني (من جليانة من أعمال غرناطة)، قدم إلى القاهرة وسار إلى دمشق، كان يقال له حكيم الزمان، توفي بدمشق سنة ٦٠٢ هـ. ومنهم النحوي أبو الحسن علي بن محمد بن خروف القيسي (من قرطبة)، له شرح كتاب سيبويه وكتب في الفرائض، وله شعر، استقر في حلب وتوفي بها سنة ٦٠٢ هـ.
ومن أندلسيي القرن السابع المهاجرين إلى بلاد الشام الصوفي الشهير أبو بكر عتيق بن أحمد بن عبد الباقي الأندلسي المتوفَّى سنة ٦١٦ هـ عن سن عالية. ومنهم الأديب الفقيه أبو العباس أحمد بن تميم البهراني (من لبلة)، جال في بلاد الإسلام من العراق إلى خراسان واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٢٥ هـ. ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن بن أحمد الحرالي (من حرالة من أعمال مرسية)، ولد بمراكش ورجع إلى الأندلس، ثم انتقل إلى المشرق واستقر ببلاد الشام حيث توفي بحماة سنة ٦٣٧ هـ. ومنهم الصوفي الظاهري المشهور الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي (من مرسية)، ولد بمرسية في ١٠ رمضان سنة ٥٦٠ هـ، وانتقل إلى إشبيلية سنة ٥٦٨ هـ حيث قرأ، وارتحل إلى المشرق سنة ٥٩٨ هـ فدخل مصر والحجاز
[ ٤٠٧ ]
والعراق وبلاد الروم، ثم استقر في دمشق حيث توفي في ٢٨ ربيع الثاني سنة ٦٢٨ هـ، وقبره بها يزار إلى يومنا هذا. ومنهم العالم الأديب الشيخ نور الدين أبو الحسن المايورقي (من مايرقة)، له نظم حسن، رحل إلى المشرق واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٥٥ هـ. ومنهم النحوي الشهير محمد بن عبد الله بن مالك (من جيان)، صاحب التسهيل والألفية، ولد سنة ٦٠٠ هـ واستقر بدمشق حيث درس إلى أن توفي حوالي سنة ٦٨٠ هـ. ومنهم الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد أبو بكر محمد بن أحمد البكري (من شريش) صاحب المصنفات المفيدة، هاجر إلى بلاد الشام وتولى مشيخة الصخرة بالحرم القدسي ومشيخة المالكية بدمشق، وعرض عليه القضاء فرفض، توفي بدمشق سنة ٦٨٥ هـ عن ٨٤ سنة. ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد الوائلي (من شريش)، رحل إلى الإسكندرية وبغداد، ثم انتقل إلى الشام حيث ولي مشيخة المدرسة بالقدس ومشيخة الرباط الناصري بالجبل، وأقام في دمشق يفتي ويدرس، كان أحد أئمة العربية والفقه والتفسير والأصول، توفي بدمشق سنة ٦٨٥ هـ، ومنهم الإمام المحدث الزاهد زكي الدين أبو إسحق إبراهيم بن عبد العزيز (من لورة من أعمال إشبيلية)، سمع بمصر ودمشق وحلب وأفتى ودرس، وهو أول من باشر بظاهرية دمشق مشيخة الحديث، توفي بدمشق سنة ٦٨٧ هـ عن نيف وسبعين سنة.
ومنهم الشاعر النحوي أبو الوليد محمد بن الجنان (من شاطبة)، قصد مصر ودمشق وحلب، توفي بدمشق حوالي سنة ٦٩٠ هـ ودفن بسفح جبل قاسيون. ومنهم أبو عبد الله محمد بن نوح (من إشبيلية)، حصّل الكثير في علم القرآن والأدب وله نظم ونثر، جال الأقطار المغربية والمشرقية واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٩٩ هـ عن ٦٨ سنة.
ومن أندلسيي القرن الثامن الذين هاجروا إلى بلاد الشام الإمام المقرىء الزاهد أبو عبد الله محمد بن غصن (من الجزيرة الخضراء)، كان عارفًا بمتون الحديث وأحكامه، أقرأ القرآن بمكة والمدينة والقدس، وله مصنفات في القراءات، توفي ببيت المقدس سنة ٧٢٣ هـ عن سن عالية. ومنهم أبو عبد الله بن جابر الضرير (من المرية)، صاحب بديعية العميان، له أمداح نبوية كثيرة وتآليف منها "شرح ألفية ابن مالك" وديوان شعر، دخل مصر والشام واستوطن حلب وبها توفي في أواخر القرن الثامن. ومنهم رفيقه أبو جعفر الألبيري (من البيرة)، له كذلك نظم بديع وتآليف جمة منها "شرح لبديعية ابن جابر"، توفي بحلب أواخر القرن الثامن.
[ ٤٠٨ ]
وانتقل إلى بلاد الشام، خاصة الساحل اللبناني ودمشق وبيت المقدس، جم غفير من الأندلسيين بعد سقوط غرناطة أيام الدولة المملوكية، وبعد طرد سنة ١٦٠٩ م أيام الدولة العثمانية، كما انتقلت إليها عائلات أندلسية من المغرب والجزائر وتونس. غير أن ذكرى الأندلس لم تبق إلا في بعض هذه العائلات، منها بدمشق عائلة الألشي، نسبة إلى الش بمقاطعة لقنت، والمالقي، نسبة إلى مالقة، وبحلب عائلة بلانكو (Blanco) ومنها مفتي الجمهورية السورية السابق، وغيرها من العائلات. وتستحق العائلات الأندلسية ببلاد الشام دراسة خاصة عبر الوثائق العثمانية.
وتوجهت الهجرة الأندلسية إلى أرض الحجاز منذ القدم، إذ كان معظم المثقفين الأندلسيين يتوجهون للحج، ومنهم من يستقر للتدريس. ومنهم مفرج بن حماد المعافري (من قرطبة)، جد ابن مفرج صاحب كتاب "الاحتفال بعلم الرجال" كان من الصالحين، صحب ابن وضاح في رحلته الثانية واستقر بمكة المكرمة إلى أن توفي بها. ومنهم الفقيه الزاهد محمد بن يحيى الليثي، خرج حاجًّا ولقي سحنون ورجالًا من أصحاب الإمام مالك، فسمع منهم، وجاور بمكة إلى أن توفي بها. ومنهم الأستاذ الورع أبو القاسم ابن الإمام القاضي أبي الوليد الباجي (من باجة)، خلف والده بعد موته في حلقته، وترك تآليف منها "العقيدة في المذاهب السديدة"، توفي في جدة بعد حجة سنة ٤٩٣ هـ ومنهم أبو بكر عبد الله بن طلحة اليابري (من يابرة)، ذو معرفة بالنحو والأصول والفقه وحفظ التفسير والقيام عليه، كان أحد الأئمة بجامع العديس بإشبيلية، ورحل إلى الشرق واستوطن مصر مدة، ثم رحل إلى مكة وبها توفي حوالي سنة ٥٣٠ هـ. ومنهم أبو محمد طارق بن موسى بن يعيش المخزومي (من المنصف من أعمال بلنسية)، أدى الفريضة واستقر بمكة، كان شيخًا صالحًا ثقة عالي الرواية، توفي بمكة عن سن عالية سنة ٥٤٩ هـ.
ومن أندلسيي القرنين السابع والثامن الذين استقروا بالحجاز الحافظ أبو المكارم جمال الدين بن مسدي (من الجزيرة الخضراء)، شيخ السنة وحامل رايتها وإمام اللغة العربية، كان خطيب الحرم الشريف بمكة، ومات مقتولًا بها سنة ٦٦٣ هـ عن ٦٥ سنة. ومنهم الفقيه الجليل أبو محمد عبد الحق بن سبعين (من مرسية)، درس العربية والأدب في الأندلس، وكتب كتبًا عدة، وانتقل إلى سبتة وانتحل التصوف وعكف عليه مدة، ثم رحل إلى المشرق وشاع صيته وكثر أشياعه واستقر بمكة وتتلمذ له أميرها، وتوفي بها سنة ٦٦٩ هـ عن ٥٥ سنة. ومنهم الكاتب أبو القاسم خلف بن عبد العزيز
[ ٤٠٩ ]
الغافقي (من إشبيلية)، كان له باع مديد في التوسل مع التقوى، انتقل إلى الحجاز واستقر بالمدينة المنورة حيث توفي سنة ٧٠٤ هـ عن ٤٩ سنة. ومنهم الفاضل الأديب الشاعر المجيد أبو عبد الله بن علي بن يحيى (من غرناطة)، هاجر إلى المدينة المنورة وبها توفي سنة ٧١٥ هـ ودفن بالبقيع. ومنهم الأديب الشاعر أبو عبد الله محمد بن قاسم بن رمان الفهري (من غرناطة)، هاجر إلى القاهرة ثم استقر بالمدينة المنورة، وبها توفي سنة ٧٢٩ هـ.
وبعد سقوط غرناطة، هاجر بعض الأندلسيين إلى الحجاز، معظمهم من المغرب وبلاد الشام، وتوجد اليوم بالحجاز خاصة، والمملكة العربية السعودية عامة، عائلات من أصول أندلسية منها الألشى والدبا، (أشراف أدارسة) وبرادة وغيرهم. ويستحق الوجود الأندلسي المعاصر في المملكة العربية السعودية أن يدرس.
ومن الأندلسيين الذين انتقلوا إلى العراق منذ القدم أبو عثمان سعيد بن نصر بن خلفون (من أستجة)، سمع بقرطبة وبمكة، ثم رحل إلى بغداد وبها مات. ومنهم النحوي الشاعر أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي (من إشبيلية)، ابن عمر الزبيدي اللغوي، جمع شرحًا لكتاب سيبويه، انتقل إلى فارس والعراق واستقر ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٣٧٢ هـ. ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح الحميدي (من قرطبة)، برع في الحديث والأدب وسائر الفنون، وصنف مصنفات كثيرة منها "جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس"، كان إمامًا في الحفظ والمعرفة والديانة والنزاهة، رحل إلى مصر ودمشق ومكة وواسط، ثم استقر ببغداد وبها توفي سنة ٤٩١ هـ. ومنهم الحافظ المحدث النسابة أبو عامر محمد بن سعدون العبدري (من مايورقة)، ولد بقرطبة وهاجر إلى المشرق حيث استقر ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٥٢٤ هـ. ومنهم المحدث أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري (من بلنسية)، رحل إلى أن وصل الصين ثم استقر بأصبهان وتزوج بها وولدت له ابنته فاطمة ابنة سعد الخير، وكانت امرأة فاضلة وعالمة، ثم استقر ببغداد وبها توفي سنة ٥٤١ هـ ودفن إلى جانب عبد الله ابن الإمام بن حنبل. ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون الأزدي (من قرطبة)، كان ديّنًا عالمًا بالقراءات وبالنحو، رحل في عنفوان شبابه إلى مصر ثم دخل بغداد ورحل منها إلى أصبهان ثم استقر بالموصل إلى أن مات بها سنة ٥٦٧ هـ عن ٨١ سنة.
[ ٤١٠ ]
ومن أندلسيي القرن السابع المهاجرين إلى العراق الأديب الشاعر الكاتب أبو عبد الله محمد بن أحمد الزهري (من إشبيلية)، صاحب كتاب "البيان والتبيين في أنساب المحدثين"، في ستة أجزاء، ولد بمالقة، ودخل مصر والشام والجزيرة وأصبهان، واستقر ببغداد، قتله التتار في ١٧ رجب سنة ٦١٧ هـ، وعمره ٥٧ سنة.
ومنهم الصوفي الدين أبو محمد عبد العزيز ابن الأمير القائد أبي علي الحسن بن عبد العزيز اللخمي، رحل إلى مكة وبغداد وواسط وأصبهان وخراسان، واستقر بالبصرة إلى أن توفي بها في ١٠ رمضان سنة ٦١٧ هـ عن ٤٠ سنة. ومنهم النحوي أبو عبد الله محمد بن ظاهر الخزرجي (من دانية)، صاحب كتاب "تحصيل عين المذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب"، خرج حاجًّا وزار دمشق ومصر، ثم أقام ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٦١٩ هـ عن ١٠٧ سنة.
ولا يعرف الوجود الأندلسي المعاصر في العراق. وهو يستحق الدراسة باستعمال الوثائق العثمانية في أسطنبول كذلك.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى اليمن الحسين بن أحمد التجيبي (من قرطبة)، أخذ علم العدد والهندسة من ابن برغوث، وكان كلفًا بصناعة التعديل وله زيج مختصر، خرج سنة ٤٤٢ هـ إلى مصر ثم إلى اليمن حيث استقر إلى أن توفي سنة ٤٥٦ هـ. ولا يعرف الكثير عن هجرة الأندلسيين إلى اليمن بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى الأراضي التي تكوّن اليوم تركيا قبل سقوط غرناطة الأديب الشاعر أبو الروح عيسى بن عبد الله النقري (من تاكرنا، منطقة مالقة)، انتقل إلى آمد حيث استقر، وتوفي سنة ٦٢٩ هـ في أرزن من ديار بكر.
ومنهم الفقيه النحوي الأصولي محمد بن يحيى اللبسي، كان قاضيًا للقضاة، انتقل إلى الشام وعينه الملك الأشرف على قضاء المالكية بحماة، ثم رحل إلى حلب ومنها إلى بلاد الروم، واستقر ببروسة حيث توفي في أواخر شعبان سنة ٨٨٤ هـ عن ٧٨ سنة.
وبعد سقوط غرناطة وطرد سنة ١٦٠٩ م، هاجرت أعداد كبيرة من الأندلسيين إلى الدولة العثمانية، بما فيها الأراضي التي تكوّن تركيا اليوم، خاصة أسطنبول. ويستحق الوجود الأندلسي المعاصر في تركيا أن يدرس باستعمال الوثائق العثمانية.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى إيران قبل سقوط غرناطة الشاعر الأديب أبو بكر محمد بن يحيى بن مالك (من طرطوشة)، كان حافظًا للنحو واللغة
[ ٤١١ ]
والشعر، رحل مع أبيه أبي زكريا صاحب الرواية إلى مصر والبصرة وبغداد، ثم استقر بأصبهان إلى أن توفي بها سنة ٣٦٠ هـ. ومنهم المقرىء المعروف أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى (من قرطبة)، هاجر إلى مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان، واستقر بسجستان حيث توفي سنة ٣٩٣ هـ. ومنهم المحدث أبو عبد الله محمد بن عبد الله العنسي (من غرناطة)، هاجر إلى مصر والإسكندرية ودمشق وبغداد، ثم استقر في أصبهان حيث فُقد حين استولى عليها التتار قبل ٦٣٠ هـ. ولا يعرف مدى الهجرة الأندلسية لإيران بعض سقوط غرناطة وظهور الدولة الصفوية.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى أفغانستان أبو محمد عبد الله بن عيسى بن أبي حبيب (من شلب)، من بيت علم ووزارة، كان غزير العلم في الفقه والحديث والأدب، وولي القضاء بالأندلس مدة، ثم دخل الإسكندرية ومصر وجاور بمكة المكرمة، ثم قدم بغداد، ثم انتقل إلى خراسان حيث أقام بنيسابور وبلخ واستقر بهراة حيث توفي سنة ٥٤٨ هـ. ولم تدرس هجرة الأندلسيين إلى أفغانستان بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى آسيا الوسطى المحدث أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك الأموي (من قرطبة)، سمع عن جماعة في مكة ومصر ودمشق وغيرها، ثم استقر في بخارى وبها توفي سنة ٣٦٥ هـ. ومنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري، رحل إلى المشرق فزار بغداد وهمدان وأصبهان ونيسابور ومرو، ثم استقر ببخارى وبها توفي سنة ٣٨٣ هـ. ومنهم الأديب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، عم علي بن سعيد، هاجر إلى أقصى المشرق واستقر ببخارى حيث قتل عند دخول التتار لها في القرن السابع. ولم تدرس هجرة الأندلسيين إلى مناطق آسيا الوسطى بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى الهند الفقيه المالكي الحافظ أبو الوليد محمد بن عبد الله بن فيرة (من قرطبة)، من تلامذة القاضي ابن رشد، خرج إلى الإسكندرية والقاهرة وقوص بالصعيد ومكة وزبيد باليمن، ثم الهند حيث استقر وتوفي. وبعد سقوط غرناطة، التقى الإسبان بأندلسيين في الهند منهم علي التورتو، ترجمان البرقوقي، حاكم الهند البرتغالي، وعلي الغرناطي، ترجمان التاجر مالك كوبي، وغيرها، وتستحق هذه الهجرة أن تدرس.
[ ٤١٢ ]
ولا شك أن عددًا من الأندلسيين انتقلوا مع الجيوش الإسبانية إلى الفلبين وانضموا إلى المسلمين الذين يفتخرون إلى اليوم بتسمية "المورو"، ويسمون نفسهم "شعب المورو"، كما انتقل الأندلسيون مع البرتغاليين إلى سيلان (حيث يسمى المسلمون القدماء مورو إلى اليوم). وماليزيا وجزر أندونيسيا. وكل هذه الهجرات تستحق الدراسة.
أما الصين فقد انتقل إليها الأندلسيون قبل سقوط غرناطة وبعدها ولم تجر بعد على هذا الموضوع دراسة تذكر.