لما أخمدت الثورات وألغي الإسلام رسميًّا في جميع أنحاء مملكة غرناطة دخل الأندلسيون مرحلة جديدة في تعاملهم مع مضطهديهم. فعاشت الدولة والكنيسة في بادىء الأمر تحت أمل خاطىء وهو أن الأندلسيين سيعترفون بالأمر الواقع بعد قتل أو هجرة أو استرقاق كثير من زعمائهم وبمجهود بسيط من التعليم الديني النصراني سيصبحون هم أو أبناؤهم نصارى كغيرهم. بينما عاش الأندلسيون كذلك في أمل
[ ٧٠ ]
خاطىء آخر وهو أنه يمكنهم المحافظة على الإسلام في قلوبهم سرًّا متظاهرين بالنصرانية إلى أن يأتي فرج من الله. وكان فقهاؤهم ينشرون قصصًا مؤملة تعدهم برجوع سطوة الإسلام إلى الأندلس لإنقاذهم. وكان الأندلسيون على صلة وثيقة بإخوانهم في المغرب، وكان المتطوعة في غياب مساندة دول المغرب يقطعون البحر باستمرار لمساعدة إخوانهم أو تهريبهم وإيصال المراسلات إليهم من تشجيع وفتاوى.
وهكذا أرسل مفتي وهران، أحمد بن بوجمعة المغراوي، وهو أندلسي من بلدة المغرو بمقاطعة قلعة رباح، فتوى بتاريخ غرة رجب سنة ٩١٠ هـ (١٨/ ١١ / ١٥٠٤ م) هذا نصها: " الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم فيما لقوا في ذاته، وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته، وارثو سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى التراق. نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا. بعد السلام عليكم من كتابه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد بن بوجمعة المغراوي ثم الوهراني، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلًا من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار".
" مؤكدًا عليكم في ملازمة دين الإسلام، آمرين به من بلغ من أولادكم إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم. فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى. فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع، وأن الملك الله ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. فاعبدوه، واصطبروا لعبادته. فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء. لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم. والغسل من الجنابة ولو عومًا في البحور. وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحًا بالأيدي للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء والصعيد، إلا أن يمكنكم الإشارة إليه
[ ٧١ ]
بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء، نقله ابن ناجي في شرح الرسالة لقوله ﵇:"فآتوا منه ما استطعتم"".
" وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام، أو حضور صلاتهم، فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم ومقصودكم الله. وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام.
وإن أجبروكم على شرب الخمر، فاشربوه لا بنية استعماله. وإن كلفوا عليكم خنزيرًا، فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه. وكذا إن أكرهوكم على محرّم. وإن زوجوكم بناتهم فجائز لكونهم أهل الكتاب. وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه. وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام، فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقي إن تبتم لله تعالى".
" وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا. وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك. وإن قالوا اشتموا محمدًا، فإنهم يقولون له ممد، فاشتموا ممدًا، ناوين أنه الشيطان، أو ممد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أي عبد الله مريم معبود بحق. وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراهًا، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به. هان قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل ثم فارقها قبل البناء، قاله السهيلي في تفسير المبهم من الرجال في القرآن، أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى توفي بالصلب، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وأمانته وصلبه وإنشاء ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو".
" وما يعسر عليكم فابعثوا فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به. وأنا أسأل الله أن يبدل الكره للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهرًا بحول الله من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام. ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به. ولا بد من جوابكم. والسلام عليكم جميعًا. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسعمائة، عرف الله خيره. يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى".
[ ٧٢ ]
وهكذا تظاهر المسلمون مكرهين بقبول دين النصارى، يقومون بما يجبرون عليه من الترداد إلى الكنائس وتعميد الأطفال. لكنهم ظلوا مسلمين سرًّا يقومون بشعائر الإسلام من صلاة وصيام وتحاشي المنكرات. فكانوا يغسلون أبناءهم من التعميد، ويقومون بالزواج الإسلامي بعد الزواج في الكنيسة، ويربون أبناءهم سرًّا على الإسلام. وعملوا جهدهم للتكيف مع هذا الوضع الشاذ الحرج الخطر إلى أن يأتي الله بفرج من عنده. وتحولت الكنيسة والدولة من أمل تنصير المسلمين بالتبشير إلى أمل تنصيرهم بالإكراه والعنف والقوة. وتجددت القوانين الجائرة والإجراءات الصارمة لتطبيقها بعنف. ففي سنة ١٥٠٨ م جددت لائحة ملكية منع استعمال اللباس العربي بين المورسكيين. كما أصدر الملك فراندو خمس لوائح سنة ١٥١١ م أولها بتاريخ ٢٠/ ٥ / ١٥١١ م تحدد استعمال المورسكيين لبعض الأدوات التي يمكن أن تستعمل كأسلحة، كالسكاكين وغيرها، ولائحة بتاريخ ١٠/ ٦ / ١٥١١ م تحدد ضرورة إحراق ما تبقى من الكتب العربية، وثلاثة لوائح بتاريخ ٢٠/ ٦ / ١٥١١ م حول منع ذبح الحيوانات بالطريقة الإسلامية وحول"البادرينو" و" المادرينة"أي ولي الرجل أو ولية المرأة في الشعائر النصرانية عند التعميد والزواج إلى غير ذلك، وكانت هذه القوانين تهدف إلى تحطيم الخاصية الثقافية للمورسكيين بعد إلغاء عقيدتهم الإسلامية. وبما أن هذه الإجراءات لم تطبق بالصفة المرضية للكنيسة والطاغية جددت لوائح في فبراير سنة ١٥١٢ م تؤكد منع الذبح واللباس الإسلامي كما تمنع المورسكيين من مزاولة مهنة الصرافة لمنعهم من الاتصال بالمتطوعة المغاربة الذين هم على صلة بهم. وقد صدرت قوانين أخرى مكملة في ٢٩/ ٧ / ١٥١٣ م.
وأخذ فراندو الكاثوليكي يتنكر للوعود التي قطعها على نفسه بمعاملة النصارى الجدد في موضوع الضرائب معاملته للنصارى القدامى حتى قبل سنة ١٥١٠ م حيث طبق على المورسكيين ضرائب خاصة بهم سميت ب"الفارضة" تنقسم إلى أربعة أجزاء، ثلاثة منها تسمى"بالفارضة العظمى" وتضم غرامة سنوية قدرها ٢١.٠٠٠ دوقة ذهبية، وأخرى فوق العادية قدرها ٥.٠٠٠ دوقة، وضريبة من ١٠.٠٠٠ دوقة لبناء قصر للملك في غرناطة. والفارضة الرابعة، وتسمى"الفارضة الصغرى" أو"فارضة البحر" لتمويل حراس البحر.
ومات فراندو الكاثوليكي في ٢٣/ ١ / ١٥١٦ م وهو يوصي أولاده بالقضاء على الإسلام وتحطيم بقايا الديانة المحمدية في إسبانيا، بعد أن ذاقت الأمة الأندلسية من
[ ٧٣ ]
ظلمه وغدره وتعسفه الأمرين. وكانت الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى حتفها في ٢٦/ ١١ / ١٥٠٤ م ودفنت على هضبة الحمراء، ودفن فراندو بقربها حسب وصيته. ثم نقل حفيدهما كارلوس الخامس رفاتهما إلى كنيسة غرناطة الكاتدرائية القائمة فوق مسجد غرناطة الأعظم.
لما هلك فراندو الكاثوليكي خلفه سبطه كارلوس الخامس، أولًا تحت وصاية الكاردينال سيسيزوس، ثم انفرد بالحكم بعد سنة ١٥١٩ م. وتنفس الأندلسيون الصعداء بعد موت فراندو، إذ واجههم ابنه في أول أمره بشيء من اللين وخفت حدة
محاكم التفتيش بعض الشيء.
لكن هذا الوضع لم يدم طويلًا، إذ تحولت أوضاع الأندلسيين من جديد إلى الأسوأ سنة ١٥٢٤ م، وظهر كارلوس الخامس كأكبر عدو للإسلام في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.
وفي سنة ١٥١٨ م أصدر الملك أحكامًا قاسية بحق المسلمين فأوفد الأندلسيون للملك وفدًا للشكوى من تظلمهم. فلم يأت ذلك بطائل. وصدر مرسوم جديد في ١٢/ ٣ / ١٥٢٤ م يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه وإخراج كل من أبى التنصير من إسبانيا، وأن يعاقب كل من أبى التنصير أو الهجرة في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس. فأرسل المورسكيون وفدًا إلى الملك بمجريط (التي أصبحت عاصمة إسبانيا الجديدة) يلتمسون منه من جديد حمايته وعدله ويستغيثون به. فانتقل كارلوس الخامس في يونيو عام ١٥٢٦ م إلى غرناطة وبقي فيها إلى غاية ديسمبر من نفس السنة لمتابعة الموضوع بنفسه وإيجاد حل له.
فندب الملك محكمة كبرى مكونة من النواب والقساوسة والقادة وقضاة التفتيش برئاسة"المفتش العام"لتنظر في ظلامة المورسكيين، ولتقرر فيما إذا كان تنصير المسلمين قسرًا صحيحًا وملزمًا أم لا. فإذا كان هذا التنصير صحيحًا عوقب المخالف بالموت حرقًا كمرتد. وقد قدمت المحكمة تقريرها في سبتمبر عام ١٥٢٦ م أكدت فيه أن المورسكيين هم فعلًا ضحية اعتداءات متواصلة من طرف النصارى القدامى الذين يشتمونهم في الطرقات ويستغلونهم شر استغلال ويهينونهم رجالًا ونساء دون حماية القانون. لكن المحكمة قررت كذلك أن تنصير المسلمين القسري صحيح ولا
طعن فيه. وفي ٢٩/ ٩ / ١٥٢٦ م وقع الملك على حوالي ٤٠ لائحة لتحديد تظلم
[ ٧٤ ]
المورسكيين، لكنه أصدر قانونًا بتاريخ ٧/ ١٢ / ١٥٢٦ م أعلن فيه أن جميع المورسكيين نصارى يتحتم منعهم من الخروج من إسبانيا ويجبرهم على تنصير جميع أبنائهم، وقضى على من تنكر منهم للنصرانية بالمصادرة والإعدام. كما قرر القانون تحريم التخاطب بالعربية أو الكتابة بها وتعليم الإسبانية لجميع المورسكيين الذين طلب منهم أن يتقدموا بجميع الوثائق المكتوبة بالعربية للمفتش العام. وطلب منهم اجتناب كل ما له صلة بالعقيدة الإسلامية، وأمر بهدم الحمامات، وبأن تبقى بيوت المورسكيين مفتوحة على الدوام ليرى الجميع ماذا يجري فيها، وأن تزيل المورسكيات حجابهن، الخ وكتب الملك رسالة بتاريخ ١٤/ ١٢ / ١٥٢٦ م إلى بابا روما الذي كان يحثه على الصرامة مع المورسكيين، قائلًا:"لم يكن اعتناق النصرانية من طرف المورسكيين بإرادتهم ولا عن اقتناع، ولم يعلموا عقيدة إيماننا الكاثوليكي كما يجب". وزاد أسقف غرناطة على قانون الملك تعليمات مؤرخة بـ ١٠/ ١٢ / ١٥٢٦ م حاولت تأطير المورسكيين في أقرب وقت تأطيرًا دينيًّا كاملًا لتنصيرهم. وعرض المورسكيون على الملك دفع ٩٠.٠٠٠ دوقة ذهبية في ست سنين لتخفيف هذه الإجراءات دون جدوى.
ثم التمس المورسكيون مرة أخرى من الملك الرأفة، ودفعوا له ٨٠.٠٠٠ دوقة ذهبية، فوافق على وقف تنفيذ هذه الإجراءات لمدة أربعين سنة، يحتفظ خلالها المورسكيون بلغتهم العربية وثيابهم الإسلامية وبعض التسهيلات الأخرى مقابل دفع ضريبة سنوية. وكان يجمع من هذه الضريبة أموالًا طائلة.
وهكذا توصل الموركسيون إلى نوع من التوازن مع كارلوس الخامس تأرجح فيه وضعهم بين المد والجزر رغم اضطهاد"محاكم التفتيش" المتواصل، خاصة سنة ١٥٢٩ م بغرناطة، وسنة ١٥٣٢ م حين منعت الحفلات ذات الطابع الإسلامي وأنشأت الحملات التنصيرية المتتابعة. وانتقل مركز"محاكم التفتيش" سنة ١٥٢٦ م من قرطبة إلى غرناطة. كما جمع معظم المسلمين في أحياء خاصة اسمها"موريرا" لكي لا يختلطوا بالنصارى القدامى.
وتغير هذا التوازن إلى الأسوأ بموت كارلوس الخامس وتسلم الملك ابنه فليبي الثاني سنة ١٥٥٥ م. وكان هذا الأخير متعصبًا ضعيف الشخصية أمام الرهبان.
فاغتنمت الكنيسة فترة ملكه للتشديد مرة أخرى على الأندلسيين والرجوع إلى سياسة
[ ٧٥ ]
الاضطهاد المتواصل. وشجع الملك على تطرفه هذا خوفه من قوة الدولة العثمانية الصاعدة وعلاقات الأندلسيين بها.
ابتدأ فليبي الثاني ضغطه على المورسكيين سنة ١٥٦٠ م بمنعهم من اقتناء العبيد والرقيق السود، وسبب ذلك أن هذه الطبقة كانت في أغلبها مسلمة وكان الهدف من هذا القرار منعهم من التأثر بالتعاليم الإسلامية. فالتمس المورسكيون من الملك الرجوع عن هذا القرار، لكنه رفض الاستجابة لمطالبهم نهائيًّا سنة ١٥٦٣ م.
وفي ١٤/ ٥ / ١٥٦٣ م أصدر الملك قرارًا بمنع المورسكيين من امتلاك الأسلحة أو حملها، وفرض عليهم تسليم أسلحتهم في مدة أقصاها خمسون يومًا من تاريخه. وحدد المرسوم عقوبة المخالفين بالأشغال الشاقة لمدة ست سنوات. ولم يستثن القرار أحدًا إلا بأمر وختم من الحاكم العام. وطبق القرار بغاية الشدة والحزم، فأصبح المورسكيون أكثر عرضة لكل معتد وظالم. فسلم بعض
المورسكيين أسلحتهم لكن الغالبية العظمى رفضت تسليمها وأخفتها. فأصدرت الحكومة سنة ١٥٦٤ م مرسومًا يلغي حصانة المورسكيين المقيمين في أراضي النبلاء ويحدد حصانة من يقيم منهم في الأديرة والكنائس بثلاثة أيام. فازدادت شراسة محاكم التفتيش وتتبعها للمسلمين.
ابتدأ الضغط الكبير في مايو سنة ١٥٦٦ م بعد مضي أربعين سنة من صدور قانون كارلوس الخامس، حين أراد فليبي الثاني العودة إلى تطبيقه بكل صرامة. قضى هذا القانون المجدد بمنح المورسكيين ثلاث سنين لتعلم اللغة الإسبانية يمنع بعدها التكلم بالعربية وتلغى كل العقود المكتوبة بالعربية. وقضى القانون بتسليم ما تبقى من الكتب العربية في ظرف ثلاثين يومًا، ومنع خياطة أثواب عربية جديدة، وألا يخاط من الثياب الحريرية لمدة عام واحد، والصوفية لمدة عامين، على أن يمنع استعمالها بعد ذلك. ومنع القانون المورسكيات من التحجب وأجبرهن على التزيي بلباس النصرانيات. ومنع القانون إجراء أية شعائر إسلامية وأجبر المورسكيين على أن تكون كل حفلاتهم مطابقة للتعاليم الكنسية وأن تظل بيوتهم مفتوحة في الحفلات وأيام الأعياد والجمع. ومنع القانون الغناء والرقص العربي واستعمال آلات الطرب العربية والتخضب بالحناء والاستحمام، وأمر بهدم الحمامات. وحرم القانون على المورسكيين استعمال الأسماء العربية واقتناء العبيد. وفرض القانون على المخالفين أقصى العقوبات من السجن والنفي والتعذيب والمصادرة والإعدام حرقًا.
[ ٧٦ ]
أمر الملك رئيس المجلس الملكي، ديسا، بإذاعة هذا القانون الغاشم في ١/ ١ / ١٥٦٧ في غرناطة وأحيائها وجميع أنحاء المملكة الإسلامية القديمة. وتولى إذاعته موكب من قضاة"محاكم التفتيش"تتبعهم الطبول والزمور. وبدأ تطبيق القانون بكل صرامة. فهدمت الحمامات وملئت السجون وتناثرت الجثث في شوارع غرناطة وقراها ونشطت"محاكم التفتيش". ولم تفد المورسكيين أية شفاعة، فوصلوا إلى حالة من اليأس الكامل أدت إلى ثورة عارمة جمعت فيها الأمة الأندلسية ما تبقى من قواها، وكادت تنتصر لولا خذلان العالم الإسلامي مرة أخرى.
وقبل أن نتطرق إلى تفاصيل ثورة غرناطة العظمى لنر وضع المدجنين خارج
مملكة غرناطة وما آلوا إليه في ممالك البرتغال وقشتالة وأراغون إلى سنة ١٥٦٧ م.