وصلت الكنيسة والدولة في إسبانيا إلى اليأس التام من تنصير المسلمين، قبل أن ييأس الأندلسيون من تخليص أنفسهم من الاستعباد النصراني القشتالي الذي وقعوا فيه، ومن مساندة إخوانهم المسلمين من وراء البحار. فبعد إرغام الأندلسيين على التنصير، وحرق كتبهم، ومسخ ثقافتهم، ومصادرة أموالهم، واستعباد أبنائهم ونسائهم، وقتل رجالهم، وقمع ثوراتهم، ومتابعتهم لأتفه الأسباب، ومنعهم من لغتهم العربية وعاداتهم وأسمائهم، ومتابعة تشريدهم وتشتيتهم، وحرق زعمائهم، ثم خذلان الدول الإسلامية عبر البحار لهم، لم تصل الكنيسة الكاثوليكية ولا الدولة الإسبانية إلى النتيجة المبتغاة منهم. فانهزمت الكنيسة أمام تصميمهم على الثبات على الإسلام، وارتعبت الدولة منهم على ضعفهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس كلما اكتشفت أو تخيلت مؤامرة ضدها من طرفهم.
اطمأنت الدولة الإسبانية من وقوع ثورات جديدة في مملكة غرناطة بعد أن طردت عددًا كبيرًا من الغرناطيين سنة ١٥٧٠ م وشتتتهم على أنحاء قشتالة، فوجهت اهتمامها إلى مسلمي مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، تهدد تجمعاتهم بالطرد
[ ١٤٦ ]
والتشتيت. وعندما رأى رجال الدولة والكنيسة، بعد بضع سنين من نفي الغرناطيين، أن ذلك النفي لم يؤد إلى نتيجة، بل ساعد المسلمين في مناطق أخرى على التشبث بالإسلام وقوى عزمهم على المقاومة، استنتجوا استحالة إخلاص الأندلسيين للنصرانية وأخذوا يفكرون في عدة اقتراحات لحل مشكلة المورسكيين حلًاّ جذريًّا. وانقسمت الاقتراحات إلى ثلاثة حلول: جمع المورسكيين في أحياء خاصة بهم؛ أو إفناؤهم جميعًا؛ أو طردهم خارج إسبانيا.
أما الحل الأول، فقد اقترحه سنة ١٥٨٢ م الراهب فرانسسكو دي رباس، إذ اقترح أن يخير المورسكيون بين النصرانية والإسلام. فالذين يختارون النصرانية والاندماج في المجتمع النصراني، تتابع حراستهم ومراقبتهم من طرف النصارى القدامى. والذين يختارون الإسلام، يجمعون في أحياء خاصة بهم، ويسمح لهم باتباع دينهم، وبهذا ينتهي الجدال حول عقيدتهم وغموض وضعيتهم. وتراقب الأحياء الإسلامية بعدد من الجنود النصارى يمولون من طرف المسلمين، ويكون قضاتهم من النصارى. وفي سنة ١٥٨٨ م، أرسل ألونسو كوتييرس من إشبيلية اقتراحًا شبيهًا بالأول. فهو يقترح تجميع كل مائتي عائلة موريسكية في تجمع سكني خاص بها تحت مراقبة متواصلة لنصراني موثوق به. ولا يقومون بشيء من شعائرهم الدينية، ولا يتزوجون إلا بإذنه، وينزع منهم السلاح، وتضاعف عليهم الضرائب، ويؤخذ منهم خمس الميراث، ويعاقبون عقوبات شديدة في حالة المخالفة، تتراوح بين الاستعباد والمصادرة والأعمال الشاقة في السفن والمناجم، ويمنعون من التنقل دون علامة واضحة على وجوههم تبين أنهم مسلمين.
أما الحل الثاني، فقد اقترحه سنة ١٥٧٣ م الراهب تريخوس الذي كان من أب نصراني وأم مورسكية، وحمته عائلة أمه من القتل إبان ثورة غرناطة الكبرى. وقد قدم خطة للقضاء على المورسكيين باختطاف كل الأطفال الذين لا تتعدى أعمارهم ست سنوات وتسليمهم للنصارى القدامى لتربيتهم على دين النصرانية، ومنعهم من الزواج حتى لا يتناسلوا، وبهذا ينقرضون مع الأيام. واقترح المطران ربيرا القضاء على المورسكيين بالاسترقاق، وأخذ كل سنة بضعة آلاف رجل منهم للعمل في السفن والمناجم حتى يتم إفناؤهم. واقترح بعض وزراء فليبي الثاني جمع كل المورسكيين وحملهم على السفن ثم إغراقهم في عرض البحر. واقترح مارتين دي سالبتيرة، أسقف سقوربة بمملكة بلنسية، إخصاء كل الذكور المورسكيين، كبارًا وصغارًا، وبهذا
[ ١٤٧ ]
ينقرضون بسرعة. واقترح ألونسو كوتييرس، السابق الذكر، نفس الحل، ولكن فقط لتحديد نسلهم، وليس للقضاء عليهم جميعًا. واقترح أحدهم قتل المورسكيين دفعة واحدة، أو قتل البالغين منهم واسترقاق الباقين وبيعهم. وفي سنة ١٥٨١ م اقترح بدرو بونسي دي ليون، الذي قضى عشرين عامًا في خدمة الملك، إرسال شباب المورسكيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٤٠ سنة للعمل في السفن، وبإبعاد الشباب عن المجتمع المورسكي يقل نسلهم وينقرضون مع الوقت، لأن الذين تتجاوز أعمارهم الأربعين تكون خصوبتهم محدودة.
أما الحل الثالث، فهو الذي كان له أكثر المساندين من بين رجال الدولة والكنيسة. ابتدأت فكرته تتبلور منذ اجتماعات الأشبونة التي حضرها فليبي الثاني، ملك إسبانيا، لتنصيبه ملكًا على البرتغال كذلك بعد هزيمتها في وادي المخازن. ففي ٤/ ١٢ / ١٥٨١ م كون الملك لجنة لدراسة وضع الدولة الداخلي والخارجي الناتج عن "الخطر المورسكي"، فدرست الحلول المقترحة. وعقدت اللجنة اجتماعين آخرين في ١٩/ ٦ / ١٥٨٢ م و١٣/ ٩ / ١٥٨٢ م، توصلت فيهما إلى قرار توصية الملك بطرد جميع المورسكيين خارج إسبانيا. وقدمت اللجنة التوصية لمجلس الدولة (الكورتس) بتاريخ ١٩/ ٩ / ١٥٨٢ م. وتعاطف الملك مع هذه التوصية من أول وهلة إذ، منذ سبتمبر عام ١٥٨٢ م، أخذ يتصل سرًّا بكبار نبلاء الإقطاع في مملكة بلنسية لإقناعهم
بفائدة إخراج المورسكيين.
وتدارس مجلس الدولة محاسن ومساوىء طرد المورسكيين. فرأى أعضاؤه أن معظم المساوىء اقتصادية بسبب انخفاض دخل الملك والنبلاء إذا طرد المورسكيون، وسياسية بسبب احتمال حدوث اضطرابات عند إخراجهم، ودينية بسبب خسارة أرواح المورسكيين نهائيًّا للدين النصراني، ورأى أعضاء المجلس أن كل هذه المساوىء لا تساوي المحاسن التي تترتب عن هذا الطرد، وهي أن يعم السلام البلاد وأن تتوحد دينيًّا. لذا أجمع رجال الكنيسة على الموافقة على الطرد، بما فيهم أسقف طليطلة وأسقف بلنسية وقضاة التفتيش بهما. واقترح أسقف سقوربة طردهم إلى جزيرة جرداء كالأرض الجديدة (التابعة لكندا اليوم) حتى لا يزيدوا من قوة المسلمين إذا طردوا إلى أرضهم.
وبقيت فكرة الطرد بين المد والجزر، وقد اقتنع بها الملك ولكن تهيب من تنفيذها خوفًا من معارضة نبلاء مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، أمثال ماركيز دانية،
[ ١٤٨ ]
وانتظارًا لتوفير المصاريف الهائلة الضرورية لمثل هذا الطرد الجماعي، وكذلك لعدم موافقة الأوضاع الدولية. وحاصر كبار الدولة الملك بالرسائل التي تحرضه على الإسراع بطرد المورسكيين، كالرسالة التي توصل بها من طليطلة سنة ١٥٨٤ م التي يقترح فيها كاتبها على الملك إخراج المورسكيين من طليطلة لتحصينها وإحلال النصارى مكانهم.
ولما تيقن الملك فليبي الثاني أن معظم الأهالي النصارى يساندون فكرة طرد المورسكيين، وأن الكنيسة تكاد تكون مجمعة عليه، وأن من السادة من اقتنع به ومعظمهم لن يعارضه، أصدر أمرًا ملكيًّا بتاريخ ١٨/ ١ / ١٥٨٥ م بطرد جميع المورسكيين في ظرف شهرين، والحكم بالإعدام شنقًا لكل متخلف منهم. واستثنى الأمر أطفال المسلمين من الطرد وقرر أخذهم من آبائهم وتسليمهم للكنيسة لتنشئهم على الدين النصراني. ورغم أن مجلس الدولة أوصى بتطبيق هذا الأمر في شتاء السنة نفسها، فقد تردد الملك في تنفيذه، وبقي الوضع معلقًا. وعادت الكنيسة إلى أمل
تنصير المورسكيين. ففي ١٧/ ٩ / ١٥٨٧ م أصدر مجلس الدولة بمجريط توصية بإجراء حملة تنصير جديدة بين المورسكيين، رغم عدم اقتناعه بجدواها. وظل الوضع هكذا إلى أن مات فليبي الثاني في سنة ١٥٩٨ م.
وخلف فليبي الثاني على عرش إسبانيا ولده فليبي الثالث (١٥٩٨ - ١٦٢١ م)،
الذي كان يختلف عن سلفه اختلافًا كبيرًا. فبينما كان فليبي الثاني قوي الشخصية، كامل الاستبداد، كان فليبي الثالث منعدم الشخصية، تام المسالمة، فأصبح ألعوبة في يد الرهبان، وتحت نفوذ وزيره، دوق دي ليرما. وكانت الملكة مرغريتة النمساوية من طينته، ضعفًا وتعصبًا. وعند تولية فليبي الثالث، دخلت إسبانيا مرحلة سلام في علاقاتها الدولية بعد أن عقدت معاهدة مع فرنسا سنة ١٥٩٨ م. كما اقتنع حينذاك نبلاء مملكتي بلنسية وأراغون القديمة بإمكانية استبدال عمالهم المسلمين بمهاجرين نصارى من فرنسا.
وفي ٣٠/ ١ / ١٥٩٩ م عقد مجلس الدولة اجتماعًا بحث فيه موضوع طرد المورسكيين، وأوصى هذه المرة بطرد الرجال الذين تزيد أعمارهم عن الستين سنة، والنساء، إلى شمال إفريقيا. أما الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٦٠ سنة، فيحكم عليهم بالأشغال الشاقة فوق السفن مدى الحياة كعبيد، وبمصادرة جميع
[ ١٤٩ ]
أملاكهم، ويسلم الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٥ سنة للكنيسة لتنشئهم على الديانة النصرانية.
وفي ٢/ ٢ / ١٥٩٩ م تقدم الوزير الدوق دي ليرما لمجلس الدولة بمشروع للخلاص من المورسكيين، قال فيه إن المورسكيين الآن مسلمون كما كانوا وسيظلون. وأوصى بإعدام كل من هم بين الخامسة عشرة والستين من العمر منهم، أو استعبادهم أو إرسالهم للعمل فوق السفن مع مصادرة أملاكهم. وأوصى الوزير بإرسال الرجال الذين جاوز عمرهم الستين، والنساء، إلى شمال إفريقيا، وتسليم الأطفال للكنيسة ليتعلموا الدين النصراني. وتابع مجلس الدولة دراسة الموضوع طوال سنة ١٥٩٩ م في سرية تامة مخافة ثورة المورسكيين، واقترح تهيىء قوة عسكرية كبيرة للإشراف على الطرد، وإحصاء جميع المورسكيين الموجودين في ممالك إسبانيا.
وفي عام ١٥٩٩ م، اجتمع مجلس مملكة بلنسية الإقليمي بحضور أسقفها وأسقف إسبانيا، الكاردينال كاسبار دي قرطبة، وكبار رجال الكنيسة، ودرس مرة أخيرة طرق تنصير المورسكيين، وفي نفس السنة تزوج الملك فليبي الثالث بمرغرينة النمساوية عند صديقه دوق دانية، في مملكة بلنسية، حيث درس وضع المورسكيين عن كثب. وبعد زيارته، كتب رسالة بتاريخ ٢٣/ ٥ / ١٥٩٩ م إلى الكاردينال خوان دي ربيرا، أسقف بلنسية، يأمره فيها بالعمل من جديد على تنصير المورسكيين، وتعيين قساوسة جدد، وتدريب الوعاظ، وطبع الكتب لتعليم العقيدة النصرانية، وتأسيس مدرسة للراهبات المورسكيات لتعملن في الأديرة وبيوت النصارى القدامى. وهذا الأمر يدل على أن الملك لم يكن حينذاك يفكر جديًّا في طرد المورسكيين. ولكن أسقف بلنسية كان يعتقد استحالة تنصير المورسكيين، ويساند قرار مجلس الدولة بتاريخ ٣٠/ ١ / ١٥٩٩ م بطردهم.
وفي ١٩/ ٢ / ١٦٠٠ م، درس مجلس مملكة بلنسية الإقليمي اقتراح أسقف إسبانيا، الكاردينال دي قرطبة، بإخراج مسلمي بلنسية وتوزيعهم على قشتالة، فنصحه ونصح الكاردينال دي ريبيرا بالاعتدال، وشدد على ضرورة الاكتفاء بطرد فقهاء الإسلام كلما اكتشفوا، واختصار مدة العفو التي صدرت من بابا روما من سنتين إلى سنة واحدة. ثم طلب المجلس من الكنيسة أن تعقد اجتماعًا على مستوى مملكة بلنسية لدراسة تنصير المورسكيين وإنشاء ميلشيات لقمع أي تمرد يصدر عنهم.
[ ١٥٠ ]
لكن الكاردينال دي ربيرا ظل يطالب الملك بطرد المورسكيين. فكتب في أواخر عام ١٦٠١ م رسالة إلى الملك يشكو فيها عنادهم وتماديهم في عدم الإخلاص للنصرانية، ويؤكد فيها خطرهم على الدين النصراني والدولة الإسبانية، إلى أن قال إنهم إن لم يطردوا "فسأرى في حياتي ضياع إسبانيا" ويصر في رسالة ثانية بتاريخ يناير ١٦٠٢ م على ضرورة طردهم لأنهم "ملحدون عنيدون وأعداء للتاج الملكي".
وفي ٣/ ١ / ١٦٠٢ م، بعد فشل هجوم إسبانيا على الجزائر، عقد اجتماع لمجلس الدولة، حضره كبار رجالها، اقترح فيه أعضاؤه طرد جميع المورسكيين، ابتداءً من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، لعلاقاتهم السرية مع الفرنسيين، ووافق بعضهم على نقلهم إلى شمال إفريقيا شرط الاحتفاظ بأطفالهم. ورأى الوزير دي ليرما والكاردينال دي قرطبة أنه من الفظاعة طرد رجال نصروا إلى بلاد المسلمين وإجبارهم بذلك على الدخول في الإسلام، واقترحا أخذ رأي بابا روما في الموضوع، كما تخوفا من ثورة مسلحة. أما فليبي الثالث فقد أجاب على الاقتراح كتابة بقوله: "إذا أمكن طردهم بدون تأنيب الضمير فإني أعتقد أن ذلك هو الحل الأفضل".
وتتابعت الاجتماعات، وتشعبت الآراء. وفي سنة ١٦٠٤ م، اجتمع مجلس الدولة ببلنسية بحضور الملك، وركز مرة أخرى على ضرورة تقوية مجهودات التنسيق. وفي مايو سنة ١٦٠٦ م، أرسل بابا روما رسائل إلى أسقف بلنسية وغيره، يطلب فيها من رجال الكنيسة في مملكة بلنسية تدارس طرق تنصير المورسكيين تنصيرًا جديًّا. ولم تأخذ الأوضاع مجرى جديدًا إلا بدخول سنة ١٦٠٨ م كما سنرى في الفصل القادم.
[ ١٥١ ]