ظهرت فكرة محاكم التفتيش في القرن الثالث عشر الميلادي مع تزايد غطرسة الكنيسة الكاثوليكية واجتهادها في مراقبة ضمائر الناس في الدول التي كانت تحت سيطرتها. فكان بابا روما يكلف بعض الأساقفة بتعقب من كانت أفكاره مخالفة لتعاليم الكنيسة وطبق هذا النظام في البداية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا حيث كان يتجول مندوبو البابا في أنحاء البلاد لتقصي أخبار الناس واتهام كل مخالف بالكفر ثم القبض
[ ٦٥ ]
عليه ومعاقبته. وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت بمثابة محاكم التفتيش المبدئية. ثم تحل المحكمة بعد مطاردة المتهمين والقضاء عليهم. وهكذا عذبت الكنيسة الكاثوليكية أجيالًا كاملة من المفكرين والعلماء في أنحاء أوروبا بكل قساوة وبطرق إجرامية لا تمت للإنسانية بصلة.
ثم أنشئت في أديرة الفرانسسكان والدومنيكان محاكم ثابتة حيث كان يتولى الأساقفة رئاستها بسلطة مطلقة. أما التحقيقات والمرافعات فكانت تجري بطريقة سرية، ولم يكن الحكم قابلًا للنقض بعد إصداره. وكان يسمح للأطفال والعبيد والنساء بالشهادة ضد المتهم في الوقت الذي لم يكن يسمح لهم بالشهادة له. وكثيرًا ما كانت الأحكام ترتكز على اعترافات المتهم التي كانت تؤخذ منه بالتعذيب والمكر.
وتفننت تلك المحاكم في طرق التعذيب التي كثيرًا ما كانت تؤدي بحياة المتهم أو تعوقه فيما تبقى من حياته. ولم تكن لتلك المحاكم سجون ثابتة، بل كان يرمى المتهمون في سجون مؤقتة مظلمة قليلة الهواء مصفدين في الأغلال، يذوقون الأمرين من العطش والحر أو البرد والجوع والآلام النفسية. وكانت أكثر العقوبات ترتكز على المصادرة لإغناء خزائن محاكم التفتيش والقائمين عليها أو السجن المؤبد أو الجدف على السفن أو الخدمة في المناجم أو الإعدام حرقًا، والسعيد منهم من يفلت بغرامة ضخمة. وكانت محاكم التفتيش تصدر أوامرها الإجرامية بإحراق الكتب المحرمة، وكم أحرقت من كتب العلماء والفلاسفة.
وهكذا تابعت محاكم التفتيش الكاثوليكية في كل أنحاء أوروبا المذاهب غير الكاثوليكية مثل الألبيين واليهود. ثم أخذت تطارد كل من ظهرت عليه بوادر الشك في العقيدة الكاثوليكية حسب قرارات الكنيسة المتغيرة. فطورد العلماء والمفكرون وشرد وأحرق جم غفير ممن اتهموا بالسحر والعرافة.
وأنشئت أول محكمة للتفتيش في شبه الجزيرة الإيبرية في مملكة أراغون في القرن الثالث عشر الميلادي وحدد نظامها سنة ١٢٤٢ م، عرفت بالديوان القديم.
واستعمل هذا الديوان بكل قساوة ضد الألبيين حتى أصبح اسمه مدعاة للإرهاب والفزع. ثم فكرت مملكة قشتالة في تأسيس محاكم التفتيش لملاحقة النصارى من أصل يهودي الذين سما شأنهم في الدولة والكنيسة، وأصبحوا محط أنظار الحساد والمبغضين، وأصبح لهم نفوذ مالي كبير ومكانة مرموقة في المجتمع القشتالي.
فأخذت الكنيسة الكاثوليكية تنظر إليهم بريب وتتهمهم بمزاولة الشعائر اليهودية سرًّا
[ ٦٦ ]
وبالدس ضد النصرانية. فأصدر الملك أنريكي الرابع، ملك قشتالة، سنة ١٤٥٩ م، أمرًا ملكيًّا للأساقفة بالبحث والاستقصاء في دوائرهم عن المارقين المضمرين لأفكار مخالفة للكثلكة. وهكذا ابتدأ الاضطهاد الكنسي ضد اليهود المتنصرين فأحرق منهم الجم الغفير قبل سقوط غرناطة.
ولم تشمل هذه المحاكم آنذاك المسلمين أو المدجنين بعد، بل أرسل سكتوس الرابع، بابا روما، مرسولًا كلفه بالتحقيق والقبض على الخارجين على الكنيسة ومعاقبتهم. فخاف الملكان فراندو وايسابيلا أول الأمر على سلطتهما ووقفا ضد هذه المحاولة البابوية، فأوقفا القساوسة من متابعة النصارى من أصل يهودي. لكن مقاومة الملكين الكاثوليكيين لم تدم طويلًا إذ أرسلا سفيرهما إلى البابا سنة ١٤٧٨ م في هذا الأمر. فأصدر البابا مرسومًا في شهر نوفمبر من سنة ١٤٧٨ م بإنشاء"محكمة التفتيش"في قشتالة وتعيين المفتشين "لمطاردة الكفر ومحاكمة المارقين". وندب المفتشون الثلاثة الأولون في شهر سبتمبر عام ١٤٨٠ م إلى إشبيلية، عاصمة قشتالة آنذاك. وهكذا ابتدأت محاكم التفتيش عملها الجهنمي ضد المسلمين في إسبانيا.
وطالبت المحكمة في أول عملها الجميع بالتحول إلى جواسيس للكنيسة وذلك بالبحث عن "الملحدين" و"الكفرة" والمساعدة على جمع الأدلة ضدهم. وكان أول ضحايا هذه المحاكم النصارى من أصل يهودي، فحوكم اللآلاف منهم وصودرت أموالهم وأحرق بالنار مئات من الأبرياء بينما جرد الباقون من حقوقهم وحتى إنسانيتهم.
وتوسع "ديوان التفتيش" في فبراير عام ١٤٨٢ م بتعيين سبعة مفتشين جدد بمرسوم بابوي استصدره الملكان الكاثوليكيان. كما أنشئت بعد ذلك محاكم للتفتيش في بلد الوليد وشقوبية وطليطلة وقرطبة وجيان، ثم عمت المحاكم مملكتي قشتالة وأراغون. ثم صدر مرسوم بابوي سنة ١٤٨٣ م بإنشاء مجلس أعلى لديوان التفتيش يتكون من أربعة أعضاء أحدهم المفتش العام رئيس المجلس، لهم تفويض كامل في كل الشؤون الدينية. وصدر مرسوم بابوي في أكتوبر من نفس السنة بتعيين معترف (أي الراهب الذي يصرح له بالذنوب ليغفرها حسب معتقدات النصارى) الملكين، القس توماس دي توريكمادا (أي البرج المحروق)، مفتشًا عامًّا، كلف بوضع نظام جديد للديوان المذكور.
[ ٦٧ ]
فعيّن توريكمادا في إشبيلية لجنة من المفتشين العامين وضعت سنة ١٤٨٥ نظام الديوان الجديد مع مجموعة من القرارات واللوائح. ثم اجتمعت لجنة ثانية سنة ١٤٨٨ م في بلد الوليد، وثالثة سنة ١٤٩٨ م في آبلة. ثم تولى بعد ذلك المجلس الأعلى صياغة اللوائح وتنظيمها. وهكذا تكونت محاكم التفتيش الكاثوليكية الإسبانية التي تجمع بين الصفتين الدينية والقومية والتي ذاق منها المسلمون بعد ذلك صنوفًا لا توصف من العذاب والإذاية والظلم. وكان أول"مفتش عام"، توريكمادا، رجلًا ظالمًا متعصبًا، لا يعرف الرحمة ولا الشفقة، مع شغفه بالبذخ والأبهة والترف والسلطة. وقد ندب البابا له سنة ١٤٩٤ م أربعة من المفتشين العامين وخولهم نفس السلطة التي لديه. وعندما مات سنة ١٤٩٨ م خلفه في منصب"المفتش العام"القس "دييغو ديسا"، أسقف جيان.
تبدأ محكمة التفتيش عملها بالتبليغ إما من طرف شخص بعينه أو بدونه. فحينما يكون المبلغ معروفًا يستدعى لتقديم شهادته التي تعتبر"تفتيشًا تمهيديًّا". ويمكن اتهام شخص عن طريق التهمة أو عن طريق الاعتراف لدى قس. إذ على كل كاثوليكي أن يعترف بكل ذنوبه لقس ليغفر له، ويمكن للقس أن يستعمل هذه الاعترافات ضد المعترف. ثم تعرض نتائج"التفتيش التمهيدي"على"الرهبان المقررين"الذين يقررون إذا كانت التهم الموجهة ضد المتهم تدخله في الكفر أم لا. وحيث كان معظم الرهبان من الجهلة المتعصبين، فقد كانت قراراتهم تتجه إلى الإدانة في غالب الأحيان. وفي حالة الإدانة، يقبض على المتهم ويرمى به في سجن الديوان السري، وتصادر أمواله وتصفى على الفور، وتقطع علاقاته مع العالم الخارجي إلى أن تنتهي المحاكمة التي كانت تستغرق السنوات الطوال. وتدفع نفقات سجن المتهم ومحاكمته من أملاكه المصفاة. وأحيانًا تصادر أموال المتهم حتى قبل الإدانة.
ولا يعلم المتهم سبب سجنه عند القبض عليه، بل يمنح ثلاث "جلسات إنذار" في ثلاثة أيام متوالية يطلب منه فيها أن يقرر الحقيقة، ويوعد بالرأفة إذا قرر كل شيء وبالشدة والعذاب إذا أنكر. وكان هذا الوعد في الحقيقة غدرًا فاضحًا، فلو اعترف المتهم بذنب لم يقترفه عوقب به دون رحمة ولا شفقة، وإذا اعترف بالكفر فلا مناص له من الموت حرقًا. أما إذا رفض المتهم الاعتراف بأي ذنب بعد الجلسات الثلاثة فإنه يحال إلى التعذيب. وأحيانًا يحال إلى التعذيب حتى لو اعترف بذنوبه، إذًا يفترض أنه أخفى أشياء أخرى. وكانت ضروب التعذيب تصل إلى درجة من الوحشية
[ ٦٨ ]
لا تخطر على بال، كثيرًا ما يعترف إبانها المتهم بكل ما يطلب منه مفضلًا الموت على ما هو فيه. وأحيانًا يموت المتهم في يد القساوسة المعذبين. ويتنوع العذاب من إغراق وجر وربط وإدخال أسياخ وسحق عظام وسلخ جلود وتمزيق أطراف وفسخ فك وغيرها من ضروب العذاب. ويحضر التعذيب الجلادون والرهبان المفتشون. ولا يعرف المتهم سبب تعذيبه وما يطلب منه بالضبط الاعتراف به. ويعد كل ما يعترف به المتهم إبان التعذيب اعترافًا كاملًا لا يمكن الرجوع عنه. ولا يكف القساوسة المفتشون عن تعذيب المتهم إلا إذا رضوا باعترافاته. وإذا تمادى المتهم في عدم الاعتراف ونجا من الموت إبان التعذيب فإن صبره لن يفيده شيئًا، إذ تطبق عليه التهم المنسوبة إليه على أي حال. وعندما ينتهي القساوسة المحققون من جلسة التعذيب يطلب من المتهم أن يتقدم في اليوم التالي بتصريحاته التي اعترف بها إبان التعذيب.
فإذا ناقض نفسه أعيد إلى التعذيب.
وبعد الانتهاء من الاعتراف يسأل المتهم عن دفاعه. فمان لم يكن له دفاع اختارت له المحكمة محاميًا من المسجلين في الديوان للدفاع عنه. ولم يكن الدفاع إلا مهزلة، إذ يتعهد المحامي بالتخلي عن موكله في أية مرحلة من مراحل المحاكمة إذا رأى أن الحق ليس معه، ولا يمكنه الاطلاع على ملف القضية أو الجلوس بانفراد مع المتهم. وإذا تعاطف المحامي مع المتهم فإنه يتعرض لنفس تهمة موكله.
وبعد المرافعة والاستجواب يرفع الموضوع إلى القساوسة المفتشين ليعطوا رأيهم من جديد تمهيدًا للحكم النهائي. وفي غالب الأحيان لا يختلف الحكم الجديد عن سابقه. فإذا كانت الإدانة فإنه يسمح للمتهم طلب الاستئناف، وقليلًا ما كان الاستئناف يؤدي إلى نقض حكم سابق. ويمكن للمتهم أن يعلن التوبة ويطلب العفو من البابا مقابل أموال طائلة إن كانت له أموال.
وإذا حُكم للمتهم بالبراءة، وقليلًا ما يحدث ذلك، فإنه يعطي شهادة بطهارته من الذنوب كتعويض على ذهاب ماله وشرفه وصحته ظلمًا وعدوانًا. أما إذا كانت التهمة كبيرة فيؤخذ المتهم من السجن دون أن يدري مصيره ويمر"بمرسوم الإيمان" (أيوتو دافي) فيلبس الثوب"المقدس"ويوضع في عنقه حبل وفي يده شمعة ويؤخذ إلى الكنيسة للتوبة ثم إلى ساحة التنفيذ، وهناك يتلى عليه لأول مرة الحكم: سجن مؤبد ومصادرة كاملة للأموال، أو حكم بالإعدام حرقًا بالنار في حال"الكفر
[ ٦٩ ]
الصريح". أما إذا كانت التهمة صغيرة فيحكم عليه بالسجن لمدة محدودة أو بغرامة مالية ويسمون ذلك حكم"التوفيق".
كانت أحكام الإعدام بالنار كثيرة، وتكون في مهرجانات عظيمة يتفرج فيها القساوسة ورجال الدولة والأهالي تمامًا كما كان يتفرج رعاع روما على النصارى الأوائل الذين كان يرمى بهم للأسود المفترسة في حفلات كبرى. وكثيرًا ما كان يشهد حفلات الحرق هذه الملك نفسه وكبار رجال دولته. وكان يحرق المتهمون جماعيًّا في مواكب الموت وأحيانًا أسر بأكملها من أب وأم وأطفال. وكان الملك فراندو من عثاق التفرج على المسلمين وهم يحرقون.
كانت محاكم التفتيش تحاكم أحيانًا الموتى فتنبش قبورهم وتخرج جثثهم لتعاقب. وتتابع محاكم التفتيش الغائبين كذلك. وكان لأعضاء هذه المحاكم حصانة كاملة من أية متابعة. وكانوا في غالب الأحيان ذوي أخلاق سافلة لا يتورعون عن ارتكاب جميع الموبقات والجرائم أقلها الارتشاء واختلاس أموال الأبرياء وأكثرها اغتصاب النساء والرجال وقتلهم كما ذكرته الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع في إسبانيا وخارجها.
ولما أكره الأندلسيون على التنصير واستحالوا من أمة مسلمة إلى أمة المورسكيين، المسلمين سرًّا النصارى ظاهرًا، وعندما فشلت كل ثوراتهم بعد سنة ١٥٠٢ م أصبحوا لقمة سائغة في يد محاكم التفتيش هذه التي عدتهم نصارى وأصبحت تلاحقهم جماعات وفرادى لتنزع عنهم أي أثر للإسلام عقيدة أو ثقافة أو لغة. وقد أُخضع مسلمو غرناطة إلى محاكم التفتيش منذ إعلان تنصيرهم القسري سنة ١٤٩٩ م، وجعلت محكمة غرناطة من اختصاص محكمة التفتيش في قرطبة. ولنرَ الآن مأساة المورسكيين في يد محاكم التفتيش.