ابتدأت الاصطدامات بين الأندلسيين والقشتاليين قبل إعلان الثورة. ففي ٢٣/ ١٢ / ١٥٦٨ م، خرجت كوكبة من حراس محكمة غرناطة وكتبتها لقرية بقيرة بالبشرات لقضاء أعياد رأس السنة يصحبهم خمسون جنديًّا مسلحين بالبنادق، فاتجهوا من مرسى مطريل إلى حصن هريرا لحمايته. كانت عادة الجنود الإسبان عند مرورهم بالقرى الأندلسية القيام باعتداءات لا حصر لها من سلب وقتل واغتصاب. فعندما نزلوا قرب بلدة قديار وأخذوا يعتدون على أهلها، هاجمتهم مجموعة من المنفيين برئاسة استبان البرطال، فأبادتهم واستولت على أسلحتهم، فكانت هذه المعركة هي الشرارة الأولى التي أعلنت الثورة.
وفي ليلة ٢٣ ديسمبر غادر خفية السلطان محمد بن أمية غرناطة متجهًا إلى البشرات. وفي نفس الليلة أخبر شخص أحد القسس بأنه يعمل بالحمراء وأنه أعطى بعض المسلمين معلومات عن مقاييس سلالمها. فأبلغ القسيس فورًا الرئيس ديسا والقائد العام دي مندوجر اللذان زادا في عدد الدوريات والحرس. ولم تستمر الثورة على مخططها الأول إذ هطلت ثلوج غزيرة على جبال شلير فقطعت الطريق إلى غرناطة، فلم يتمكن الثوار من الوصول إلى غرناطة من البشرات في التاريخ المحدد، أي في ٢٤/ ١٢ / ١٥٦٨ م. لكن بيلرباي الجزائر، علج علي، أرسل حسب الموعد إمدادات نزلت للمجاهدين في جهتي المرية ومربلة، ووصلت إلى أماكنها في جبال
البشرات.
ولم يحسب فرج بن فرج للثلج حسابًا. فتحرك من البشرات على رأس ١٨٠ مجاهد، ونفذ إلى حي البيازين ليلًا، وحاول إقناع أهله بالثورة وتنفيذ الخطة التي اتفق عليها ووعد بوصول الرجال. غير أن أهل البيازين رفضوا نصرته عندما رأوا قلة أعداد المجاهدين الذين معه. واضطر فرج بن فرج، بعد محاولات يائسة طول الليل،
[ ٩٨ ]
الرجوع إلى البشرات وانضمت إليه جموع المجاهدين. وكان خذلان أهل حاضرة غرناطة للثورة أول نكسة لها. لكنها لم تفت في عزيمة المجاهدين الذين ركزوا عملياتهم بعد ذلك على جبال البشرات.
وتوجه محمد بن أمية إلى وادي الإقليم حيث جددت بيعته يوم ٢٩/ ١٢ / ١٥٦٨ م ملكًا للأندلس ورئيسًا للثورة في بلدة برذنار. فأعاد تعيين عمه رئيس للجيش وفرج بن فرج رئيسًا للوزراء. وأرسل الوفود لكل طاعات (محافظات) البشرات الاثنى عشر، فبايعته جميعها. ثم توجه محمد بن أمية إلى البشرات، واستقر في لوشر حيث اتخذ عاصمته الموقتة. ولم تدخل سنة ١٥٦٩ م حتى احتل المجاهدون جميع جبال البشرات ووادي الإقليم بعد طرد الحاميات القشتالية والإرساليات النصرانية أو القضاء عليها.
وأخذ السلطان محمد بن أمية في تعيين قواد المناطق ومستشاريه العسكريين.
فعين شعبان ميكيل دي غرناطة قائدًا لوادي الإقليم، وماركوس الزمار قائدًا لمنطقة قولجر، وماتيو الرامي قائدًا لمنطقة المرية، وفراندو الغري قائدًا لوادي المنصورة، وفرانسسكو بوركرير بن مكنون قائدًا للمنطقة الشرقية، وجرنيمو بن المليح قائدًا لمنطقة وادي آش، ومارتين قائد قائدًا لمنطقة عذرة، الخ واختار ثلاثة من المجاهدين مستشارين عسكريين له، هم الناقص والرنداتي والأرشذوني. ومنذ بداية الثورة، أخذ فرج بن فرج يقوم بعمليات انفرادية بين شواطىء بيرة شرق شمال المرية وجبل طارق دون تنسيق مع القيادة، فأزاحه محمد بن أمية وعين مكانه عمه ابن جهور. وكان في انسحاب هذا القائد الفذ من الثورة في أولها نكسة ثانية لها، ولكنها مرت بسلام ودون انشقاق في صفوف المجاهدين. وتابع فرج بن فرج جهاده دون رئاسة مما يدل على إخلاصه وحسن طويته.
أخذ ابن أمية يدعو المجاهدين والأهالي للرجوع إلى الأصالة الإسلامية، ونبذ الألقاب والأسماء النصرانية المفروضة، وإعادة الألقاب والأسماء الإسلامية، والاهتمام بالصلوات الخمس وبإحياء المساجد. ووقعت نقمة الثوار على الكنيسة وممثليها من قسس ورهبان وعلى موظفي الحكومة الذين أذاقوا المسلمين شر العذاب. فانقض عليهم الثوار ومزقوهم شر تمزيق، وقتلوا القسس وقضاة محاكم التفتيش وعمال الحكومة. وعمل محمد بن أمية على منع المجاهدين من الانتقام وقتل الأبرياء.
[ ٩٩ ]
ثم أرسل ابن أمية البعثات للعالم الإسلامي يطلب العون والمساندة. فأرسل أخاه عبد الله بن أمية إلى الجزائر، وفراندو الحبقي إلى المغرب. وصادر أموال الكنائس وقدمها غنيمة لمصاريف الجهاد.
جاء رد فعل الدولة الإسبانية في فوضى ناتجة عن نزاع قواد الجيش، وإطلاق العنان للجنود والأهالي النصارى للانتقام من المسلمين العزل الذين يقعون في يدهم، من أطفال ونساء، لنهبهم وقتلهم وتشريدهم بكل شراسة. وكان بين الرئيس ديسا والماركيز دي مندوجر، القائد العام للجيش، عداوة ثابتة. كان ديسا وأعوانه يشتكون للملك بمندوجر، ويتهمونه بشتى التهم، فعمد، نكاية في مندوجر، إلى إجراءين: أولهما تأليف حرس وطني تحت رئاسة أحد ضباط البلدية الذين ينتمون إلى عائلة معادية لعائلة مندوجر؛ ثانيهما إرسال كتاب إلى الملك يطلب منه فيه تكليف ماركيز بلش، قائد منطقة مرسية، بمهاجمة البشرات من المنطقة الشرقية، وينتمي هذا الماركيز هو كذلك إلى عائلة معادية لعائلة مندوجر. وهكذا تكون جيشان معاديان: أحدهما تحت قيادة دي مندوجر لينطلق من غرناطة في اتجاه البشرات شرقًا؛ والثاني تحت قيادة ماركيز بلش لينطلق من مرسية في اتجاه البشرات غربًا. فانطلق الجيش الثاني في ٤/ ١ / ١٥٦٩ م ومر على المرية ثم وصل إلى سفح جبال البشرات، فقطع الصلة بين ثوار وادي المنصورة ومناطق ولاية المرية الأخرى وثوار البشرات. وفي ١١/ ١ / ١٥٦٩ م تلقى ماركيز بلش أمر الملك بتعيينه قائدًا عامًّا فوق العادة لمنطقة المرية.
وخرج جيش مندوجر من غرناطة بتاريخ ٢/ ١ / ١٥٦٩ م يصحبه عدد من القواد من أصل إسلامي كلويس دي قرطبة وألونسو دي غرناطة بنيغش. وطلب الملك مساعدات لإنهاء الثورة من الممالك النصرانية خاصة لومبارديا ونابل وصقلية.
اتجه مندوجر بجيشه نحو وادي الإقليم وعسكر في البذول. فواجهه المسلمون برئاسة شعبان في وادي الإقليم. وفي ٤/ ١ / ١٥٦٩ م وجه نحوه السلطان محمد بن أمية جيشًا برئاسة "شابَّا"، عسكر في بقيرة ومنها أخذ يهاجم طلائع جيش الماركيز مندوجر في دورقال. وفي ٩/ ١ / ١٥٦٩ م زحف جيش مندوجر إلى جسر طبلاتة الذي دمره الثوار المسلمون احتياطًا. فوقعت أول معركة كبرى بين المسلمين وجيش مندوجر عند هذا الجسر، نجح بعدها القشتاليون في عبور الجسر ومتابعة تقدمهم نحو لانجرون، ثم أرجبة، ثم بقيرة حيث تمركز جيش الثوار برئاسة السلطان محمد بن أمية في حاضرتها بوبين. وهناك جرت المعركة الثانية بين الثوار وجيش مندوجر اضطر
[ ١٠٠ ]
بعدها محمد بن أمية إلى الانسحاب، فقام الجيش الإسباني بجرائم لا تخطر على بال من قتل وسبي العزل من النساء والأطفال ونهب الممتلكات.
وفي ١٧/ ١ / ١٥٦٩ م وصل جيش مندوجر إلى بلدة جبيلش، فاستسلمت قلعتها، وكان بها حوالي ٣٠٠ مجاهد، وتقول الروايات إن صهر (والد زوجة) محمد بن أمية أخذ يفاوض مندوجر على الاستسلام مقابل ضمانات كافة له ولأتباعه، كما تتهم الروايات ابن جهور بالضعف وبأنه عرض على مندوجر في جبيلش الاستسلام مقابل العفو عنه وعن أتباعه. ولم يستطع مندوجر البت في الأمر قبل مراجعة الملك.
وفي ليلة ١٨/ ١ / ١٥٦٩ م سجن الماركيز دي مندوجر داخل كنيسة جبيلش وحولها جميع الأهالي المسلمين الذين وجدهم في البلدة، وعددهم حوالي ٢٤٠٠ طفل وامرأة و٣٠٠ رجل مسن. وفي الليل، انقض عليهم النصارى قتلًا حتى أتوا عليهم جميعًا. فكانت مذبحة مروعة دامت حتى الصباح، وفتحت سجلًا جديدًا من المذابح التي سيتعرض لها المسلمون في هذه الحرب. وعند وصول هذه الأخبار إلى الملك، أرسل فرانسيسكو دي قرطبة إلى المرية بصفته قائدًا عامًّا، وأرسل دييكو دي مندوسة للاطلاع على الأوضاع في جبيلش.
وترك مندوجر جبيلش بجيشه يوم ٢٣/ ١ / ١٥٦٩ م مطاردًا الثوار في بسيط أجيجر. وكان محمد بن أمية معسكرًا بجيشه في أندرش. فطلب مندوجر من ألونسو دي غرناطة بنيغش، وهو من أصل إسلامي، التوسط لدى محمد بن أمية ليستسلم ويسلم أسلحته مقابل العفو العام على جميع الثوار، وفي نفس الوقت تابع مندوجر تحرشاته بالمجاهدين إذ اشتبك معهم قرب بطرنة يوم ٢٧/ ١ / ١٥٦٩ م. ثم احتل الجيش القشتالي بطرنة واعتقل مئات من المسلمات بما فيهن والدة محمد بن أمية وشقيقتاه، وتابع الجيش سيره إلى أن احتل أندرش، ناشرًا النهب والرقة والخراب والموت في طريقه.
ثم رجع جيش مندوجر إلى أجيجير وبقي بها خمسة أيام يجهز حملته على مناطق شلوبانية والمنكب وجبل واجر للقضاء على قوة من المجاهدين أعلاه تحت قيادة الزمار. ففي يوم ١١/ ٢ / ١٥٦٩ م قام جيش مندوجر بثلاث هجمات لاحتلال ذلك الجبل الوعر، فقاومه المجاهدون في قلعة واجرش إلى أن هزموا، وقبض الإسبان على القائد الزمار وابنته واقتادوه إلى غرناطة وقتلوه ومثلوا به شر تمثيل بعد
[ ١٠١ ]
أن عذبوه شر عذاب. وقتل جنود مندوجر كل من وقع بأيديهم من أهل المجاهدين، نساء وأطفالًا وشيوخًا، وانتشروا في البلدة يسرقون وينهبون.
واعتقد مندوجر أن القضاء على الثورة أصبح وشيكًا وأراد القبض على محمد بن أمية. فلاحقه بجيشه على رؤوس الجبال، وقد علم من جواسيسه أن ابن أمية يقضي الليل في بيت محمد بن عبو في بلدة مشينة. فهجم الجيش على بيت ابن عبو، لكن ابن أمية تمكن من الإفلات.
وكان فراندو الغرمي، قائد المجاهدين في الجبهة الشرقية، قد عسكر في بلدة جسيقة على وادي أندرش. فتوجه جيش الماركيز دي بلش على رأس جيش قوامه خمسة آلاف رجل وثلاثمائة فارس، وصفهم المؤرخون الإسبان أنهم كانوا جميعًا لصوصًا وقتلة، لا يهمهم إلا السلب والنهب وإزهاق أرواح العزل. فوصل الجيش إلى جسيقة يوم ١٢/ ١ / ١٥٦٩ م واشتبك في أكبر معركة له مع المجاهدين، اضطر فيها الثوار إلى الانسحاب إلى أندرش. فلحقهم الجيش، لكن فرقة من المجاهدين اتجهت نحو المرية بقيادة ابن مكنون، واستقرت بضواحيها في بلدة فليش. فتحول نحوها جيش دي بلش خوفًا على سقوط المرية في يد المسلمين. فاشتبك الجيش مع فرقة ابن مكنون في ١٨/ ١ / ١٥٦٩ م وأرغمها على الانسحاب بعد أن استبسلت في الدفاع على الحصن في معركة شارك فيها النساء والأطفال. وقد قتل جيش دي بلش في هذه المعركة عدة آلاف من المسلمين وأسر نحو ٢.٠٠٠ من النساء والأطفال وباعهم كعبيد، من بينهم ابن وأختان للقائد ابن مكنون. ثم اتجه الجيش نحو أندرش وأوهانش.
هكذا كان وضع الثورة الأندلسية في أواخر شهر فبراير عام ١٥٦٩ م: حرب غير متكافئة، لا هوادة فيها، يدافع فيها المسلمون بأسلحة بالية دون تدريب عسكري مسبق ضد جيشين كبيرين لأقوى دولة آنذاك في أوروبا. وللتغلب على حرب العصابات التي مهر فيها المسلمون عمل جيش النصارى على قتل عائلاتهم من نساء وأطفال وسبيهم وبيعهم رقيقًا في الأسواق. ولم ينج المسلمون الذين رفضوا الانضمام إلى الثورة، كأهل غرناطة، من هذه المعاملة، إذ تابعهم النصارى بمضايقات لا حدود لها كانت أفظعها مذبحة سجن غرناطة.
في مارس عام ١٥٦٩ م انتشرت إشاعات مفادها أن ابن أمية سيحتل غرناطة على رأس قوة من المجاهدين. فهجم حرس السجن في ١٧/ ٣ / ١٥٦٩ م على
[ ١٠٢ ]
السجناء يذبحونهم دون سابق إنذار، ثم فتحوا أبواب السجن لعامة النصارى، ومضوا الليل جميعًا قتلًا في المسلمين العزل حتى أتوا على ما لا يقل عن ١٥٠ سجينًا من أعيان غرناطة الذين احتفظ بهم الإسبان رهائن للضغط على المجاهدين. ولم ينج من هذه المذبحة الشنيعة سوى والد محمد بن أمية أنطونيو دي بالور وأخيه فرنسسكو. ثم بعد هذه المذبحة قامت محاكم التفتيش بالحكم على القتلى بمصادرة أموالهم.
ولما علم أهل مملكة غرناطة بهذه الجريمة، ثاروا في عدة مدن، كطرش وعذرة، ضد الجيش وقتلوا عددًا من الجنود والضباط. بينما قضى جيشا دي مندوجر ودي بلش معظم شهر مارس في القتل والسلب والنهب، وشتتا المجاهدين على أعالي الجبال بعد أن كبدوا النصارى خسائر كبيرة في الأرواح. وكان مصير من استسلم من المجاهدين الاسترقاق. غير أن شراسة النصارى ضد المسلمين، المسالمين منهم والمحاربين، أدت بالمسلمين إلى تفضيل الموت في معركة الدفاع عن الدين والشرف على الموت دون سبب، مما أذكى روح الجهاد من جديد.
ولم يلتحق بالمجاهدين من الدول الإسلامية إلا بعض المتطوعة المغاربة والجزائريين والأتراك، وقليل من المال والعتاد من الجزائر. وهذا نص رسالة جوابية من السلطان سليم للمجاهدين الأندلسيين في هذه الفترة: "مهمة دفتري رقم ١٤ حكم رقم ٢٣١ بتاريخ ٢٤ شوال عام ٩٧٧ هـ موافق ٢٠/ ١ / ١٥٦٩ م، أعطي إلى خليل جاوخي في ١٠ ذي القعدة. حكم إلى أهالي الأندلس".
"وصل إلى أستانة سعادتنا عرض حالكم الذي جاء فيه أن الكفارة، دمرهم الله وأضلهم، قد سلبوكم أسلحتكم ومنعوكم من التحدث بالعربية، وأنهم يتعرضون لنسائكم ويمارسون كل أنواع الظلم والتعدي عليكم. وتعلمون أنه يوجد حاليًّا لديكم عشرون ألف رجل مسلم كما أن هناك مائة ألف رجل قادر على حمل السلاح. وعلمنا باستلامكم مقدارًا من السلاح من الجزائر، وأن ذلك قد ربط على قلوبكم، وتمكنتم بذلك من تكبيد الكفار العديد من الخسائر. فالحمد لله على نصر أهل الإسلام، وليكتب لهم الفوز الدائم على الكفار، أضلهم الله. وقد عرض بالتفصيل كل ما جاء في عرض حالكم من تحريرات وتقريرات على سرير سعادتنا، وأحاط علمي الشريف الملوكي وشمل كل ما يتعلق بأحوالكم وأخباركم، وأن أنظاري منصرفة دائمًا نحوكم".
[ ١٠٣ ]
"ولكن كفرة جزيرة قبرص القريبة من ممالكي المحروسة، والتي كانت على العهد والأمان منذ زمان أجدادي العظام، أنار الله براهينهم، نقضوا تلك العهود وأخذوا بالتعدي على التجار وأهل الإسلام والمسافرين بحرًا لطواف بيت الله الحرام وزيارة تربة حضرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام بخلوص النية وصفاء الطوية. وبذلك فإنهم مصرون على العصيان والطغيان. لذا بعد التوكل والاعتماد على علو عناية الحق ﷾ والتوسل والإسناد إلى المعجزات كثيرة البركات لفخر الموجودات صلوات الله عليه وسلامه. وكذلك بالاستمداد بالأرواح الطاهرة لسائر الصحابة الكرام، عليهم رضوان الله تعالى أجمعين، فقد استقرت نيتنا الملوكية على فتح وتسخير الجزيرة المزمورة في الربيع الآخر القادم. ونضرع إلى عتبة حضرة الحق جل وعلا أن ييسر لنا فتح وتسخير تلك الجزيرة وأن يبسط أيدينا عليها حتى تؤهل بأهل الإسلام، كما كانت عليه، وكي تقام فيها شعائر الشرع الشريف، وحتى يأمن التجار في غدوهم ورواحهم، وينصرفوا للدعاء بثبات ومجد ورفعة الدولة".
"وبما أن الوضع على هذا الحال، فإن إرسال الأسطول الهمايوني المظفر لحمايتكم سيتأخر ريثما يتم إيصال المراكب للعساكر المنصورة للجزيرة المزبورة.
وسيتم ذلك أثر إنهاء الأسطول لمهمته بعناية الحق. وقد أرسل أمري الهمايوني المؤكد إلى أمير أمراء الجزائر الذي تتجه أنظاره وأفئدته نحوكم لإرسال النجدة والمعونة لكم، إما بإرسال العساكر المظفرة أو بإرسال العدة والعتاد، وبموجب أمري الشريف فإن أمير أمراء الجزائر سيكون خير معين وظهير لكم".
"كما أننا نتوخى من خلال حميتكم الإسلامية المتأصلة في حلبتكم عدم التراخي عن إظهار غيرتكم على الدين المتين، فلتظهروا أنواع أخدامكم وأصناف اهتمامكم في الحرب والقتال والجدال ضد الكفار الأذلاء. والمأمول ألا يضن علماء وصلحاء وسائر أهل الإسلام في تلك الديار بالدعاء ليل نهار بتيسير الفتح والنصر للغزوة المظفرة. ولا تتوانوا عن إعلامنا باستمرار عن أحوال وأوضاع تلك الديار".